ما بعد الحداثة والصحافة الورقية (2)

7-12-2019 | 15:26

 

تؤكد المؤشرات والإحصاءات - سواء على مستوى العالم بوجه عام أو على مستوى الوطن العربي أو داخليًا بمصر - أن هناك تراجعًا كبيرًا؛ سواء في أعداد توزيع الصحف الورقية أو قيمة الإعلانات المادية في هذه الصحف، هذا على الرغم من تزايد عدد السكان؛ وهذا يعني ببساطة تراكم وتزايد الخسائر والديون المالية لهذه المؤسسات الإعلامية، والمشكلة ليست فقط مادية؛ حيث من واجب أي دولة الإنفاق على كثير من الخدمات الثقافية والتعليمية والصحية وخلافه، بغض النظر عن العائد المادي.

ولكن الإعلام التقليدي بوجه عام - وفي مقدمته الصحف الورقية - يتناقص عدد القراء والمتابعين بشكل كبير؛ مما يعني تراجع تأثيرهم على المجتمع أو الرأي العام بشدة، وبالتالي تفقد هذه الصحف مبرر وجودها أو سبب الإنفاق عليها؛ لأنه ببساطة ليس هناك مردود لهذا الإنفاق، ولا لاستمرارها بوجه عام؛ ولذلك يصبح من الضروري توجيه كل الاهتمام - وليس بعضه أو معظمه بل كل الاهتمام - للصحافة والإعلام الرقمي والآن وفورًا؛ حيث تشير كل التقارير والدراسات إلى توقف الطبعة الورقية في كثير أو معظم صحف العالم.

وعلى سبيل المثال وليس الحصر توقفت صحيفة الـ"نيورك تايمز" وصحيفة "كريستيانسانيس موينتور"، واكتفت هذه الصحف بالنسخة الرقمية، وتوقفت مجلة "نيوزويك" الأسبوعية، ومجلة "يو إس نيوز اندريبورت"..

كل هذه الصحف والمجلات - التي توقفت – من أكبر صحف ومجلات العالم انتشارًا، ومعظمها تحول من الورقي إلى الرقمي منذ نحو عشر سنوات.

وفي إنجلترا تم إغلاق أكثر من مائة صحيفة محلية تشمل كل التخصصات والاهتمامات من سياسية إلى اقتصادية أو فنية أو رياضية، وفي فرنسا تم إغلاق النسخة الورقية لجريدة "فرانس سوار" منذ نحو تسع سنوات، وتكرر نفس الموقف مع الصحف العربية؛ حيث تم إغلاق صحيفتي "السفير والمستقبل"، وهما من أعرق صحف لبنان.

كل ما سبق يؤكد أن التحول الرقمي أصبح ظاهرة عالمية تمس العالم كله بلا استثناء، وكل هذه المؤشرات تعكس تراجعًا شديدًا في عدد القراء والمتابعين، وهذا بالطبع انعكس على تراجع قيمة الإعلانات بشدة في الصحف على مستوى العالم؛ لأن قيمة الإعلان ترتبط بعدد القراء؛ حيث تشير بعض الدراسات إلى أن ميزانية الإعلانات في الصحف العربية بوجه عام تراجعت منذ عام 2010 بنسبة 32%، بعد خمس سنوات فقط في مقابل ارتفاع نسبة الإعلانات في الصحف الرقمية.

وللأسف تمتد هذه الظاهرة إلى الإقبال على شراء الكتب الورقية في مقابل زيادة الإقبال على الصحف الإلكترونية؛ فهي ظاهرة عالمية عامة، وتراجع عدد الصحف الورقية يعني تراجع عدد القراء؛ مما أدى لتراجع الإعلانات والحصيلة المادية للإعلانات؛ مما أدى لخسائر مادية لكل الصحف الورقية؛ مما أدى لزيادة العبء على الدولة، وزيادة الدعم والخسائر للجميع.

وفي مصر تشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى أن عدد الصحف الورقية في مصر عام 2010 بلغ 142 صحيفة، بمعدل توزيع 918 مليون نسخة سنويًا، انخفضت هذه النسخ بنسبة 58% عام 2016، ويقدر بعض الخبراء إجمالي توزيع جميع الصحف الورقية الآن في مصر بنحو 300 ألف نسخة يوميًا، وللأسف جزء كبير من هذه النسخ يوزع على هيئات حكومية بشكل تقليدي متبع من عشرات السنوات، وليس له مبرر الآن، وبالتالي هذه النسخ لا يعتبر لها عائد مالي؛ مما يعني أن الإيرادات الحقيقية أقل من ثمن الـ 300 ألف نسخة.

ومعلوم أن الأهرام وحده كان يوزع أكثر من ضعف هذا الرقم في الستينيات، وتشير بيانات الهيئة الوطنية للصحافة إلى أن ديون المؤسسات الصحفية تصل لنحو تسعة عشر مليار جنيه مصري، وأن عدد العاملين في الصحف نحو ثلاثين ألفًا بجانب عدد هائل أيضًا في التليفزيون.

ومن هنا فإن الصراحة تقتضي أن يعرف الجميع ويستعد للاختفاء القريب للصحافة الورقية وخلال سنوات قليلة؛ بل الأفضل خلال شهور قليلة لوقف نزيف الأموال التي تنفق بلا أي عائد أو مبرر؛ لأنه ليس هناك أي عائد من هذه الخسائر.

ولذلك أصبح المطلوب الآن سرعة إجراء دراسات ميدانية واسعة لاستطلاع رأي المواطنين - وخاصة فئة الشباب - في مدى متابعتهم لوسائل الإعلام المختلفة؛ سواء صحفًا ورقية أو إلكترونية أو فضائيات أو وسائل تواصل اجتماعي؛ لنفهم ونعرف ماذا يريد الشباب والمواطن بوجه عام لكي نستطيع التعامل معه، وتوجيه جهودنا نحو المفيد؛ لأن سرعة التغيرات حولنا كبيرة، وعلينا مسايرة العصر، وإلا سوف نجد أنفسنا نعيش الماضي والعالم يتغير حولنا.. وهذا هو مضمون نظرية ما بعد الحداثة، والإعلام بوجه عام، والصحف الورقية بوجه خاص..

مقالات اخري للكاتب

مشكلة سد النهضة وليبيا في فكر جمال حمدان وتجربة ناصر

مشكلة سد النهضة وليبيا في فكر جمال حمدان وتجربة ناصر

ما بعد الحداثة والمرور في العالم وفي قاهرة المعز (6)

ما بعد الحداثة مجتمع يتميز بالمدن الخضراء الخالية من التلوث أو المحدودة التلوث، حيث تعتمد هذه المدن على استخدامات الطاقة المتجددة بوجه عام في المساكن والعمل

ما بعد الحداثة والمتغيرات السياسية (5)

أحدثت ثورة الاتصالات تغييرات جوهرية، امتدت للمجال السياسي، بالإضافة إلى فشل النظم السياسية المختلفة بوجه عام في تحقيق طموحات شعوبها؛ مما أكد مضمون نظرية ما بعد الحداثة التي ترفض تعميم أي نظريات سابقة؛ لأن هذه النظريات شكلت نظمًا سياسية واقتصادية أدت إلى تدهور الأوضاع البيئية والاجتماعية لمعظم البشر

حملة قومية لحماية هويتنا ولغتنا الجميلة

كانت مقالة "د.إسلام عوض" الأخيرة بعنوان: "أيها الإعلاميون.. ردوا إلى أم اللغات اعتبارها" التي تناول فيها لغتنا العربية؛ لغة القرآن الكريم وتعرضها للإهمال الكبير، بمثابة تحذير مهم لنا جميعًا، والقضية ليست شكلية؛

ما بعد الحداثة وانتشار الروبوت (4)

من أهم سمات العصر سرعة انتشار الروبوت في معظم مجالات الحياة؛ بل تقريبًا كل المجالات بعضها إيجابي ومفيد، وبعضها خطير يهدد حياة الإنسان حيث تتوقع بعض الدراسات

ما بعد الحداثة.. وتحديات الإعلام والشخصية القومية

انتهى المقال السابق إلى أن عصر ما بعد الحداثة أدى لتراجع الصحافة الورقية في كافة أنحاء العالم، وذلك يرجع لسرعة انتشار وسائل التواصل الاجتماعي ورخصها.