أدعو إلى إحياء تراث هذا الفيلسوف العظيم

5-12-2019 | 20:03

 

تحل علينا في الحادي عشر من ديسمبر الحالي ذكرى وفاة الفيلسوف العربى الكبير "ابن رشد" الذى اهتمت أوروبا بأفكاره وطبقتها فتقدمت إلى الأمام، وأهمله أبناء أمتنا العربية فرجعت إلى الوراء، لأنها ظلت محصورة في الفكر التقليدي، ولم نكتف بهذا، بل سخرنا منه حين أخذنا نتحدث عن قضايا وهمية زائفة كقضية الغزو الثقافي، والهجوم على الحضارة الأوروبية، وهو الذي فتح لنا الطريق أمام الفكر العلمي العقلاني الذي نحن في أمس الحاجة إليه الآن بعد مضي أكثر من ثمانية قرون على وفاته، ولن نفيق من تلك الحالة إلا بدك أرض التقليد والضلال دكًا، ولن نسلك طريق الصواب إلا إذا اعتقدنا بأن الخير كل الخير هو النظرة المنفتحة التى تقوم على تقديس العقل بحيث نجعله معيارًا وأساسًا لحياتنا الفكرية والاجتماعية.

ابن رشد المظلوم حيًا وميتًا فيلسوف أندلسي يسمى"أبا الوليد"؛ حتى يمكن التفرقة بين أبيه وجده، لأن كلًا منهما كان يشتغل بالفقه، ويطلق عليه باستمرار لفظ "الحفيد" وآخر فلاسفة المغرب العربي الذي أنجب لنا - طبقًا للترتيب التاريخي - ثلاثة عظماء هم: ابن باجة، وابن طفيل، وابن رشد الذي جمع بين كونه فقيهًا وصل إلى أخطر المناصب في بلاد الأندلس، وهو "قاضي القضاة" والطب الذي ألف فيه كتاب "الكليات في الطب" ترجم إلى أكثر من لغة عالمية، والفلسفة التي ألف فيها العديد من المؤلفات؛ أشهرها "فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال" و"تهافت التهافت" و"مناهج الأدلة في عقائد الملة"، ومازال مجد ابن رشد الحقيقي قائمًا في الغرب حتى الآن؛ خاصة أوروبا متمثلًا في شرحه لـ"أرسطو" حتى إنه في جميع المعاجم الأوروبية يطلق عليه لفظ "الشارح"، أي الشارح لكتب أرسطو، وهو ثلاثة أنواع من الشروح: الشرح الأصفر، والشرح الأوسط، والشرح الكبير، وأوروبا تعتبر أنها عرفت كتب أرسطو وفلسفته من خلال هذه الشروح، ثم ترجمت أكثر هذه الكتب لأكثر من لغة، ولذلك نجد تماثيل "ابن رشد" تملأ متاحف أوروبا.

قدم ابن رشد - الذي ولد في الرابع عشر من أبريل 1126 في قرطبة بأسبانيا - العديد من الآراء والنظريات والأفكار التى مازالت صالحة حتى الآن، بل نحن في أمس الحاجة إليها في يومنا هذا، وما تراجع فكرنا العربي إلا بسبب ابتعاده عن أفكار "ابن رشد"، وفي يقيني أنها لو طبقت لتقدم العرب أكثر من أوروبا، ولكن نحن ظلمنا ابن رشد حيًا وميتًا، وأهملنا تلك الموسوعة المعرفية التى جمعت الفقه والطب والفلسفة في قلب رجل واحد يقف على قمة عصره من حيث الفكر النقدي، ولو كان العرب قد تمسكوا بهذا الفكر لأصبح الحال غير الحال؛ لأن الفكر النقدي يحارب الخرافات والأفكار الخاطئة، وكان ينبغي على العرب أن يفخروا بأن أمتهم أنجبت واحدًا من أربعة فلاسفة على مستوى العالم يقفون على قمة عصورهم هم: أرسطو في الفلسفة اليونانية، وابن رشد في الأمة العربية، والقديس توما الأكويني في الفلسفة الغربية في العصور الوسطى، وأخيرًا الفيلسوف الألماني "كانت"، وجميعهم يعتمدون في أفكارهم على التنوير، ومن المعروف أن النور يؤدي إلى الأمان، والظلام يؤدي إلى الخوف والتراجع، ومن حكمة الله أن خلق أعيننا في مقدمة الرأس، وليس في المؤخرة ليطلب منا أن ننظر إلى الأمام وليس للخلف، وابن رشد بفلسفته التنويرية كان سابقًا عصره، لأن فكرة التنوير لم تكن واضحة المعالم عند المفكرين والفلاسفة قبله، وقد عانى في سبيل ذلك الكثير، وتعرض لأبشع أنواع الظلم حيًا وميتًا عند محاكمته وإحراق الكثير من كتبه ونفيه إلى بلدة (اليسانة) التي يقطنها اليهود الذين زعموا بعد ذلك أنه منهم، وحين رجع من المنفى ظل منبوذًا ومحبوسًا داخل منزله حتى وفاته في 11 ديسمبر 1198 في مراكش بالمغرب؛ حيث دفن مؤقتًا، ثم حمل جثمانه إلى قرطبة على دابة وشهدها الصوفي الكبير "ابن عربي".

إنني أدعو جميع الدول العربية إلى إحياء تراث هذا الفيلسوف العظيم، وصناعة فيلم سينمائي ضخم عن حياته وأفكاره مثل فيلم صلاح الدين الأيوبي، وللأسف كان هناك مشروع للمخرج الراحل حسام الدين مصطفى لإنجاز فيلم عن ابن رشد لم يكتب له النجاح، أو صناعة مسلسل تليفزيوني ضخم ليعرف كل العرب من هو ابن رشد كما يعرف الفرنسيون "فولتير" ويعرف الإنجليز "شكسبير".

• فى مثل هذا اليوم 7 ديسمبر عام 2012 توفى الفنان الكبير عمار الشريعي غواص تعمق في أعماق بحار النغم، ربما خشيته الأمواج لكنه لم يهبها يوما، وظل سابحًا مغمض العينين رغمًا عنه، ولكنه اعتبر غمضة عينيه من قبيل الطرب واستحسان سماع الموسيقى، ومضى حياته كلها مغمض العينين يرى بقلبه، وتنشط الموسيقى بصيرته.

هكذا يراه كل بصير بالموسيقى ممن أغمضوا أعينهم استحسانًا للطرب في معهد موسيقى النور والأمل الذي أسسته الدكتورة سمحة الخولي رئيسة أكاديمية الفنون المصرية عام 1961، وانطلق في طريقه بلا هوادة مؤسسًا أوركسترا من قامات وأشبال، واعتبره عازفو المعهد نموذجًا وقدوة يحتذون به، فلم يكن حظه يسيرًا شأن حظهم، ولم تكن معاهد تعليم المكفوفين في زمانه قد فتحت أبوابها بعد؛ مما اضطره لترك "سمالوط" مسقط رأسه للالتحاق بالمركز النموذجي لرعاية المكفوفين في القاهرة للدراسة الثقافية فقط، ولكنه كان قد تعلم عزف البيانو على يد ابنة عمه وهو في الثالثة من عمره، وبدأ في تعلم التدوين الموسيقي وعمره سبع سنوات، ثم دفعه عشقه للموسيقى للانضمام إلى النشاط الموسيقي في مدرسته لعزف الأوكورديون والعود، فتعلم أساسيات الموسيقى في مدرسة "هاردلي الأمريكية" وهو في الرابعة عشرة من عمره.

وسيرة عمار الشريعي محفوظة عن ظهر قلب بين عازفات معهد النور والأمل اللائي تعلمن العزف على كافة الآلات بعد التدريب على النوتة الموسيقية المكتوبة بطريقة "برايل"، مما دفع المعهد إلى تبني تدريب بعض الفتيات لإصدار نوتات مكتوبة بطريقة برايل حتى تكونت مجموعة من تسع فتيات، ولولا ذلك ما تمكن من العزف إلا سماعيًا برغم اندهاشهن من تعلم عمار الشريعي سماعيًا في بداية مشواره الفني، وأنه أجاد العزف؛ مما جعله غواصًا ماهرًا في بحار الموسيقى، فقد عزف في الملاهي الليلية والفرق واتجه للتلحين، وكانت أولى أغنياته "امسكو الخشب" لمها صبري في عيد ميلاد إذاعة صوت العرب سنة 1974، وتجاوز عدد أعماله السينمائية خمسين فيلمًا، وأعماله التليفزيونية 150 مسلسلا، وما يزيد على عشرين عملًا إذاعيًا، وعشرة مسرحيات غنائية استعراضية، وزادت ألحانه على 150 لحنًا لمعظم فناني وفنانات العالم العربي.

مقالات اخري للكاتب

إجازة نصف السنة ليست رفاهية

إجازة نصف السنة ليست رفاهية

حياة جديدة مع بدء العام

ونحن نبدأ عاما جديدا، أطلب منك أن تقرأ كتاب "غير تفكيرك.. غير حياتك" - لخبير التنمية البشرية بريان تراسى؛ لتبدأ حياة جديدة مع بدء العام، وإن لم تستطع فاقرأ هذه الأفكار نقلا عن الكتاب:

رفقا بقرية الصحفيين!

ملاك قرية الصحفيين بالساحل الشمالي يستقبلون عام 2020، وهم محملون بكم هائل من الهموم والكوارث، وسط مخاوف من إصدار أحكام غيابية ضدهم بالسجن، وذلك بعد الهجوم

أول ناظرة مصرية لمدرسة ابتدائية

* في تاريخ مصر الحديث شخصيات أثرت في مسيرة التقدم والتطور، شخصيات شقت دروبها وسط الصخور، وأزالت الكثير من التحديات الصعبة، ومزقت الحواجز الصلبة، لم يكن

العرب يفتقدون إرادة وإدارة النجاح!

• لا يختلف اثنان على أن إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي تمارس بفجاجة "إرهاب الدولة"، لكن الصحيح أيضًا أنها حققت إنجازات علمية ضخمة لا ينكرها أحد.

أول برلمان عرفته مصر

* مضى يوم 25 نوفمبر في هدوء دون أن يذكره أحد بكلمة رغم أنه من أهم أيام مصر التاريخية، ففي صباح هذا اليوم سنة 1866 أخذ حضرات النواب يتوافدون على مبنى القلعة