مخرج «بيك نعيش»: أفضل النهايات المفتوحة.. والدعم المادي في تونس لا يكفي لإخراج مشروع | حوار

6-12-2019 | 20:23

المخرج التونسي مهدي برصاوي

 

حوار - سارة نعمة الله

عندما يربح المخرج جائزة يشعر كأنه امتلك الدنيا وما فيها، فما بالك أن يحصد ثلاث جوائز في مهرجان دولي هام، يستكمل بها أرشيفا ضخما ليضاف إلى رحلة نجاحه التي طاف فيها في العديد من المهرجانات الدولية.. هذه الكلمات تلخص رحلة المخرج التونسي مهدي برصاوي، الذي شارك فيلمه «بيك نعيش» بـ16 مهرجانًا على مستوى العالم آخرها «القاهرة السينمائي»، الذي اختتمت فاعلياته منذ أيام ونال خلاله ثلاث جوائز «جائزة لجنة التحكيم الخاصة بمسابقة آفاق السينما العربية، وجائزة أفضل فيلم عربي، وجائزة الأمم المتحدة للسكان»، كما يشارك حاليًا بفاعليات مهرجان مراكش السينمائي الدولي.

«بيك نعيش»، تقع أحداثه بعد ثورة الياسمين بتونس، حول رحلة زوجين إلى الجنوب التونسي تتحول حياتهما رأسًا على عقب بعد أن يتعرض ابنهما الوحيد لطلق ناري إثر حادث إرهابي نتيجة لفتح الحدود بين تونس وليبيا، إبان هذه المرحلة مما يستلزم زراعة كبد لهذا الطفل الذي يكتشف معه خيانة الأم مع رجل آخر مما يصعب مهمة إنقاذ الطفل، ويزداد توتر العلاقة بين الزوجين، وخلال ذلك يقدم مخرج الفيلم بانوراما يحول فيها كثيرا من التطورات التي وقعت على الصعيدين السياسي والاجتماعي بتونس.

في حفل الختام بدت فرحة برصاوي، تهز أجواء المسرح وسط احتفاء كبير من الحضور الذين شاهدوا الفيلم الذي افتتحت به مسابقة آفاق السينما العربية فاعلياتها، تلك الفرحة التي لم يتخيل صاحبها حصده لثلاث جوائز دفعة واحدة ووقف حينها متحدثًا لجمهوره قائلًا: «لا تتصوروا قد إيه أنا فرحان بمشاركتي في المهرجان، وبعرض الفيلم هنا، وأهدي الجائزة لفريق عمل الفيلم».

ولأن «بيك نعيش» الذي تم بيعه في أكثر من 20 دولة منها الصين، يعد واحدًا من الأفلام التي قدمت بانوراما بين أحوال السياسة والمجتمع متخذة من ثورة الياسمين بتونس عنوانًا عريضًا لأحداث الفيلم، ولأن مهدي برصاوي بات واحدًا من أهم مخرجي المنطقة العربية بعد حصده للعديد من الجوائز عن هذا الفيلم منها: جائزتان من مهرجان فينسيا، جائزة من المهرجان الفرانكفوني ببلجيكا، وتنويه له في قرطاج وغيرها، التقت «بوابة الأهرام»، المخرج الذي تحدث عن تفاصيل فيلمه ورحلة تمويله التي انطلقت من مهرجان القاهرة السينمائي، وطموحاته بتغيير القوانين في تونس لأنه يرى أن الدولة لابد أن تدافع عن الشخص وليس عن الشرف.. وإلى نص الحوار:

هل توقعت حصد كل هذه الجوائز عن الفيلم من خلال مشاركته العديدة في المهرجانات الدولية؟

الحقيقية لم أكن أتوقع هذه الجوائز، فعندما كنت أعمل على مشروعي كنت أحاول فقط أن أكون صريحا مع موضوعي وفكرتي، بالإضافة إلى أنني لم أتوقع أن يحظى الفيلم بهذا الاحتفاء الجماهيري، وأن يقابل بكل هذا الدعم والتلقي من مشاهديه الذين كانوا من ثقافات مختلفة في مختلف أنحاء العالم، بخلاف أن اللغة التونسية ليست متداولة على نطاق كبير مما قد يصعب فكرة التلقي على المشاهد، كما أن الأحداث تدور نحو أزمة معينة وفي بلد معين لذلك فأنا لم أتوقع بالطبع كل هذا الاحتفاء.

لكن بالرغم من المشاركات العديدة بالمهرجانات الدولية، يبقى لـ«القاهرة السينمائي» سحر خاص وخاصة أن فيلمك حصل على تمويل من ملتقى القاهرة السينمائي عام 2016؟

بالتأكيد فأنا كثير الفخر بعرض فيلمي بمهرجان القاهرة، وشرف لي هذا الاحتفاء الذي قابلته من إدارة المهرجان والجمهور والنقاد، فلا تتخيلي كم الرسائل التي استقبلتها عبر مواقع السوشيال ميديا تهنئة لي بالجوائز وبالفيلم، وما يزيد من سعادتي هو نجاح الفيلم في القاهرة، والتفاعل الذي وجدته خصوصًا وأن لكل بلد مشاكله وأزماته الخاصة به، وأتمنى أن يعرض الفيلم رسميًّا في مصر قريبًا.

لماذا كانت الثورة حدثًا غير مباشر في فيلمك الذي قدم بانوراما تناولت العديد من القضايا منها الخيانة الزوجية وتجارة الأعضاء وغيرها؟

أنا لست رجل سياسة لكي أحكي عن الثورة بشكل مباشر، والحقيقة أنني أيضًا لم أحاول إعطاء رأيي، والقضية هنا بالنسبة لي ليست الثورة فما يهمني هنا هي هذه العائلة التي نحكي عنها وما نستعرضه من خلالها من تطورات في الأحداث والأوضاع الداخلية التي أعقبت تاريخ الثورة، فقبل هذا التاريخ لم يكن هناك حوادث إرهابية وهي النقطة التي انطلق منها الفيلم حيث لم تكن هناك الحدود مفتوحة بين تونس وليبيا أو تجارة أعضاء وغيرها.

أفهم من ذلك أنه إذا لم يكن هناك حدث الثورة لم يخرج «بيك نعيش» للنور؟

بالتأكيد، فهو المفتاح الذي منحنا الدعم لاستعراض الأوضاع دون أن نتحدث عن الثورة مباشرة، فكل ما كان يهمني هو التوازي في الأحداث بين العائلة والدولة، فإذا تطورت البلد ستتغير العائلة، والحقيقة أن النظرة الأخيرة بين الزوجين «فارس» و«مريم» تركت نهاية شبه مفتوحة للتأكيد على هذا المفهوم.

هل تفضل دائمًا كتابة أفلامك بنفسك؟.. ولماذا كل هذه المدة في التحضير؟

كل الأفلام التي أخرجتها كتبت السيناريو الخاص بها، ولدي فريق كامل يخدم معي في هذه النقطة، وبالفعل العمل أخذ مني مراحل كثيرة في التنفيذ منذ أن بدأت كتابة أول جملة حتى آخر خطوة بما يقارب من خمس سنوات مضت، 4 سنوات كتابة وعام تصوير وباقي المراحل، وصورناه في 36 يوما بتونس، والحقيقة أن الكتابة أخذت مدة طويلة لأن الفيلم فيه العديد من الطبقات والأحداث ما بين أزمة العائلة والوطن بكل ما جرى عليهما من تطورات كما ذكرت.

هناك جرأة في تناول محتوى فيلمك من خلال فكرة الخيانة من الزوجة.. ماذا كنت تفكر من خلال هذا الطرح وسط احتمال بالنقد كان من الممكن أن يواجهك؟

عندما أفكر في مشروع أبحث فقط عن المضمون الذي أريد مناقشته والرسالة التي أريد التركيز عليها، فأنا هنا أشير إلى فكرة هامة تتلخص في أن العلاقة البيولوجية ليست هي أساس العائلة، والحقيقة أنا لا أعرف ما هي الاختلافات بين تونس ومصر، فمثلًا لدينا في دولتنا تقييد لشكل الحريات على مستوى حرية المرأة والحريات الفردية، فمثلًا في قانون الخيانة الزوجية يعاقب كل من الرجل والمرأة بالحبس 5 سنوات وهذا ليس من الأمر المنطقي أن تتدخل الدولة في الحريات الشخصية وفي الأسرة بهذا الشكل.

لكن مناقشة أوضاع تونس بعد الثورة من هذا المنطلق ربما كان يحمل وراءه أفكارًا أخرى تشغلك من قبل؟

طبعا، والحقيقة أن الموضوع هو الذي اختارني وليس أنا، فمنذ طفولتي أسأل نفسي عن معنى العائلة والأبوة والأمومة، لذلك كان من المهم مناقشة أمر العائلة والدولة بشكل متواز، فالأزمة التي عاشتها البلاد وما حدث من تطور عقب 2011 لم يكن اختيارا مجانيا سواء على الصعيد الاقتصادي أو السياسي أو الاجتماعي وبالطبع أن العائلة أيضًا كانت تعيش هذه التغيرات، لذلك أردت أن أرصد هذه الأمور في أول فيلم روائي طويل لي.

صفعة الزوجة لوجه زوجها ثم ترك النهاية مفتوحة بين الزوجين إما بالعودة أو الانفصال قد يربك المشاهد؟

لحظة صفع الزوجة لزوجها تؤكد على الانفصال أو أن الحياة بينهما قد انتهت بالفعل، لكن مشهد النهاية بنظرة الزوجين لبعضهما قبل دخول الطفل "نجلها هي فقط" لإجراء العملية تحمل رؤية في مستقبل أفضل لهذا الابن فلم يشغل بال الاثنين في تلك اللحظة إجراؤه لعملية زراعة الكبد بنجاح وأنا كمؤلف ومخرج العمل أعرف أنهما لم يعودا معًا مجددًا لذلك النهاية هنا شبه مفتوحة.

هل تفضل مثل هذه النهايات؟

أفضل النهايات المفتوحة دائمًا؛ لأَنِّي لا أحب تسليط وجهة نظري على أحد وفيلمي كما قلت نهايته شبه مفتوحة.

هل يزعجك فكرة تدخل الدولة لديكم في تونس في حريات الأفراد؟

نعم بالطبع.. فالإنسان هو صاحب الحق في الدفاع عن شرفه وليس الدولة، ولابد أن يكون القانون به إمكانية للتأويل، فالدولة وظيفتها حماية الأشخاص وليس الدفاع عن الشرف.

لماذا توجهت للحصول على الدعم من ملتقى القاهرة السينمائي قبل سنوات بالرغم أن تونس بلد يتمتع بالدعم في هذه المسالة؟

تونس فيها ثقافة السينما والدعم بالفعل، ولكن الدعم لا يكفي للفيلم لأن تكلفته تكون كبيرة جدا، لذلك لابد أن نتوجه للعديد من المنح الخارجية حتى نطور الفيلم، واختياري لمهرجان القاهرة لعراقته وأهميته بالمنطقة العربية بخلاف فكرة التواصل الجيد فيه بيننا وبين مسئولين.


المخرج التونسي مهدي برصاوي

الأكثر قراءة