عواجيز "الأيرلندي" ينتصرون لسينما الكبار

7-12-2019 | 13:14

 

قبل عرض الفيلم الأمريكي "الأيرلندي"، كان السؤال المطروح بين بعض من ترقبوه.. هل ستنجح تجربة المخرج "مارتن سكورسيزي" في تقديم فيلم عن العصابات وكل أبطاله تقريبا "عواجيز"؟ّ!، فقد تجاوز روبيرت دي نيرو السادسة والسبعين، وآل باتشينو التاسعة والسبعين، وجوبيشي ست وسبعين عامًا، وسكورسيزي 77 عامًا.

روبرت دي نيرو نفسه، لم يصدق سيزي عندما اقترح عليه تقديم رواية "أنت تطلي المنازل" لتشارلز براندت، واعتبرها في البداية مزحة، لكن علاقتهما الوثيقة، والتي امتدت لسنوات، قدما فيها أعمالًا ناجحة، دفعته لأن يثق في قدراته، وفي سحر شخصية رجل العصابات القاتل المأجور "فرانك شيران".. وهو كمخرج لديه تجارب كثيرة حققت النجاح المتوقع منها فيلمه "المغادرون"، الذي قدمه عام 2006، عن قصة لفيلم صيني "شئون جهنمية" من قبل.. وكانت تجربة "المغادرون" وهي عن المافيا وعالم العصابات، موفقة لكنها بنجوم شباب، مات ديمون، وليوناردو دي كابريو، وجاك نيكلسون، ومارك والبيرج.. وهي تقريبًا نفس تركيبة الشخصيات التي قدمها تقريبًا في "الأيرلندي".

عرض فيلم "الأيرلندي" في افتتاح مهرجان القاهرة السينمائي، بعد عرضه في مهرجان نيويورك في دورته الـ 57، ثم عرض مؤخرًا في مهرجان مراكش السينمائي، وانتشر عرضه بعد رفعه على منصة "نتفلكس" بين الجماهير.. ولأن مدة الفيلم تجاوزت الثلاث ساعات ونصف، فقد شعر بعض من تابعوه بملل خاصة في الجزء الأول منه، أو لطريقة السرد التي اعتمدها "سكورسيزي" وهي التحليق بين الماضي والحاضر من خلال "فلاش باك" على لسان بطل الفيلم، "فرانك شيران"، الذي قدمه "روبيرت دي نيرو"، قاتل مأجور يجلس في المشهد الأول من الفيلم على كرسي متحرك، يسرد بشكل متتابع حكايته منذ أن كان مجندًا في الحرب العالمية بإيطاليا وحتى قتله في الفيلم لـ"جيمي هوفا"، الذي قدمه آل باتشينو.

ما بين المشهد الأول وحتى لحظة إطلاق "فرانك شيران" النار من مسدسه على صديقه "جيمي هوفا"، والذي جاء في الرواية لاختفائه وليس قتله، ما بين المشهدين تدور الأحداث والوسيط فيها هنا؛ بل والمحرك لكثير منها هو "راسيل بافلينور"، الذي جسده العملاق "جوبيشي"، وهو يلتقي مع سكور سيزي لأول مرة، وبترشيح من صديقه روبيرت دي نيرو.

إذ كان "راسيل" قد التقى "فرانك" في أثناء تعطل شاحنة الثاني في الطريق فقام هو بإصلاحها له ليتعرفا معًا على بعضهما، دون أن يكشف "راسيل" لـ "فرانك" عن اسمه أو هويته، حتى يلتقيا في أحد الحانات، ويرشح "راسيل" "فرنك" ليعمل مساعدًا لصديقه "جيمي هوفا" رئيس النقابة العمالية، والذي عرف بين أقرانه بقدرته على تحدي الجميع، والانتصار لمصالحهم، برغم متاجرته بأموالهم، واللعب لمصالحه الشخصية.. يدخل "هوفا" السجن متهمًا في قضايا تلاعب، وفي السجن يلتقي بأحد من تسبب في ضياع أموالهم "جاك هيوستن".. وبعد خروج "هوفا" من السجن.. يدخل في صراعات من شأنها تهدد ليس وجوده، بل وجود صديقيه "راسيل"، الذي فشل في إقناعه بالعدول عن تصرفاته، وصديقه الثاني "فرانك"، وهنا تلعب لغة العصابات دورها، ويتفق الثنائي على التخلص من "هوفا".

أحداث كثيرة جدًا تضمنها الفيلم، ما بين حكايات الحروب، فساد آل كيندي، ومافيا النقابات العمالية، وبيزنس كبار المسئولين، وهو ما كان بإمكان "سكورسيزى" اختصاره، والتركيز على التيمة الثلاثية ما بين "فرانك وهوفا وراسيل" فهم مثلث الشر الذي صنع أسطورة سينمائية وهي "الأيرلندي".

كان واضحًا أن روبيرت دي نيرو الأكثر تفاعلا مع الشخصية التي قدمها، دارسًا لانفعالاته، فهو يشرح لنا كيف أن أسرته التي يقدمها في مشاهد عدة تفككت من جراء أفعاله، وأن ابنته لم تعد تحبه؛ لأنها هي وزوجته يعرفان من القاتل في الجريمة التي يقرآنها أو يسمعان خبرًا عنها على الشاشة بمجرد عودته صامتًا إلى المنزل.. حتى إنه قتل الرجل الوحيد الذي تعاطفت معه ابنته وهو "هوفا".

آل باتشينو وجو بيشي، قمة أدائهم البديع، وكأنهم الثلاثة في مباراة، لصناعة فيلم يخلدهم على الشاشة في لقطة واحدة.

السرد يرغمك على أن تجلس مبهورًا، ليس باللغة السينمائية العالية، ولا المفردات التي تعبر عن دقة اختيار "سكورسيزي" لها، ولا الملابس التي تنطق بالستينيات، ومرورًا بالسبعينيات وحتى سجن "فرانك".

سحر السينما، وجمالياتها، نجح المخرج في وصفه وتقديمه على الشاشة، وكأنه الفيلم الأخير له، يودع به السينما، فقد ظل تسع سنوات يعد لهذا العمل مع صديقه "دي نيرو"، تصوير رودريجو بريتو، الهادئ برغم أنه أمام فيلم عصابات معبر جدًا، سيناريو ستيفن زايليان، المكتوب عن رواية تشارلز براندت، وموسيقى سين سارسيلا، التي تعود بنا إلى فترة الستينيات، وكأنك تشاهد فيلمًا قديمًا، كلها عوامل أسهمت في حالة البهجة التي يصنعها عواجيز السينما في فيلمهم "الأيرلندي".

sydsallam@gmail.com

مقالات اخري للكاتب

فيلم "1917".. فظاعة الحرب.. ومتعة السينما

فيلم "1917".. فظاعة الحرب.. ومتعة السينما

لماذا يرحب في "الأوسكار" بهذه الأفلام العربية؟!

لماذا يرحب في "الأوسكار" بهذه الأفلام العربية؟!

إعادة رسوم المصنفات .. انتصار للجميع

إعادة رسوم المصنفات .. انتصار للجميع

"سعادة" يونس هل تعيد صوت سلطان؟!

لم تكد تنته حلقة برنامج "صاحبة السعادة" لمقدمتها الإعلامية الفنانة إسعاد يونس، مع المطرب بهاء سلطان، حتى ثار جدل كبير على صفحات التواصل الاجتماعي، وكل

ميلاد محفوظ في القومي للسينما.. وحلم "السينماتيك"

أحد أهم الأدوار التي يجب أن يكون المركز القومي للسينما منوطًا بها، نشر الوعي وتعريف الأجيال الجديدة بتراثنا السينمائي، هذه المهمة بدأت في تنفيذها الدكتورة

تغيير المشهد الدرامي.. وعودة الكبار الحتمية

من المؤكد أن عودة الكبار إلى الدراما سيكون لها أثرها البالغ في تغيير شكل ومضمون ما كان يقدم خلال العامين الماضيين، فقد أثبتت التجربة أن أعمال مثل "حديث

مادة إعلانية