رييوا.. مخاطر سياسية غير مسبوقة باليابان

8-12-2019 | 19:40

 

كيف تبدو في الأفق أحوال السياسة الخارجية اليابانية ، خلال العقود الثلاثة المقبلة، والمتوقعة من عصر "رييوا"، الذي بدأ رسميًا في أول مايو 2019؟

رؤية واقعية لمستها وسمعتها، من مختلف الأوساط، خلال زيارتي ل طوكيو أوائل شهر نوفمبر الماضي، لخصها الدبلوماسي المصري، القدير، المستشار وليد الفقي، بحتمية: "تعديل الدستور في مواجهة المخاطر، غير المسبوقة التي تتعرض لها اليابان منذ الحرب العالمية الثانية، وأهمها، ما تراه اليابان، ولا تفصح عنه، من بدء ظهور تصدع في جدوى الاعتماد على الحليف الأمريكي".

فيما سأكتبه اليوم، سوف أحاول الاقتراب "مما تراه اليابان، ولا تفصح عنه"، فى سياستها الخارجية، المرجوة والمأمولة، والمتوقع أن تواجه مخاطر غير مسبوقة، فى عصر الـ"رييوا"، حسب التحليل - الشخصى - للمستشار الفقي، وبالذات مع بدء ظهور تصدع في جدوى الاعتماد على الحليف الأمريكي، فيما يتعلق بتعديل الدستور الياباني، فيما يبدو، هذا الأمر سيؤخذ بجدية، تمهيدًا لتعديل نص المادة التاسعة الخاصة "بنبذ الحرب وامتلاك الإمكانات الحربية، وكل ما ينكر على اليابان حقها في شن أي حرب"، وأملًا فيما يمكن وصفه "بناء منظومة أمن قومي جديدة ترتكز على نص دستوري واضح بأحقيتها في استخدام القوة المسلحة للدفاع".

وفقًا لدستور عام 1947، وحسب إحصائيات 2017، تضم قوات الدفاع الذاتي اليابانية حوالى 250 ألفًا من القوات البرية والبحرية والجوية، وتصل ميزانية الدفاع إلى أكثر من 5 ترليونات ين (الدولار يساوي- حاليًا- نحو 108 ينات).

فى الأسابيع القليلة الماضية، نشرت وسائل الإعلام اليابانية أن واشنطن طلبت من طوكيو زيادة مدفوعاتها للقوات الأمريكية بأكثر من 4.5 أضعاف المستوى الحالي، أي حوالى 8 مليارات دولار، في السنة المالية 2021، وما بعدها، ومن الواضح أن طوكيو تعارض بشدة الطلب الأمريكي؛ لأنها تتحمل - بالفعل - 189.3 مليار ين سنويًا في الوقت الراهن، لتغطية تكاليف العمالة اليابانية في المشآت الأمريكية باليابان، بالإضافة إلى فواتير المرافق في تلك المنشآت.

فى تصريح صحفي الأسبوع الماضي، أكد الرئيس دونالد ترامب المطالب الأمريكية ثانية، مشيرًا إلى أن "اليابان دولة غنية"، غير أن المتحدث باسم الحكومة اليابانية رد عليه قائلًا: "اليابان تدفع حصة مناسبة لتكاليف القوات الأمريكية".

منذ هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية، أصبح استمرار التحالف بين اليابان والولايات المتحدة أحد الثوابت، وله الأولوية المطلقة في سياسة اليابان الخارجية.

على مدى نحو 75 عامًا، وبالتحديد، منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، التي تكبدت فيها اليابان 3.1 مليون قتيل (2.3 مليون جندي و800 ألف مدني) تمتعت طوكيو بفترة سلام، واتبعت مبدأ التوازن الدقيق في سياستها الخارجية.

هناك ما يشبه الإجماع في اليابان بأن سياسات الرئيس الأمريكى، ترامب ، المتقلبة، وغير المأمونة، تسببت في إحداث عدم الاستقرار بالمنطقة، وبالذات، فيما يتعلق بمحادثات القمة، غير المسبوقة، مع كوريا الشمالية، وما تسعى إليه واشنطن لبناء تحالف أمني إقليمي، لاحتواء الصين عسكريًا وحصارها اقتصاديًا.

طوكيو تصر على ضرورة إخلاء شبه الجزيرة الكورية من الأسلحة النووية، وترى أن التوتر الأمني في المنطقة لن يتوقف، طالما استمرت بيونج يانج في إنشاء المنصات، وإطلاق الصواريخ الباليستية فوق الأراضي والمياه اليابانية.

في عام 2019، أطلقت كوريا الشمالية ما يزيد على 20 صاروخًا، وفي آخر إطلاق صاروخي كوري شمالي، تلقى رئيس الوزراء الياباني، تحذيرًا بأنه "قد يرى بنفسه كيف يبدو الصاروخ الباليستي الحقيقي، عن قرب وعاجلًا!!".

في علاقتها مع الصين، تظهر كل المؤشرات أن اليابان تتبع سياسة استقلالية عن واشنطن في مجالات الدبلوماسية الاقتصادية مع جيرانها الآسيويين، وفي مقدمتهم الصين، وتنأى طوكيو بنفسها عن الخلافات وتحديدًا، سياسات واشنطن العدائية تجاه بكين، وتؤكد طوكيو التفاعل والاستجابة مع ما حققته الصين من تقدم اقتصادي.

في الخلفية، تظل هناك خلافات حول مبادرة الحزام والطريق وكيفية الانخراط المشروط فيها، وكذلك، مخاوف أمنية في طوكيو ، بخصوص ما تسميه اليابان بأنشطة خفر السواحل الصينية المتزايدة، والوجود الصيني في بحر شرق الصين.

فى علاقتها مع روسيا، تحرص الحكومات اليابانية المتعاقبة على إظهار قدر من استقلالية القرار، بهدف توثيق التعاون الثنائي، السياسي والاقتصادي والأمني، غير أن مشكلة الأراضي الشمالية، المتنازع عليها بين اليابان وروسيا، لا تزال عالقة، والسؤال: كيف سيتم التوصل إلى حل مقبول للطرفين في عصر الـ رييوا؟

إلى أي مدى ستؤثر السحب الداكنة - الحالية - في سماء ومسيرة العلاقات بين اليابان وكوريا الجنوبية في عصر الـ"رييوا"، ولمصلحة من الاستمرار في تلغيم وتأزيم الأجواء، خاصة، بعدما لمحت طوكيو أن سول غير جديرة بالثقة، وأزالت اسمها من القائمة البيضاء لشركائها التجاريين المفضلين؟!

نصل إلى ما يمكن تسميته بـ "مربط الفرس"، وهو سياسة اليابان المرتقبة والمتوقعة في عصر الـ"رييوا" مع منطقة الشرق الأوسط، وفى القلب منها مصر.

أستأذن القارئ لتخصيص المقال المقبل حول هذا الملف، خاصة بعد إعلان واشنطن أنها أصبحت مصدرًا صافيًا للبترول ومنتجاته، لأول مرة منذ عام 1949، ولأن تفسير المراقبين المباشر له هو: طالما استغنت أمريكا عن الواردات من دول الشرق الأوسط المنتجة للبترول، فإن إدارة ترامب ، التي تسلك "سياسة أمريكا أولًا" قد تقلل انخراطها في المنطقة.. فماذا يعني كل ذلك بالنسبة لليابان؟

kgaballa@ahram.org.eg

مقالات اخري للكاتب

اليوم .. العرب والصينيون في انتظار المزيد

ماذا يريد العرب من الصين.. وماذا تريد الصين من العرب؟ سؤال مطروح للنقاش اليوم، أمام الاجتماع الوزاري لمنتدى التعاون العربي - الصيني عبر دائرة الفيديو؟

دروس مستفادة للقضاء على الفيروس والفقر

هل تصلح تجربة الصين فى الانتصار على فيروس كورونا، والقضاء على الفقر، وتحقيق أعلى معدلات للنمو المتواصل،على مدى العقود الأربعة الماضية، للاقتداء بها في عدد من دول العالم، ومن بينها مصر؟

النموذج الياباني في التصدي لـ"وباء كورونا"

فى مساء يوم 11 يونيو الحالي، تابعت على الهواء مباشرة فرحة اليابانيين، عندما انطفأت الألوان التحذيرية الحمراء، التي كانت تضيء معالمها، إيذانًا بعودة الحياة

كوبا تتصدر الجيوش البيضاء في حرب كورونا

في الحرب العالمية على وباء كورونا، لن تنسى ذاكرة الشعوب الاستقبال الحار والترحيب بالتصفيق والدموع للأطباء الكوبيين- بملابسهم البيضاء باعتبارهم أبطالا- لدى هبوط طائرتهم فى ميلانو، وهم فى طريقهم لنجدة مقاطعة لومباردي.

معجزة نجاة فيتنام من الجائحة

الاحتواء الناجح لوباء كورونا فى فيتنام هو معجزة تدعو للفخر الإنسانى، لاعتماده على تدابير بسيطة، ومنخفضة التكاليف، بحكم الموارد المحدودة، والحدود الطويلة مع الصين، يضاف لسجلات "هانوى" التاريخية فى هزيمة إمبراطوريتين عظميين.

سر هزيمة كورونا في الصين

بداية، التهنئة واجبة لكل من مصر والصين، وهما تحتفلان فى هذه الأيام بمرور 64 عاما على تأسيس العلاقات الدبلوماسية الرسمية فى 30 مايو 1956، الموافق يوم أمس

رأي في أزمة كورونا

أعود للكتابة فى موضوع الساعة المرتبط بأزمة فيروس كورونا وتداعياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية غير المسبوقة فى التاريخ العالمى الحديث.

أفغانستان: الثلاثاء الدامي أطاح بصفقة الدوحة

أختتم اليوم سلسلة تضمنت 12 مقالا كتبتها عن جرح أفغانستان الدامى، وقد بدا الوضع فى أسوأ حالاته يوم الثلاثاء الماضى، بوقوع هجمات وحشية على مستشفى ولادة وجنازة أسفرتا- مع غيرها- عن مقتل وإصابة المئات، بينهم النساء والأطفال، وأطاحت بفرص نجاح صفقة الدوحة للتسوية السلمية بين إدارة ترامب وطالبان.

طالبان شريك إستراتيجي لأمريكا.. كيف؟!

خلفية سياسية شاملة وكاملة بخصوص المشكلة الأفغانية، الأسباب والحلول، فزت بها خلال زيارتى الثانية لأفغانستان، فى أبريل عام 2019، وذلك عندما أتيحت لى الفرصة

شهادة مبعوث أمريكي على الهزيمة في أفغانستان

بريت ماكغورك هو المبعوث الأمريكى السابق لدى التحالف الدولي لمحاربة داعش، اعتبر الاتفاق الموقع بين واشنطن وطالبان بالدوحة بأنه أعطى للحركة معظم ما كانت تطمح إليه، وأنه لن يحل السلام في أفغانستان، بل يزرع بذور حرب جديدة.

لماذا يكره الأفغان حركة طالبان؟!

هذا السؤال طرحته - بشكل مباشر- على العديد من أطياف الشعب الأفغاني، خلال الزيارتين الميدانيتين، اللتين قمت بهما لمدينتى هيرات وكابول منذ أشهر قليلة.

الطالبان عائدون .. والحرب الأهلية تقترب

ما السيناريوهات المتوقع حدوثها في أفغانستان؟ هل تندلع حرب أهلية جديدة؟ هل ينجح مشروع الحوار الأفغاني- الأفغاني؟ هل تقبل طالبان بأن تصبح جزءًا من حكومة مدنية ممثلة لكل الأطياف وفقًا لدستور عام 2004؟ هل تستولي الحركة من جديد على حكم أفغانستان؟ هل سيجرى تشكيل حكومة أفغانية مؤقتة بعد سنة؟

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]