ما بعد الحداثة.. وتحديات الإعلام والشخصية القومية

14-12-2019 | 16:16

 

انتهى المقال السابق إلى أن عصر ما بعد الحداثة أدى لتراجع الصحافة الورقية في كافة أنحاء العالم، وذلك يرجع لس

رعة انتشار وسائل التواصل الاجتماعي ورخصها.

والمتوقع خلال سنوات قليلة، أن يكون ذلك مجانيًا من خلال الأقمار الصناعية، مما يعني غلق كل شركات الاتصالات؛ مما يعني مزيدًا من الانتشار، وتمتد الظاهرة إلى الكتب الورقية؛ حيث يتراجع الإقبال عليها بشدة؛ مقابل التوسع في الكتب الرقمية، وتمتد الظاهرة إلى العملات الورقية؛ حيث نشر الأهرام في صفحته الأولى الأسبوع الماضي، أن شركة "دي لارو" أكبر شركة في العالم متخصصة في طباعة العملات الورقية أو أوراق النقد المالية التي مضى على إنشائها 198 عامًا، وتتعامل مع 140 بنكًا مركزيًا في العالم، وتصمم 36% من أوراق العملات الرئيسية في العالم، هذه الشركة معرضة للانهيار والغلق بسبب تزايد استخدام الدفع الآلي وبطاقات الائتمان، وتمتد الظاهرة إلى كافة وسائل الإعلام التقليدية من فضائيات إلى الإذاعة، فقد انتهى للأبد عصر الإعلام التقليدي؛ الذي كان يعتمد على الاتصال الأحادي، حيث كان الإعلام هو المرسل والجمهور هو المستقبل.

ولكن الإعلام الإلكتروني الحديث أو وسائل التواصل، كل فرد مرسل ومستقبل في نفس الوقت، والتفاعل مباشر ولكل فرد حرية القول والنشر والرد بدون حذف أو حجب، وتتضمن أيضًا وسائل التواصل الاجتماعي فرصًا لعرض كل الأفلام أو المسلسلات ومتابعة المباريات والأحداث لحظة بلحظة وعلى الهواء مباشرة. والخلاصة.. انتهى عصر الإعلام التقليدي، وبالتالي لم يصبح هناك مبرر للإنفاق عليه؛ لأنه ببساطة ليس له أي مردود أو عائد، وعلينا التعامل مع الإعلام الجديد..

وهنا المشكلة الحقيقية والتحدي الأكبر الذي علينا مواجهته؛ حيث إن وسائل الإعلام الرقمية الحديثة تخضع لسيطرة واحتكار قوى عظمى، وشركات كبرى تسيطر على معظم هذه الوسائل في مختلف المجالات، ومعظمها شركات أمريكية، وبعضها تحت سيطرة اللوبي الصهيوني، وهناك أيضًا شركات صينية حديثة، وتجاهد أوروبا للدخول في هذا المجال لكسر الاحتكار، وهنا تكمن المشكلة الخطيرة؛ لأن هذه الوسائل الحديثة لها تأثير قوي على شعوبنا بوجه عام، وعلى شبابنا بوجه خاص، بمعنى آخر أصبح إعلامنا الوطني غير مؤثر على شبابنا، وحل محله الإعلام الأجنبي ومعظمه أمريكي، بمصالحه وقيمه وأخلاقياته.

فأصبح هذا الإعلام بوسائله المختلفة يوجه ويؤثر في شبابنا وشعوبنا بوجه عام، فهل ندرك أبعاد وخطورة الموقف الراهن؟ لأن هذا الانتقال في حد ذاته في غاية الخطورة؛ وذلك للاختلاف الكبير بين الثقافات في جميع الأبعاد والقيم الدينية والسياسية والاقتصادية والثقافية بوجه عام، ومن هنا كان الانتقال السريع بمنزلة صدمة كبيرة سوف يكون لها تداعيات خطيرة، ظهرت بوادرها في زيادة نسبة الإلحاد والانتحار والإباحية والعنف والعلاقات غير الشرعية، وغير ذلك من سلوكيات غريبة على مجتمعاتنا الشرقية المحافظة.

والقادم أخطر ما لم نستوعب الموقف وخطورة هذه التغيرات؛ خاصة أن لهذه الشركات المحتكرة مصالحها وتوجهاتها السياسية والاقتصادية؛ حيث ترتب على ما سبق نمو متزايد لوكالات الإعلان الرقمية، وهذه تحديدًا معظمها أمريكية، وللأيباك تأثيرها الكبير عليها بالطبع.

ومن هنا تتعاظم المخاطر، ويصعب على أي دولة منفردة التصدي لهذه التحديات والمخاطر؛ لأن استمرار هذه السيطرة سيؤدي إلى تبعية اجتماعية ونفسية كاملة لشعوبنا، تؤدي بالتالي إلى تبعية اقتصادية ثم سياسية؛ لأن أولادنا والأجيال القادمة ستكون تابعة فكرًا وسلوكًا للثقافة الأمريكية؛ مما يهدد الهوية الثقافية لشعوبنا والأمن القومي ومستقبلنا بوجه عام؛ لأن التبعية الثقافية أخطر بكثير من التبعية الاقتصادية أو السياسية؛ والتي يسهل الخروج منها أو التخلص منها؛ ولذلك فالقضية أمن قومي عربي إسلامي، ومن هنا أهمية التكاتف لمواجهة هذه التحديات.

ومن هنا أقترح على جامعة الدول العربية سرعة العمل العربي المشترك؛ لإنشاء بوابة رقمية بتمويل عربي مشترك، وأخرى للإعلانات العربية، وعلى الأزهر الشريف أيضًا النظر في تأسيس بوابة رقمية للعالم الإسلامي، وأخرى للإعلانات، وذلك للحفاظ على الهوية والثقافة العربية والإسلامية.. والله ولي التوفيق.

مقالات اخري للكاتب

ما بعد الحداثة والمعرفة البيئية وجمال حمدان (11)

عصر ما بعد الحداثة يتميز بثورة وثروة المعرفة؛ بمعنى تزايد كم المعارف بشكل كبير وسريع بما يمثل ثروة كبيرة في المعرفة بكافة صورها بوجه عام، وهذا في حد ذاته

ما بعد الحداثة والاقتصاد والبيئة (10)

ما بعد الحداثة ترفض عصر الحداثة ومشتملاته؛ خاصة النظم الاقتصادية التي أدت للمخاطر البيئية المختلفة التي نعانيها الآن، مثل: تغيرات المناخ، الدفء الحراري،

ما بعد الحداثة والدعم النقدي (9)

تمثل مشكلة الدعم وعدم وصوله لمستحقيه مشكلة حقيقية تخل بالعدالة الاجتماعية والأمن الاجتماعي والاستقرار المطلوب لنجاح التنمية، وهناك أسباب مهمة لعدم وصول الدعم لمستحقيه يجب دراستها بدقة لضمان نجاح مواجهتها.

ما بعد الحداثة والتعليم والبحث العلمي (8)

نظرية ما بعد الحداثة ترى أنه ليست هناك حقيقة مطلقة، وأن الحقيقة نسبية " وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا"، وبالتالي ليس هناك من يملك الحقيقة

ما بعد الحداثة والتغيرات الاجتماعية (7)

ما بعد الحداثة والتغيرات الاجتماعية (7)

مشكلة سد النهضة وليبيا في فكر جمال حمدان وتجربة ناصر

مشكلة سد النهضة وليبيا في فكر جمال حمدان وتجربة ناصر

مادة إعلانية

[x]