مسرح للإيجار

12-12-2019 | 21:13

 

"أعطني مسرحًا أعطيك شعبًا عظيمًا".. قول مأثور نُسب إلى وليام شكسبير أو زكي طليمات، موليير أو أفلاطون، ليس هذا هو المهم الآن، إنما المهم هو صحة القول؛ لأنه ربما تكون هناك معطيات أخرى للوصول إلى الشعب "العظيم"، لكن المسرح يظل أحد الأسباب والأساليب أو الوسائط المهمة للتربية وبث الأخلاق ونشر الثقافة في الشعب.

جربنا المسرح بكل أشكاله في المائة عام الأخيرة، وبات من القوى الناعمة في مصر، التي جذبت ضمن حزمة قوى، الشعوب العربية في كل مكان..

ولكن الآن قاعات المسارح مغلقة، ولقد فوجئت بتحول بعضها - كمسرح جلال الشرقاوي في وسط البلد، أمام مبنى الأهرام - إلى سنتر تعليمي، وسألت الطلبة من كلية الحقوق جامعة حلوان، وعرفت أنهم يتلقون دروسًا بمقابل.

كانت صدمة، وإن كان يمكن التسامح في تحول المسرح إلى سنتر تعليمي صباحًا، وأن يعرض مسرحياته في الأمسيات، كنوع من الاستخدام المزدوج للمكان، لكن حتى هذا لم يحدث؛ لأن المسرح لا يقدم عروضًا الآن، ومغلق ومتوار عن الأنظار، برغم لافتاته القديمة.

لماذا لا تحول جامعة حلوان إحدى قاعاتها إلى سنتر تعليمي بدلا من هذا التشتت، والبحث عن قاعات واسعة لتلاميذها ودروسهم الخصوصية.. ثم لماذا يضطر أحد المسارح لتأجير قاعاته للدروس؛ بحثًا عن دفع أجور عماله وموظفيه.. بدلا من تقديم عروضه المسرحية؛ سواء القديمة أو الجديدة..

وبالنظر إلى دور المسارح في مصر، فهي لا تعمل تقريبًا إلا من عدد محدود، ولأيام معدودات في السنة، ما يعني غياب أو غيبوبة الحركة المسرحية في مصر.. والتي لا نرى نشاطًا لها سوى أيام مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي، وبعض مهرجانات مسارح الأقاليم والهواة، وأظن مهرجان المسرح القومي والعربي..

وفي العام الماضي شاهدنا استثناءات لعرضين مسرحيين ناجحين للقطاع الخاص ابتكرا مفهومًا جديدًا يمزج ما بين نجم العمل وجمهور لديه إمكانية مادية، وليس لديه ترفيه "عائلي" مضمون.. فكان هما عملا يحيى الفخراني ومحمد هنيدي.

ولم نعرف مصير التجربة في الوقت الراهن، لكنها دلت في حينها على القدرة على فتح ستارة حول نجم وفرقة وموضوع ومتفرجين متعطشين للضحك والترفيه والتفكير أيضًا، أو قل على استعداد لترك الموبايل لساعتين من الزمان والتفكير بطريقة مختلفة..

لكن عرضان مسرحيان لا يصنعان ربيعًا ثقافيًا، ولا يشكلان ظاهرة، وأيضًا العام الماضي قدم مسرح الدولة بشق الأنفس مسرحية الكاتب أيمن الحكيم "سيرة حب" عن حياة ومأساة بليغ حمدي في مسرح البالون.

أكتب عن هذه الحالة العسيرة للمسرح المصري؛ لأنني تصادف أن تعاطيت مع عشرين مسرحًا مصريًا تعمل في نفس الوقت من نهاية الثمانينيات وعقد التسعينيات، وتقدم النجوم والنصوص والعروض في كل مكان..
كانت خريطة مسرحية عامرة من مسرح البعوث في الأزهر؛ حيث يعرض محمد صبحي ولينين الرملي، إلى مسرح الزعيم في الهرم لعادل إمام، ومسرح نجم في الدقي، وسمير غانم في باب اللوق، ومسرح الزمالك والهوسابير وجلال الشرقاوي وميامي وفيصل ندا، ومسارح النقابات، ومسرح النهار في مصر الجديدة، ومسارح الدولة من القومي إلى الطليعة فالسلام والغد والنهر والعرائس وغيرها..

حضرت عروضًا من القومي لمحمود ياسين وحسين فهمي (أهلا يا بكوات)، ومن مسرح عادل إمام (الواد سيد الشغال)، سافرت إلى أسيوط كجزء من إستراتيجية الدولة لمكافحة الإرهاب..
ومن قلب الأضواء المسرحية، أو من ذروتها بدأت الأزمة؛ حيث باتت الميزانيات ضخمة، خصوصًا النجوم والأجور ومصاريف الكهرباء ورسوم الضرائب؛ ما أدى إلى ارتفاع أسعار التذاكر.. ثم بدأت العروض تنحسر والمسارح تغلق، ويزداد الحديث عن أزمة الإدارة، وعن إدارة الأزمة.. وفي الوسط من ذلك أحاديث عن عزوف الجمهور وندرة النصوص الجيدة..
استطاعت حكومات متعاقبة، أو وزراء ثقافة متعاقبون منذ الوزير الفنان فاروق حسني، وإلى الآن وقف دعم الدولة للسينما، وفضلوا رفع أيديهم عن السينما، فقط دعم المهرجانات وتقديم جوائز كأنها مشاركة في تكاليف الإنتاج.. فتراجعت الأفلام الجيدة - وليس فقط الإنتاج السينمائي - إلى أقل من النصف.. ونادرًا ما نرى 40 أو 50 فيلمًا في السنة كما كان الحال في السابق..

الآن أيضًا لدينا دور مسرح مغلقة.. كل الدور الخاصة والحكومية التي على رأسها المسرح القومي، الذي لم يتمكن من تقديم مسرحية فاروق جويدة "هولاكو" بعد ست سنوات من التحضيرات.. بعض العروض تخرج من مسرح الدولة؛ ربما لكي يتمكن الموظفون من قبض مكافآت، ولن أتحدث عن المجاملات في النصوص؛ لأن هذا هو دور النقاد..

ولقد بحث مسرحيون مصريون الأزمة من كافة جوانبها، لكنهم وحدهم لن يتمكنوا من إضاءة خشبة المسرح، والطواف بالعروض على المحافظات، وكنا زمان نرى العروض تجول في المدن، ونرى الفرق الحكومية والخاصة والمسرح الجامعي، وحتى المسرح العسكري الذي لم يكتب تاريخه بعد على قدر معرفتي المتواضعة..

إن عودة الأضواء إلى المسرح بمساهمة ودعم مباشر من الحكومة، سوف يفكك أزمته حلقة بعد حلقة، فالمسرح ركن أساسي من منظومة الثقافة في مصر، وأحد قواها الناعمة..

ولائحة أزمة المسرح في مصر متخمة، وليست سهلة أو يسيرة؛ لكنها تحتاج إلى عودة الدولة لضخ ميزانية كبيرة، وإلى الاهتمام بالفنون المنسية والمهددة بالانقراض؛ وفي مقدمتها المسرح.

مقالات اخري للكاتب

هل نستخدم تقنية الـVAR في حياتنا

ماذا لو كان بوسعنا استخدام تقنية الـVAR في حياتنا والتي أقرت رسميًا من الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) قبل عامين فقط..

لحظة تحد في مصر

لحظة تحد في مصر

استعادة ليبيا

هل يستطيع العرب استعادة ملف ليبيا مرة أخرى، بعد أن أضاعوه طواعيةً وبقرار من جامعة الدول العربية عام 2011، وأرسلوه إلى مجلس الأمن.. ثم أصدر مجلس الأمن بدوره قرارًا رقم 1970 في مارس 2011، بحظر إرسال السلاح إلى ليبيا، ثم أيام وصدر القرار رقم 1973 بفرض حظر جوي وتنظيم ضربات ضد ليبيا 1973..

أوراق مهمة في حقيبة الثقافة

عقب التغييرات الوزارية الأخيرة، عقد الرئيس السيسي اجتماعًا مع الوزراء الجدد، بينما يمكن قراءة اهتمامات خاصة بالمرحلة المقبلة في قطاعات معينة، من خلال اجتماعات

صيحة طه حسين

مستقبل الثقافة في مصر.. الصادر عام 1938.. واحد من أهم كتب الدكتور طه حسين.. وهو عن الثقافة بمعناها الشامل، وركيزتها التعليم..

مسرح للإيجار

"أعطني مسرحًا أعطيك شعبًا عظيمًا".. قول مأثور نُسب إلى وليام شكسبير أو زكي طليمات، موليير أو أفلاطون، ليس هذا هو المهم الآن، إنما المهم هو صحة القول؛ لأنه

الأكثر قراءة