صلاح منتصر .. حلواني الصحافة المصرية

9-12-2019 | 15:07

 

من الصحفيين الكبار الذين تشرفت بالعمل معهم والتعلم منهم خلال رحلتي الصحفية بجريدة الأهرام، الكاتب الصحفي الكبير الأستاذ صلاح منتصر ، الذي يظل أحد الأسماء البارزة في الصحافة المصرية ، الذي بدأ مسيرته الصحفية وهو طالب بالسنة الثانية بكلية الحقوق؛ حيث عمل بمجلة «الجيل الجديد»، وانتقل منها إلى مجلة «آخر ساعة»، ثم انتقل إلى أخبار اليوم، حتى مارس 1958؛ حيث انتقل مع محمد حسنين هيكل إلى الأهرام، وظل يعمل معه حتى ترك هيكل الأهرام 1974، وواصل منتصر رحلة تألقه بالأهرام، من قسم التحقيقات الصحفية الذي كان يرأسه، حتى أصبح مديرًا لتحريرها، مع الأستاذ مكرم محمد أحمد، حتى عين رئيسًا لمجلس إدارة «دار المعارف» ورئيسًا لتحرير مجلة «أكتوبر» في الفترة من 4 فبراير 1985 حتى 2 يناير 1994، ثم عاد بعدها إلى الأهرام.

تعرفت عليه منذ التحاقي بـ"الأهرام" ومنه تعلمت العمل بهدوء وفي صمت وبدقة متناهية، كان منضبطًا في كل أمور حياته، لا يتخلف أبدًا عن موعد حضوره إلى الأهرام، ويبدأ العمل منذ لحظة وصوله إلى الجريدة، حتى موعد انصرافه، عهدته أنيقًا في ملبسه وفي تعاملاته مع الجميع صغيرًا وكبيرًا، كان مشاركًا في كل الاجتماعات التحريرية، وفي كل محاولة لتطوير الجريدة، عندما بدأت الأهرام تدخل مرحلة التكنولوجيا، وبينما وجد بعض الكبار في ذلك صعوبة كان هو ينافس شباب الأهرام في استخدام المستحدثات التكنولوجية بإجادة تامة.

عملت معه وهو مشرف على تغيير صفحات المحليات، عندما كان مشرفًا على ديسك المحليات، بمجرد أن تصدر الطبعة الأولى كان يجهز الطبعة الثانية ونتسلمها منه لتنفيذها، كان صحفيًا بكل معاني الكلمة، تحريريًا وفنيًا، فهو مايسترو في الكتابة وفي الإخراج أيضًا، وهو من جيل الصحفيين الكبار المتخصصين، فقد تخصص في صحافة البترول سنوات طويلة، حتى أصبح خبيرًا في هذا المجال الحيوي، وظل يعمل بجد واجتهاد، ونحن نتعلم من التواضع والإصرار على الإجادة ومواكبة كل تطور مهني.

تعلمت منه كيف أكتب المقال، منذ أن كان يكتب "علامة استفهام" في الصفحة الثانية بالأهرام، حتى أصبح من أشهر كتاب المقال في الصحافة المصرية من خلال عموده اليومي "مجرد رأي".

وقف " صلاح منتصر " إلى جواري كثيرًا وكنت أعمل برأيه في كل موقف مررت به، وعندما تركت أنا الأهرام بعد تقاعدي في مارس 2013، وعملت في كلية الإعلام وفنون الاتصال بجامعة 6 أكتوبر مشرفًا على قسم الصحافة، ذهبت إلى الكاتب الكبير في بيته؛ حيث دار بيننا حوار مطول، حيث اخترناه ليطلق اسمه على دفعة 2015 من خريجي الكلية، وقال إنه بدأ حياته الصحفية كهاوٍ منذ أن كان عمره 13 عامًا؛ منذ كان طالبًا بالثانوية العامة، وأن ما جعله يحب الصحافة ويهواها أنه قرأ ذات يوم قصة للكاتب الصحفي إبراهيم الورداني، ووجد نفسه يقرأها حتى النهاية في جلسة واحدة، ومن يومها قرر أن يكون كاتبًا صحفيًا، وبالفعل بدأ في إصدار صحيفة أسبوعية بعنوان "الحقائق"، كما أصدر بعدها صحيفة "الزميل" عندما كان في المدرسة السعيدية، ولأنه كان يعتبر نفسه في هذه السن صاحب مؤسسة صحفية، ورئيس تحرير ومحررًا، قرر أن يصدر جريدة يومية، وهي "الأخبار"، وكان ذلك قبل أن يصدر الأخوان مصطفى وعلي أمين جريدتهما بنفس الاسم، وكان شقيقه الذي يكبره بعشر سنوات هو القارئ الوحيد لهذه الصحف.

وعن واقع الصحافة المصرية حاليًا يلخص منتصر حقيقة الأزمة في تلك المديونية الكبيرة التي تراكمت على الصحف القومية حتى وصلت إلى 21 مليار جنيه، وهو رقم كبير يفوق طاقة هذه الكيانات، التي تدهورت أوضاعها، حتى إن بعضها يستجدي الحكومة لدفع رواتب العاملين بها، والحل كما يراه كاتبنا الكبير هو اللجوء إلى الصحافة الإلكترونية، وتشجيعها وتطوريها، ووضع القواعد والتشريعات الصحفية والمهنية التي تضبط إيقاع العمل بها، ولابد أن تستيقظ نقابة الصحفيين لذلك، فالصحافة الإلكترونية لا تحتاج إلى طبع ونقل وتوزيع، وهذه الأمور مكلفة جدًا.

يقول الكاتب صاحب الأخلاق العالية الرفيعة، إن من دواعي فخره واعتزازه أنه زامل في الأهرام قممًا من أدباء ومثقفي ومفكري مصر، وعندما كان مشرفًا على صفحات الرأي كان يتعامل مع كبار كتاب مصر: توفيق الحكيم، نجيب محفوظ، يوسف إدريس، عبد الرحمن الشرقاوي، سعد الدين وهبة وغيرهم، وينسق عملية نشر مقالاتهم، وأن ذلك كان يجعل المسئولية ثقيلة، ولكنه بفضل تفهمه لطريقة وأسلوب كل كاتب منهم، تمكن من أن يسير العمل وفقًا لقواعد الأهرام العريقة، وفي سهولة ويسر، وكان كل منهم يبدع، ويصل إبداعه إلى قراء الأهرام، الذي تميز دائمًا بكتابه.

ويتذكر "منتصر" أول موضوع نُشر له في "آخر ساعة" فيقول: "كان ذلك بمناسبة إلغاء النظام الملكي وإعلان الجمهورية في يونيو سنة 1953؛ حيث نُشر خبر اعتزام الدولة فتح أبواب القصور الملكية للشعب، فقررت فورًا ترجمة هذا الكلام إلى واقع، فذهبت إلى منطقة المهندسين - وكانت وقتها عبارة عن قرية زراعية - واخترت فلاحًا من هناك يدعى محمد سليم وزوجته وابنهما الصغير الذي لا يتجاوز عمره السنوات الثلاث، وحصلنا على تصريح دخول قصر عابدين، وقمت باصطحاب هؤلاء داخل القصر، ومعي المصور "عبده خليل"، وتم تصوير الفلاح وهو جالس على عرش صاحب الجلالة!!

وأعد الموضوع للنشر تحت عنوان "الشعب يجلس على العرش" لكن الرقابة اعترضت عليه، ومن حسن حظي أن البكباشي جمال عبدالناصر كان يزور آخر ساعة في ذات الليلة مع بعض الضباط الأحرار في ضيافة "هيكل"، وعرضت عليه موضوعي الممنوع من النشر، فأطل عليه، وقرأ عناوينه وأمر بنشره، وهكذا نشر أول موضوع لي بأمر من جمال عبدالناصر ".

كثيرة هي ذكريات العمل مع صلاح منتصر ، الذي كاد يعمل حلوانيًا في دمياط التي عاش فيها 14 سنة مع عمته؛ حيث تعلم تصنيع المشبك والملبن وصواني البسبوسة واللديدة والبسيمة.. فأصبح صحفيًا يقدم كل ما يبهج الناس، ويفيدهم ويسمو بفكرهم ويغذي قلوبهم، ويعبر عن أحوالهم، بأسلوبه الحلو البسيط، فهو بحق حلواني الصحافة المصرية .

Dr.ismail52@gmail.co

مقالات اخري للكاتب

حق وليست مِنة!!

في الوقت الذي كنا نتحدث فيه عن أهمية الإعلام الحقيقي والموضوعي في إقامة جسور الثقة بين الشعب وقيادته، وأهمية هذا الدور في جعل إنجازات تلك القيادة الرشيدة

الإعلام وجسور الثقة بين الشعب وقيادته

الإعلام الحقيقي والموضوعي هو الإعلام الذي يرى بعين الجماهير ويتحدث بلسانها، ويعبر عن طموحاتهم، ويجسد آمالهم وتطلعاتهم نحو المستقبل، وفى ذات الوقت الذى

ضرورات التعايش مع "كورونا"

بعد الاتجاه لعودة الحياة إلى طبيعتها، ليس في مصر وحدها وإنما في غالبية دول العالم بعد فترة الحظر والإجراءات الاحترازية إثر جائحة كورونا، أصبح من الضروري

عندما هدد ثروت أباظة بالاستقالة من "الأهرام"

خلال رحلة عملي في جريدة "الأهرام" التي بدأت عام 1976، تعلمت وعملت مع مجموعة من كبار المفكرين فى مصر، ورواد مهنة القلم، تأثرت بهم وتعلمت منهم خلال العديد

دراما الغابة!!

بعيداً عن مسلسل "الاختيار" الذى قدم لنا نموذج التضحية والفداء والعطاء لمصر، ممثلاً في بطولة العقيد أركان حرب "أحمد منسي"، وبعض المسلسلات الكوميدية والرومانسية

"الاختيار" .. وقيم الولاء والانتماء

يقول الله سبحانه وتعالى في الآية 3 من سورة "يوسف": ( نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ

"كمامة" لكل مواطن!!

نعم" كمامة" لكل مواطن،أعتقد أن ذلك أصبح أمراً واقعاً وضرورياً بعد أن أكد رئيس الوزاء أن ارتداء الكمامة سيكون إجباريا في كافة المنشآت بالدولة والمواصلات العامة، ولن يسمح بدخول أي مكان بالدولة دون ارتداء كمامة، وسيتم فرض عقوبات على المخالفين ممن لم يرتدون الكمامات.

"فاروق هاشم" .. الجنرال الزاهد

يقول الدكتور طه حسين: "ديوان الحياة المصرية المعاصرة" هذا أصدق وصف يمكن أن توصف به "الأهرام"، كما أن أصدق وصف وصِف به الشعر العربي القديم هو أنه ديوان العرب.

بين "الزعيم".. و"حروب الهوانم"

وسط حصار " كرونا" الإجبارى لأصحاب مهنة البحث عن المتاعب أمثالي، وجدت نفسي مقسماً بين قراءة القرآن الكريم ، الذي أتعلم منه يوميا ودائما كل جديد، فالقراءة

كل عام وأنتم رمضانيون قلبا وقالبا

الحمد لله لقد بلّغنا رمصان.. هلت لياليه الجميلة الحافلة بالرحمة والتراحم العامرة بالمغفرة والود والتسامح، وإن كنا نذوب شوقًا إلى الركوع فى المساجد وأن

رسائل على جناح "كورونا"!!

ما زالت معاناة الناس مع "كورونا" مستمرة، لا توجد أسرة مصرية أو عربية إلا وذاقت ألم هذا الفيروس؛ إما فقدًا أو فرقة أو تشتتًا أو تعطيل حال وزيادة نسبة البطالة،

حتما .. سترحل يا "كورونا"!!

برغم أننا جميعًا نعانى من" كورونا"وبرغم هجومه الكاسح وأن "الفيروس" لا يفرق بين غنى أو فقير، وبين بلد متقدم وآخر نام، وبرغم أنه أكد فشل النظام العالمى الحالى،

الأكثر قراءة

[x]