الأرشيف السري للمفكر الأمريكي بول دي مان.. أول سيرة عربية لعمدة ما بعد الحداثة

6-12-2019 | 15:16

المفكر الأمريكي بول دي مان

 

مدحت صفوت- نقلًا عن الأهرام العربي

«نازي ونصاب ومزور ومخادع حصل على الدكتوراه دون مؤهل جامعي»، هذه ليست بنود صحيفة جنائية لمسجل خطر، وليست عناوين صحيفة لجذب القارئ، إنما بعض من كلّ ما كُشف عنه، واعتبر بمثابة «الأرشيف السري» لناقد التفكيك الأكبر بول دي مان، تضمن جرائم ارتكبها مع سبق الإصرار والترصد، وعمل على إخفائها طوال حياته، وبترتيبنا لقطع البازل الخاصة بمسيرته، نكون قد كشفنالأول مرة عن هذه الجوانب للقراء العرب، آملين أن نطرح الأسئلة لفهم اللغز والعثور على طريقة للحل.


لعل الصورة الشهيرة عن الناقد الأمريكي، ذي الأصول البلجيكية، بول دي مان في الأوساط الثقافية العربية تتمثل في كونه أستاذ النقد الشهير، وأحد أعمدة استراتيجيات التفكيك الأمريكية التي بدأت من جامعة ييلYale. ولا يُذكر اسم «دي مان» إلا وأُرفق بعنوان كتابه الأشهر «العمى والبصيرة.. مقالات في بلاغة النقد المعاصر» الذي ترجمه سعيد الغانمي، وله طبعات عدّة، أولها طبعة منشورات المجمع الثقافي بأبو ظبي 1995 ثم طبعة المركز القومي للترجمة بالقاهرة 2000.

لكنّ، وبعد مرور 100 عام على ميلاد «دي مان»، الذي ولدفي مثل هذا اليوم «6 ديسمبر من العام1919» ومرور الذكرى 36 على رحيله «21 ديسمبر 1983»، يكاد القارئ العربي، بنوعيه العام والمتخصص، لا يذكر كثيرًا عن حياة ناقد أمريكا الأشهر؛ تلك الحياة التي بدت بمثابة رحلة مغامرة تتسم بالجاذبية الشديدة، وتمتلئ أيامها بالحوادث المستحقة للتأمل، والمحطات الجديرة بالتوقف عندها، ومرور صاحبها بتقلبات سياسية وفكرية وشخصية أوصلت به حد ارتكاب جرائم جنائية كـ«النصب» والاستيلاء على أموال بعض الكتاب، أو جرائم سياسية كالتعاون مع محتل بلاده والترويج للنازية ومعاداة السامية، فضلًا عن علاقاته النسائية التي جرتْ عليه بعضًا من المشاكل.


الشاعر الفرنسي جورج باطاي

لا يتوقع كثيرون من القراء العرب، أن الفقرة السابقة عن ناقد التفكيك الشهير، وربما اعتبرها البعض نُسخت بالخطأ عن واحد من «مديوكرز» الأوساط الثقافية، وليس عن الناقد الأدبي والمفكر والفيلسوف الذي حظي بمكانة دولية، وتُرجم كتابه «العمى والبصيرة» لنحو عشرين لغة، فكيف يمكن أن نتخيل أن الرجل نفسه هو الذي تورط في النصب على أدباء بلجيكيين بحجة طباعة أعمالهم، وقبلها تعاون مع ألمانيا النازية وروّج لأيديولوجيتها وكتب نقدًا معاديًا لما عُرف بـ«المسألة اليهودية»، وخالف القانون في بلاده الأصلية، أو التي هاجر إليها بالجمع بين وظيفتين، وادَّعى أن عمه والده، وأنكر جزءًا كبيرًا من ماضيه، ويبدو أن الجمع بين «الثنائيات» لم يقتصر على المناصب الوظيفية، فرافق سيدة متزوجة وأنجب منها قبل أن يجمع بين زوجتين ويضطر إلى تطليق الأولى!.

انفضاح السر والعثور على الخبيئة

البحث في حياة «دي مان» ليس نبشًا عن فضائح أو «خطايا» رجل التفكيك في أمريكا، أو نقد استراتيجيات ما بعد الحداثة من خلال سيرة أحد أعلامها، فسبق وأن حملنا على عاتقنا دراسة استراتيجيات التفكيك منذ العام 2007، ونتج عن ذلك كتاب«السلطة والمصلحة.. استراتيجيات التفكيك والخطاب العربي» 2017، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، وإنّما نستهدف هنا رسم صورة بيوغرافية عن حياة مفكر ملأ الدنيا بكتاباته، وشاكس النقاد الأمريكيين والأوروبيين الناقمين على التفكيك، وهي سيرة غير منفصلة عن مؤلفاته، وليست ببعيدة عن حروب النظرية «الضروس» التي دارت مع أصحاب الاتجاهات التقليدية في النقد الأدبي، بعد أن أحسوا أنهم مهددون بفعل المغزى الراديكالي لتطلعات ما بعد الحداثة، الحروب التي تذكر كفصل كامل في سفر الحياة الفكرية الأنغلو أمريكية.

إن التقلبات التي شهدتها حياة دي مان، وبعد أن جرى الكشف عنها على نطاق واسع، بخاصة في العام 1987، أي بعد رحيله بـ3 أعوام، أثارت ضجة كبرى في الصحافة الأمريكية والأوروبية ومثلت محاكمة غيابية، إذ كشف باحث دكتوراه بلجيكي عن «خبيئة دي مان»، وأرشيفه الكتابي في بلجيكا إبان الحرب العالمية الثانية.


بول دي مان في نانتوكيت في عام 1952 مع ابنه مايكل من زواجه الثاني.

وامتدت الضجة إلى أروقة الأكاديميات حينها، وأسفرت عن عشرات السجالات والمناقشات والحوارات العلمية والإعلامية، وصدرت كتب مثل «الصحافة في زمن الحرب» بأقلام «دي مان» والألماني «ويرنرهماخر» والناقد الأمريكي «نيل هيرتز» والباحث في مجال الإعلام ««توماس كينان»، فيما لم نسمع عنها شيئًا في الصحافة العربية ولا في أروقة البحث النقدي والفلسفي، مما يجعلنا نطرح التساؤل حول السبب وراء حضورنا المتأخر كعرب في أغلب الأحيان، وإن كان وصولنا في مئوية «بول» أفضل في كل الأحوال من عدم الوصول على نحو نهائي.

في استعارتنا لمقولة «أرشيف» التفكيكية التي جاءت عنوانًا لكتاب جاك دريدا «حمى الأرشيف الفرويدي»، نفتح الملف التاريخي الذي عمل دي مان على حفظه بعيدًا عن الأنظار، ونهج سياسات وفق خطة محكمة لحمايته من النبش، لكن للتاريخ ذاكرة وإن كانت مثقوبة، فدائمًا قابلة للترميم، وهو ما نود فعله من خلال الاطلاع على سجلات ووثائق جامعة بروكسيل الحرة، وأرشيف «ببليوغرافياديشين» الفرنسية وغيرها.

كانت حياة «بول» قبل هجرته إلى الولايات المتحدة لأول مرة 1949 مجهولة و«غامضة»، ولم ينبش أحد بيديه في الأوراق البلجيكية عن حياة مؤلف «مقاومة النظرية» طوال حياته إلا عرضًا في 1955 حين فتحت جامعة هارفارد تحقيقًا «سريعًا» و«متواضعًا» حول اتهام دي مان بالترويج للنازية وقت احتلال ألمانيا لبلاده، وهو ما نجح الشاب البلجيكي في إغلاقه حينذاك.

غموض «دي مان» ومعاركه النقدية واتهامه باللجوء إلى اللغة غير المتداولة ومزج الفلسفة بالأدب -الاتهام الذي سيق إلى التفكيكيين جمعاء- استطاع من خلاله أن يمنع أي اقتراب من سجلات الماضي، ويشيد سياجًا من حديد حول هذا التاريخ، الأمر الذي يفسر تأييده القوي لرؤية الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه المنابذة للماضي باعتباره شيئًا «مهددًا إلى الدرجة التي يجب نسيانه»، أو إصراره في مقالة له 1979 حول «اعترافات جان جاك روسو»، على النحو الذي رأى فيه عدم قدرة المتلقي على التمييز بين الخطاب الخيالي والحدث الواقعي، في السيرة التي عرّى فيها روسو الذات. والعجز عن التميز بين ما هو خيالي وواقعي عند «دي مان» مأزق يجعل «من الممكن عذر أعظم الجرائم».


بول دي مان مع أبنائه باتسي ومايكل على متن سفينة محيطية

ومع العام 1987، كانت سيرة الراحل «دي مان» على موعد مع فتح صندوق الأسرار، وكشف «الخبيئة البلجيكية»، إذ اتصل الفيلسوف الأمريكي صامويل فيبر، الذي عمل من قبل مدير برنامج باريس في النظرية النقدية بجامعة نورث وسترن، بالفيلسوف الفرنسي جاك دريدا، ليبلغه أن الباحث الشاب البلجيكي أورترين دي غريف، مساعد باحث في الصندوق الوطني البلجيكي للبحوث العلمية في جامعة لوفان الذي سيصبح أستاذ الأدب الإنكليزي فيما بعد، كشف عن مقالات «خطيرة» لدي مان في جريدة بلجيكية وقت استعمار ألمانيا للبلاد، تفضح العلاقات «النازية الدي مانية».

هنا يطلب «دريدا» من «غريف» أن يرسل له مقالات دي مان التي نشرها في صحيفة «Le Soir» في الفترة من 1940 حتى 1943، وفعلًا أرسل الذي سيتحصل على درجة الدكتوراه بأطروحة حول «كتابات دي مان وقت الحرب» 25 مقالة مع ببلوغرافيا بمقالات دي مان في الجريدة تضمنت 125 نصًا ومقالة.

إذن العمى الذي فرضه «دي مان» على حياته السابقة كان على لقاء حتفه بإشاعة «البصيرة» في الأوساط الغربية، ليعاد قراءة صاحبها من منظور جديد متعلق بحياته، فرحنا من جهتنا نقلب في الوثائق الغربية بخاصة في الأربعينيات والثمانينيات من القرن العشرين؛لننقل أول صورة عربية عن حياة الناقد، لم تكن الرحلة على الرغم من خطورة القضية «معبدة الطرق»، فالشهادات متضاربة، والوثائق التي كشف عنها بالإنكليزية والفرنسية تحتاج لفهم السياقات التي دارت فيها الأحداث أو كُتبت فيها المقالات.

إن عمل «دي غريف» لا يقل أهمية عن كشف الأستاذ بجامعة فرايبورغ «هيوغو أوتّ» لنازية الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر، من خلال مقالاته ومذكراته الخاصة وبعض مراسلاته وسجلات النازية، الكشف الذي أثمر عن كتاب «الحياة السياسية لمارتن هايدغر» أوائل التسعينيات، وما وصفته الصحافة الغربية وقتها بـ«جحيم هايدغر»، مما دفع الفيلسوف والمؤرخ الفرنسي إيمانويل فايي إلى نقل تدريس أفكار الفيلسوف الألماني من أقسام الفلسفة إلى تاريخ النازية. ومثلت الفضيحتان ضربتين موجعتين لرجال التفكيك، بخاصة دريدا، بعد أن بدأ خصومه في «معايرته» حرفيًا بأستاذه الفلسفي هايدغر وصديقه التاريخي «دي مان».


بول دي مان مع زوجته الثانية ، باتريشيا وابنها في باريس عام 1955.

وكما كشفَ المؤرخ والناقد المصري غالي شكري عن «أرشيف الثقافة المصرية»، يمكن أن نعتبر رحلتنا لرسم بورتريه لـ«دي مان» كشفًا لأرشيف مثقف بلجيكي مع فهم الخلفيات التي عاشها مُنظر التفكيك، ولذلك استعنّا بالوثائق الغربية وما كُتب، سواء في الصحف السيّارة أو الدوريات المتخصصة منذ عقود، أو ما جرى سرده في الكتب والمؤلفات، بخاصة إصدار غريف «هدوء العاصفة» 1993، و«الصحافة في زمن الحرب» 1989،و«مذكرات دي مان» لجاك دريدا 1989، و«علامات العصر: تفكيك وسقوط بول دي مان» لديفيد ليمان 1991، «بول دي مان والنقد الأدبي في الولايات المتحدة الأمريكية» لإدوارد موروت1991،و«إعادة قراءة دي مان» لغيفريهارتمان 1994، و«بول دي مان» لمارتن ماكويلان 2001،و«الحياة المزدوجة لبول دي مان» لإيفلينباريش 2014وغيرها، غير مكتفين بالنقل، إنما توقفنا أمام الشهادات المتباينة والآراء المختلفة في «الكارثة» حد تعبير خصوم الرجل أو «الخطأ غير المقصود» بقول محبيه وزملائه.


بول مع وايتس في بارد 1949 تقريبا

الوسيمُ ربيبُ العمّ الاشتراكي

كانت العائلة الثرية التي يقودها رجل الأعمال الناجح روبرت دي مان، المتصل نسبًا بالشاعر الفلمنكي جان فان بيرز «1821- 1888»، وزوج ماجدالينا دي مان، تنتظر بمدينة أنتويرب في شتاء 1919 مولودها الثاني، الذي ستمنحه العائلة اسم «بول»، وسيشهد له الأقارب منذ الصغر بالذكاء والحدس القوي والفراسة إضافة إلى المظهر الجيد والوسامة.

ورغم اعتناء العائلة بالطفل الوسيم، يدخل «بول» مبكرًا حيز الحزن والمآسي، وهو في عمر السابعة عشر، يرحل فجأة الشقيق الأكبر «هندريك» في حادث دراجة، لتصاب العائلة بالكآبة وتعاني الأم الثكلى «ماجدالينا» الاكتئاب عامًا كاملًا، وفي ذكرى رحيل الابن البكر يعثر «بول» على جسد والدته بعد أن شنقت نفسها داخل غرفتها.

تتغير حياة «بول» رأسًا على عقب بعد هذين الحادثين، كان من الممكن أن يدخل بدوره في دائرة الاكتئاب، أن يلقى حتفه بيديه، لكنّه فضّل أن ينتقل إلى العاصمة بروكسيل ويعيش في كنف عمه هنري دي مان، الرجل الذي سيلعب دورًا كبيرًا في حياة «بول».


صورة أخرى من كتابات دي مان

في العام 1933، وقت أن انتقل «بول» لبروكسيل، كان أدولف هتلر قد وصل إلى منصب مستشار ألمانيا، بينما عاد «العمّ هنري» إلى بلاده بعد أن عمل فترة أستاذًا لعلم النفس الاجتماعي في جامعة فرانكفورت، لينغمس في غمار السياسة البلجيكية، ويصبح نائبّ رئيس الحزب الاشتراكي البلجيكي.
في السابعة عشر من عمر «بول»، تكفّل العم بالصبي، وفتّح أمامه أبوابًا للمعرفة والسياسة، بخاصة بعد أن شارك الحزب الاشتراكي في تشكيل الحكومة الائتلافية عامي 1935 و1936، وشغل هنري منصب وزير المالية، ثاني أهم المناصب الحكومية في بلجيكا.

لم يحمل العام 36 تحولات عائلية سيئة فحسب، إنّما جاء بالحرب الأهلية في إسبانيا، بين الجمهوريين، الموالين للديمقراطية، والجمهورية الإسبانية الثانية ذات الاتجاه اليساري، والوطنيينتحت قيادة الجنرال فرانسيسكو فرانكو، ما دعا الشاب «بول» إلى الانخراط في السياسة مبكرًا، لتتوطد علاقاته بمجموعات سياسية يسارية.


صورة من كتابات بول دي مان

في العام التالي، وعلى مقربة من أن يوشك العمّ فقدان المنصب الوزاري، بخاصة بعد احتلت القوات الألمانية النمسا قبيل اندلاع الحرب العالمية الثانية «21 مارس1938»، التحق «بول» بمدرسة المهندسين في بروكسيل، وأصبح عضوًا بارزًا بـ«حلقة الفكر الحر» الفصيل المكون من طلاب اليسار في العاصمة البلجيكية، وأعلن تمثله للديمقراطية وكتب في «كراسات الفكر الحر»، التي انضم لهيئة تحريرها، مقالات تناهض «الدوجما» (العقائد الجامدة)، وتعادي الفاشية التي جسدها عمليًا حاكم إيطاليا «1922- 1943» بينيتو أندريا موسوليني.

هنا يبدو «بول» متسقًا مع أفكاره التي عُرف بها فيما بعد، لكنّ الشاب الذي يعيش في «بيت السياسي» سيتعلم كيف تتلون أفكاره طبقًا لـ«المصلحة» حتى يشك فيه زملاؤه من أعضاء حلقة الفكر الحر، التي ارتابت في مواقف ابن شقيق رئيس الحزب الاشتراكي، بعد وفاة رئيسه إميل فاندرفيلد في 1938، فقررت إجراء انتخابات بحجة طرد «الستالينيين»، لكنّ «بول» ينجح في ضمان حصة جيدة من الأصوات لصالحه، ويبقى في الحلقة؛ بل يسيطر عليها بوصفه قياديًا بها.


غلاف كتاب العمى والبصيرة

وفي ديسمبر 1938، يكلف ملك بلجيكا ليوبولد الثالث، هنري دي مان بإدارة ملف الموقف من الألمان، بخاصة أن ليوبولد عانى آثارًا نفسية «صعبة» جراء مشاركته في الحرب العالمية الأولى «1914- 1918»، كجندي مع الفرقة 12 التي تعرف اليوم بـ«فرقة ليوبولد» وتعتبر من أقدم الفرق البلجيكية التي لا تزال في الخدمة، بينما كان والداه الملكة إليزابيث والملك ألبير الأول مترددين حيال المشاركة، ونتج عن ذلك أن غزت ألمانيا البلاد.

توافقت رؤى العم دي مان مع موقف الملك، فالأخير يرفض النازية العدوانية ويحمل بين ضلوعه ثأرًا تجاه الألمان، لكنه أيضًا يعرف أن الدولتين الحليفتين بريطانيا وفرنسا ليستا جاهزتين حد الكفاية لمقاومة مسلحة، كما رأى دي مان أن خيارات الحرب «مُرة»، فعمل على توجيه موقف بلاده، بداية بما يعرف بـ«الحياد»، وفسر دي مان، مندوب الملك، أن الموقف يستهدف الحفاظ على أراضي الدولة وثقافتها وحماية حياة مواطنيها.


ماري مكارثي

تشير الوثائق السياسية المحفوظة في معهد إميل فاندرفيلد في بروكسيل، إلى أن هذه النزعة متوطدة في رؤية دي مان العمّ، وتحوي الوثائق كمّا وافرًا من شكوى رئيس الحزب الاشتراكي السابق لدي مان من رؤية الأخير ومحاولاته لسحب الحزب لسياسات معادية للسامية، الأمر الذي أفرده هنري بنفسه في مذكراته «ما بعد الانقلاب» التي نشرها 1941.
في الأول من سبتمبر1939، تندلع الحرب العالمية الثانية، فيدعو دي مان العمّ، الذي تقلد منصب رئيس وزراء بلجيكا، إلى استيعاب سياسات هتلر التوسعية لإنقاذ البلاد من مصيرها الساحق الذي عانت منه سابقًا في الحرب العالمية الأولى، وهي السياسة التي كانت تسمى التهدئة من قبل الدول الديمقراطية الأخرى. وبعد أن أستسلم الجيش البلجيكي 1940 أصدر هنري بيانًا في يوليومن العام نفسه يرحب فيه بالاحتلال الألماني، مخاطبًا الجماهير اليسارية بقوله «بالنسبة للطبقة العاملة والاشتراكية، هذا الانهيار المتدهور في العالم، بعيدًا عن كونه كارثة، هو الخلاص».

مع دخول النازية، 10 مايو1940 فرّ البلجيكيون مغادرين بلادهم، وتتراوح أعداد الفارين حينها بين مليوني ومليوني ونصف المليون شخص، وهرب الوزراء البلجيكيون ليشكلوا حكومة المنفى في فرنسا، بينما يتلقى العمّ دي مان الأوامر من الحاكمين العسكريين الألمان لبلاده «ألكسندر فون فالكنهاوزن» و«إيغيرت ريدر»، فالأول مستشار عسكري بارز ومشهور في السياسة النازية والثاني القاضي الذي ترأس القوات المسلحة الموحدة لألمانيا النازية «الفيرماخت».


هنري دي مان

على صعيد موازٍ، كان «دي مان الشاب» يعيش تقلبات دراسية وغرامية، فأخفق في دراسة الهندسة، واضطر إلى تركها بعد عام واحد ليتحول إلى دراسة الكيمياء في 1938، بيّد أنه سيفشل أيضًا في مجاله الجديد. ولم يكن «بول» شابًا مكافحًا على الصعيد الاقتصادي، فأسرته ورغم ما أصابها نفسيًا تتكفل بالشاب ونفقاته، بيّد أن الطموح الصحفي والسياسي لدى ربيب رئيس السلطة كان أكبر من الهمّ العلمي والتحصيل الدراسي، فالألمان لديهم مهندسون وكيميائيون كفاية، لكنّهم قطعًا في حاجة إلى منفذي سياساتهم النازية وأقلام صحفية مروجة لها، فكان القرار أن يكون صحفيًا ولو كلفّه الأمر التعاون مع الاحتلال.

وفي أكتوبر1940 يُغير وجهته الدراسية فيقرر أن يكون طالبًا في شعبة الفلسفة بقسم العلوم الاجتماعية بجامعة بروكسيل الحرة، ليصبح على نقطة تسجيل إخفاق دراسي جديد سيلاحقه في مرحلة الدكتوراه فيما بعد، التي تحصل عليها دون أن يحصل على شهادة البكالوريوس.

«بول» يكتب في «المساء المسروق»

الأجواء قاتمة والكل يمشي مطأطأ الرأس في بروكسيل، وجنود النازية ترتفع بنادقهم فوق كل شيء، لا صوت يعلو فوق صوت الألمان الذين استسلم لهم الملك، وعيّن رئيسًا للحكومة يأتمر بأمر الحاكم العسكري، وكأستاذ في علم النفس يلقي الخطاب تلو الخطاب ليبتلع الناس مرارة الاحتلال، «فلتعيشوا في كنف النازية، أفضل من أن تلاقوا الموت».

سيطر النازيون على كلّ شيء، المؤسسات الحكومية والعسكرية والتعليمية والصحفية، وعشية احتفالات رأس السنة الجديدة، ووسط أجواء عيد الميلاد التي اكتست بلون الدم وبارود البنادق وغبار الدبابات، يلتحق «بول» بصحيفة المساء «Le Soir» البلجيكية الخاضعة للرقابة والإدارة الألمانية، وباتت «بوقًا» نازيًا في واحدة من «البلدان المنخفضة» أي «بلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ»، مما دفع البلجيكيين إلى تسميتها بـ«The Stolen" Le Soir"» أي «المساء المسروق».

في ليلة 31 ديسمبر، يكتب «بول» أولى مقالاته، التي وصلت نحو 170 مقالة حسب إحصائيات جامعة بروكسيل الحرة، وبدأ سن قلمه في مجال الأدب والمراجعات الأدبية، فينتصر لكتابات الألمان ويظهر كراهية شديدة للأدب الفرنسي، في مغازلة للمحتل، وهو الموقف الذي سيتغير كليًا بعد هجرته إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

نقلبُ المقالات التي عثر عليها «غريف»، فيبدو أن الشاب تشرّب من العمّ كيف يبرر الخيانة، ويجمّل الاحتلال، ففي مقالته التي نشرها 25 مارس 1941 يمتدح المستعمر النازي، ويعلن أن البلجيكيين الذين تشدقوا بالديمقراطية ظهر كذبهم وكُشفت أباطيلهم، في تعريض بحكومة المنفى، ويسترسل في الهجوم على المقاومين للنازية والمكافحين لجرائمها، إلى أن يصف الاحتلال النازي بـ«شديد التحضر».

وعلى الرغم من كثرة مقالات «دي مان» في «المساء المسروق»، فإن كثيرين لم يلتفتوا إلى مضمونها وقت أن كُشف عن السر «الدي ماني»، وربما حظيت مقالة «اليهود في الأدب المعاصر» بمساحة كبيرة من التأمل على حساب المقالات الأخرى، لما تحوي من عداء بيّن للمسألة اليهودية في أوروبا، وتتبنى موقف النازية على نحو جلّي.

ينجح كاتب المساء في أن يفرق حلقة الفكر الحر، بعد أن قتل الألمان بعضهم وسجن عددًا منهم، فيما فرّ نفر غير كبير إلى جانب المقاومة، واستمال «بول» الباقيين للعمل مع الألمان، وتبدو الجريدة نشرة ألمانية تطبع بالفرنسية في المستعمرة، حتى طالبت المقاومة البلجيكية باغتيال كُتابها، ورغم أنها لم تقتل سوى كاتبين لكنّها هاجمت 44 منهم، من بينهم «دي مان» نفسه.

في 1942، يخفق «بول» في الدراسات الفلسفية ولا يؤدي الامتحانات، لكنّه يترقي في «المساء» حتى يصير «مراجعًا» رئيسيًا بالصحيفة للكتابات الأدبية والفنية، ولم يكن يكتب عن كتاب إلا بعد موافقة الرقابة العسكرية الألمانية، وما يتوافق مع أفكارهم أو يهاجم خصومهم، ليكافأ بأن يلتحق بوظيفة أخرى في «الوكالة الديشينية»، الدار المتخصصة في نشر الفنون، كمحرر أدبي ومراجع أساسي، إلى أن يصير صاحب ثلاث وظائف بعد أن يضاف للوظيفتين السابقتين مهمة الكتابة في «الخميس» جريدة فلمنكية يومية تُطبع في مطابع الألمان، تحديدًا في مارس 1942.

لم يكن العمّ دي مان بعيدًا عن مكاسب ابن شقيقه، فرئيس الوزراء البلجيكي طبع الجزأين من مذكراته «ما بعد الانقلاب» 1941- 1942، في الدار التابعة والمدعومة من المكتب الألماني للشؤون الخارجية، لكنّ ابن الأخ سيتطلع للسيطرة الإدارية والمالية على «الوكالة الديشينية»، فيحيك المؤامرة ليلًا، إلا أنه يفشل في ذلك ويجري طرده في مارس 1943، بسبب علاقات الإدارة بالألمان، وهي الذريعة ذاتها التي ستدفع بالبلجيكيين بعد انتهاء الاحتلال لمحاكمة الإدارة وإعدام اثنين من قادتها، قبل أن يجري تخفيف الأحكام لاحقًا.

نهاية أكتوبر وبداية نوفمبر1942 خسر الألمان معركة العلمين، وتحول مسار الحرب العالمية، بعد أن شهدت المعركة انتصارًا حاسمًا للحلفاء ومثلت نقطة تحول لحملة الصحراء الغربية، وفي فبراير1943 يستسلم الجيش الألماني في معركة كبرى استغرقت 6 شهور عُرفت بـ«معركة ستالينغراد» فقدَ فيها الألمان 160 ألفًا من رجالهم، وتقلص عدد المقاتلين على الجبهة السوفيتية من ربع مليون مقاتل لنحو 90 ألفًا، ليزيد الخناق على الألمان ومتعاونيهم وتقوى شوكة المقاومة، بعد أن عمل العم على تهميش النقابات العماليّة، ونحا بالبلاد لـ«فاشية محضة» حد وصف خصومه في تلك الفترة.

يضطر «بول» في ديسمبر 1943 إلى مغادرة بروكسيل إلى مسقط رأسه «أنتويرب»، ويستقر هناك في كنف والده بصحبة صديقته التي ستصبح زوجته لاحقًا وأبنائهما، ويظل خفيًا عن الأنظار حتى ينسحب الألمان في 3 سبتمبر من البلاد، قبل أن ينالوا الهزيمة الساحقة في 8 من مايو 1945 ويستسلم الجيش الألماني دون شروط، لكن بتقسيم ألمانيا بعد أن حطت الحرب أوزارها.

في السنة نفسها، يبدأ «بول» مشروعًا تجاريًا ثقافيًا ويؤسس دارًا للنشر في أنتويرب، الدار التي لن تنشر سوى كتابين، وثمة مصادر تشير إلى صدور كتاب واحد، وينجح الكاتب الشاب في الاحتيال على عدد من الكُتّاب ببلاده، ويتحصل منهم على قيمة تعاقدات «طباعة» إصداراتهم التي لم تر النور في دار «دي مان» بحجج عدّة، منها الظروف التي تعيشها البلاد، لكنّ وبعد انسحاب الألمان وتهاوي ذرائع «بول» يتقدم الكتاب ببلاغات ضده تتهمه بـ«النصب»، فيتصدى والده لهذه البلاغات كونه الممول الفعلي للدار باقتراض «بول» منه، هنا يقول باحث الدكتوراه في جامعة هارفارد، فرانك ألبرز، حول أرشيف دي مان: «لقد دمر والده ولا يزال بعض أقاربه يحملون مشاعر مريرة بشأن الحكاية بأكملها». حينها يتخذ روبرت قرارًا بهجرة ابنه، وبالفعل يحصل الأخير على تأشيرة للولايات المتحدة ويسافر إلى نيويورك 1947، بينما تتجه الزوجة والأبناء إلى الأرجنتين في رعاية والدها ووالدتها.

«دي مان» عاشق يخضع للتحقيق

في بروكسيل، ووقت أن كان «بول» في كنف عمه، يتعرف الشاب على السيدة «أنياديبارغيان» ويوقع الحب بينهما ويربطهما برباط عاطفي، فتحمل السيدة من «دي مان» بابنهما البكر، لكنّ المرأة لا تزال متزوجة من رجل بلجيكي آخر، فيفكر الطرفان في الهرب إلى إسبانيا.

يتذكر زميله في الجامعة إدوارد كولينيت: «لقد كان رجلاً عميقًا وذكيًا، على دراية بالفن والأدب والموسيقى والسياسة»، قبل أن يعاود في ردوده على «الصحافة في زمن الحرب»: «لكنه لم يكن أيديولوجيًّا، ولم ينتم إلى أي حزب». يختلط الأمر هنا على المؤرخ البلجيكي جان ستينغرز، توفي 2002، في مسألة هروب دي مان وصديقته فينسبه إلى الهروب من الألمان في 10 مايو 1940، إلا أن المحاولة جرت قبل ذلك وأعيدالصديقان بسبب شدة الحرب الأهلية بإسبانيا، ويستدرك «ستينغرز» أن «بول لم يكن سياسيًا، لكنّه كان مغرورًا جدًا».

السلوك العاطفي لدي مان كان موضوعًا لورقة بحثية لعالم الاجتماع البلجيكي والأستاذ الفخري بجامعة بروكسل الحرة جورج غوريلي، وهي تعد بمثابة شهادة بلجيكية على حياة الرجل الأسرية، إذ بدأ غوريلي ورقته بتمجيد دي مان، الذي كان يعرفه عن كثب في شبابه، ووصفه بأنه «ساحر، ومضحك، ومتواضع ومثقف للغاية، اشتهر في الأوساط الأدبية البلجيكية خلال شبابه»، قبل أن يُلقي قنبلته بأن الناقد البلجيكي لم يكن بالصورة التي يعُرف دوليًا بها، «تعددت أقنعته»، «له حيوات أخرى لم تكن متداولة»، ملصقًا به صفات «المحتال وغير الأمين» الذي عمل على إفلاس والده، «مخادع ومزور وكذاب على الأقل في فترة حياته في بلجيكا»، إنها «الحياة السرية لدي مان» بقول «غوريلي».

أنجب دي مان من «بارغيان» وهي لا تزال على ذمة زوجها، ثم تحصلت على الطلاق الرسمي، لتنجب اثنين آخرين، وعاشا معًا، كاتبًا في صحيفة «المساء» متعاونًا مع النازية، ومع اشتداد الأزمة المالية أو بقول «غوريلي»: «تعاملات دي مان المالية المشبوهة» التي أوصلت بالرجل إلى المحاكمة، تقرر الأسرة السفر، فتفشل «بارغيان» في الحصول على تأشيرة للولايات المتحدة، فتغادر زوجة دي مان وأطفاله إلى الأرجنتين للانضمام إلى أقاربها الذين فروا إلى هناك خلال الحرب.

ترك «دي مان» زوجته وأطفاله يواجهون مصيرًا صعبًا، ويلاقون الحياة بأنفسهم، بينما يعيش هو حياته في نيويورك بدءًا من يونيو1948. عمل ككاتب في مكتبة غير معروفة «Doubleday»، ويتعرف شخصيًا على الشاعر الفرنسي جورج باطاي، الذي سيوسع من دائرة علاقات الفتى الذي أبدى له إعجابًا كبيرًا بالأدب الفرنسي، وتوطدت علاقاته بالروائية الأمريكية ذات الشهرة الطاغية ماري مكارثي ومواطنها الفيلسوف دوايت ماكدونالد، ويصبح الثلاثة «مرشدين» لدى دي مان في نيويورك، ويبنى صلات قوية مع دوائر الفكر اليساري في أمريكا.

وبعلاقات دي مان الجديدة، رتبت ماري مكارثي 1949 عملًا أكاديميًا في كلية «بارد»، كبديل مؤقت لأستاذ اللغة الفرنسية، لكنّ البلجيكي الذي جاء بديلًا ومؤقتًا عرف كيف يصنع شعبية بين طلاب الجامعة الذين أبدوا إعجابًا كبيرًا بطريقة شرحه وبما يقدمه لهم. يقول الشاعر الأمريكي ثيودور وايس، الذي كان يعمل في كلية بارد في تلك الأيام: «كان بول شخصية جذابة للغاية، لكنه كان أيضًا هادئًا، وكان ذلك جزءًا من قوته».

ومن بين الطلاب المعجبين، يقع «بول» في غرام طالبته الأمريكية باتريشيا كيلي، التي سرعان ما أصبحت حاملاً منه دون أن تدري أن له زوجة وأبناء. ولم يدم إخفاء «بول» قصة زواجه من «بارغيان» عن «باتريشيا»، بعد أن تزوجها مدنيًا في يونيو 1950، وأنجبا طفلهما في سبتمبر، وصل باتريشيا النبأ، وصارت فضيحة حد أن احتج طلابه المعجبون ضده، لتضطر الكلية إلى طرد «دي مان» من وظيفته، ولم يستطع أن يحافظ على سره القديم، ذلك السر الذي تعترف ابنته الأمريكية من باتريشيا، التي كانت طالبة دراسات عليا في الأدب المقارن بجامعة ميشيغان «حياته السابقة خاصة جدًا لديه»، «اكتشفتُ بقية أسرتي مؤخرًا ومصادفة»، في حين يذكر «غوريلي» أن أحد أبناء دي مان من زوجته الأولى سمع أن والده لم يكن ينفق عليهم.

وكفعلٍ انتقامي، تلجأ بارغيان إلى كشف جزئي لحياة دي مان في بلجيكا. كان بول قد عمل في جامعة «هارفارد»، منذ العام 1951 كمدرس للأدب المقارن، وبعد أن أقنع دي مان رئيس القسم ريناتو بوجولي بقبوله رسميًا في برنامج الدراسات العليا في الأدب المقارن، على الرغم من الإخفاقات المسجلة في شهاداته من «بروكسيل الحرة»، لكنّ دي مان كتب إقرارًا بخط يده يزعم فيه أنه حصل على شهادة عليا من مؤسسة تعليمية بلجيكية أسماها «مجلس الدولة»، ويصعب الحصول على نسخة من الشهادة، وهو ما تبين بعدها بعقود عدم وجود مؤسسة من هذا النوع، ليعمل حتى 1954 وينتخب زميلًا مبتدئًا في هارفارد، وهو إنجاز أكاديمي كبير منحه أيضًا راتبًا لمدة ثلاث سنوات.

في الوقت نفسه، يصل إلى الجامعة خطاب غير ممهور يكشف عن علاقات دي مان بالنازية، ويبين أنه لم يتحصل على مؤهل جامعي، فتفتح هارفارد تحقيقًا «غير موسع» في الاتهام، كون الرسالة قد يمكن أن تكون مجرد «فرية»، وهي الرسالة التي تذهب المؤشرات التاريخية إلى أنها «عملية ثأر نسائية» من الزوجة الأولى التي تعيش في الأرجنتين، لكنّ البلجيكي يعرف كيف يُغلق التحقيق برسالة بخط يديه، يدعي فيها أنه «نجل هنري دي مان»، وربما يطاله الاتهام كونه ابن رئيس الوزراء فترة الاحتلال، وهو الادعاء ذاته الذي سينفيه في مقالة بعد سنوات، ويذكر أن هنري عمه، وأنه سليل العائلة الثرية، الشهادة التي أمنّ عليها سمسار الأوراق المالية البلجيكي وأحد معارف العائلة وولتر فان غلاببيك.

في الوقت الذي استرضت إجابات «دي مان» مسؤولي جامعة هارفارد، وأغلقوا الملف بصورة نهائية، تعرض «بول» لضغوطات مستمرة من دائرة الهجرة والجنسية الأمريكية «INS» بعدما انتهت تأشيرة دخوله البلاد وأصبحت إقامته غير قانونية، فاضطر أن يصطحب أسرته الجديدة ويتوجه إلى فرنسا. استقل سفينة مبحرة من شواطئ نيويورك في يناير1955 ليرسو على شواطئ جنوب فرنسا، ومنها إلى العاصمة باريس.

خلال بقائه في عاصمة النور، يتقرب «دي مان» من الفيلسوف الفرنسي جان فال، صاحب كتاب «الفلسفة الفرنسية من ديكارت إلى سارتر» الذي نقله للعربية فؤاد كامل، ويُطلعه «فال» على نحو عميق على نتاج فرنسا الفلسفي، قبل أن يتبحر إلى ألمانيا ويشرح له مارتن هايدغر، ويتطور نهج «بول» الفلسفي وينتج 12 مقالة فلسفية أحدها ترجمة لمقالة لهايدغر، ونُشرت المقالات في الفترة من 1955 حتى 1960 قبل أن يعيد جمع بعضها كما سيتبين فيما بعد.

البقاء في فرنسا وعلى مقربة من بلاده لم يستطبه الشاب الذي اقترب من الأربعين، فالعودة إلى بروكسيل ليست هينة، والسفر إلى الولايات المتحدة شبه مستحيل، نظرًا لانتهاء صلاحية جواز السفر وعدم القدرة على تجديده من البلاد التي فرّ منها، ولا يشفع له زواجه من أمريكية، ومع ذلك أصرّ «بول» على العودة إلى أمريكا.

بعد عامين من بقائه في باريس، قرر أن يخوض السفر على نحو غير شرعي إلى نيويورك، فحزم حقائبه واصطحب العائلة الأمريكية في ديسمبر 1956 واستقلوا متن سفينة شحن يونانية، ومن حسن الحظ، أن إدارة الميناء وضباط الجوازات انشغلوا بالركاب الآخرين، ولم يبدوا اهتمامًا بفحص بول وعائلته، ربما لأن الزوجة أمريكية أصلًا، فقط لوح مسؤول الجوازات بيديه معطيًا إشارة المرور للأسرة العائدة دون أيّ أسئلة.

مادة إعلانية

[x]