المرأة الإندونيسية والكاتبة الأمريكية إليزابيث جيلبرت

5-12-2019 | 17:29

 

في مقابلة تليفزيونية سألت المذيعـــة الشهيرة "أوبرا وينفري" الكاتبة الأمريكية إليزابيث جيلبـــرت عن أكثر الأشيــــاء التي أثرت في حياتها وشــــعرت معها بأن لديها نعمة عظيمة.

فأجابت جيلبرت : "كنت في إندونيسيا، وكنت محبطة تمامًا؛ لأنني في سن الواحدة والثلاثين وسأنفصل عن زوجي، لذلك اخترت جزيرة صغيرة بعيدة عن الناس، لكي أكون وحيدة.. وأتصالح مع ذاتي المُنكسرة المتألمة.. وقررت ألا أكلم أي مخلوق لمدة عشرة أيام كاملة.

كانت الجزيرة فقيرة جدًا، وصغيرة جدًا؛ لدرجة أنني كنت أستطيع الدوران على كل أطرافها في فترة التريض الخاصة بي، وكلما كنت أركض على حدود الجزيرة يوميًا، كانت هناك امرأة إندونيسية مُسلمة بيتها يقع في الناحية الأخرى للجزيرة، تُلوح لي وتبتسم كلما مررت أمام منزلها.

ومرضت بسبب الطعام السيئ الذي أكلته هناك، فتوقفت عن الركض، وانزويت وحيدة في كوخي الصغير، لا أحد يشعر بي، ولا أحد يهتم بي، فلا أحد يعرفني.. وفجأة ظهرت أمامي هذه المرأة تقرع علي بابي، شيء ما أخبرها أنني لست بخير، يبدو لأنها لم تعد تراني أتريض، ولم أعد أمر من أمام منزلها الصغير الفقير.

عندما رأتني متعبة مريضة، دُهشت، ولم تقل أي شيء غير أنها أشارت بإصبعها السبابة أن أنتظر قليلًا.. فاختفت ساعة وعادت تحمل إلى طعامًا صحيًا ومياه نقية نظيفة.. فبدأت أبكي أمامها.. فأخذت تُمسكني بيديها كأنني طفلتها الصغيرة.. فضمتني واحتوتني واعتنت بي حتى شُفيت.. كل هذا ونحن لم نتكلم ولا حتى عرفت اسمها.

أتذكر هذه المرأة كُلما ذُكر الإسلام في أي مكان، هذه المرأة هي واجهتي للإسلام.. امرأة قرعت علي كل الأكواخ على الجزيرة حتى تعثر على المرأة التي كانت تمر أمامها وفجأة اختفت، لعل أمرًا ما أصابها.. وقد كان.. فقد عثرت علي وأنقذني.. هذه المرأة أعظم منحة قد مرت علي في حياتي، فهي ليست مدينة لي في شيء حتى تفعل كل ذلك.. هي فعلًا نعمة من الله.. هي فعلا تعكس عظمة الله في خلقه".

عندما أنهت جيلبرت كلامها لأوبرا، بدأت أسئلة العقل عندي في العمل!!

كيف لامرأة إندونيسية مسلمة لا يعرف اسمها أحد أن تُنير الطريق لكاتبة أمريكية لترى عظمة الله في خلقه؟!.. كيف لها أن تكون انعكاسًا لصورة الإسلام الحقيقي أمام كل من يشوه صورته أمام تلك الكاتبة – على الأقل؟!

قصة المرأة المسلمة تلك ذكرتني بواحدة من أشهر قصص التراث الإسلامي المدسوسة على الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم- .. وهي لم ترد في كتب السنة أو السيرة، كما قال عنها مفتي الديار المصرية الدكتور شوقي إبراهيم علام: إن قصة اليهودي الذي قيل إنه كان يقوم بوضع المخلفات أمام بيت النبي، وعندما مرض ذهب لزيارته، هي قصة مشتهرة بين الناس، لكنها لم ترد في كتب السنة أو السيرة، وإنما يوردها الناس لضرب المثل للتسامح والعفو عند المقدرة، ولا بأس بما كان من ذلك بشرط ألَّا ينسب للنبي - صلى الله عليه وآله وسلم.

الكاتبة الأمريكية لم تؤذ المرأة الإندونيسية، ولكن المرأة الإندونيسية أرادت أن تكون إنسانة تسأل وتحنو وتضم وتحضن امرأة مريضة وحيدة بعيدة عن أهلها.

على النقيض تمامًا من تلك المرأة البسيطة المتواضعة الماكثة في طرف العالم الشرقي في إندونيسيا وفي جزيرة نائية فقيرة، ظهر شاب معروف الاسم والسن والميلاد في طرف العالم الغربي في بريطانيا وفي مدينة غنية.. كأننا أمام كل شيء ونقيضه.. شاب باكستاني اسمه عثمان خان، ٢٨ عامًا.. طعن شابًا وشابة حتى الموت، وجرح ثلاثة آخرين، فيما عُرف بحادث كوبري لندن الإرهابي.

الأغرب أن أحد القتيلين كان واحدًا من مشرفي برنامج يهدف إلى منح خريجي السجون - وخاصة من الأقليات، فرصة للعيش الكريم والعودة للاندماج في المجتمع.

لكن "خان" هذا بدلا من رد الجميل قتل من أراد له الحياة بكرامة.. لأن "خان" كان مسجونًا لضلوعه في جريمة سابقة وهي التخطيط لتفجير سوق الأوراق المالية في لندن عام ٢٠١٠.. وحُكم عليه بالسجن ستة عشر عامًا، وخرج بعد قضاء نصف المدة في ديسمبر عام ٢٠١٨.. ليندمج في المجتمع، لكنه اختار طريقًا آخر غير إنساني.. يقوم على القتل والتخريب والدمار.

"هذه المرأة الإندونيسية ليست مدينة لي في شيء، لتفعل معي كل ذلك الكرم".. جملة الكاتبة الأمريكية إليزابيث جيلبرت هزتني.. فهذا ما يمكن أن نقدمه للغرباء حتى لو لم نكن غير مدينين لهم بأي شيء.. فكيف لو كنا مدينين لأحد البرامج المجتمعية بإعادتنا إلى الحياة؟!

تويتر: @tantawipress

مقالات اخري للكاتب

رامانوجان

شاهدت لأول مرة فيلم The man who knew infinity.. الفيلم يحكي قصة شاب هندي فقير اسمه "رامانوجان" قهر الأرقام الصحيحة فى الرياضيات.. ووضع معادلة رياضية بمساعدة

البقاء على قيد الحياة

ليس سيئا أن نجلس فى المنزل عدة أيام، نبتعد فيها قليلا عن غرس أظفارنا فى جلد الحياة لنتصارع معها يومياً، صراعات فى العمل وفى الشارع وفى المواصلات.. ولكي

من الحب ما قتل .. والأحضان أيضا

من الحب ما قتل .. والأحضان أيضا

الصين وكورونا وطارق شوقي

الصين وكورونا وطارق شوقي

مطر القاهرة.. وشجرها الأنيق

مطر القاهرة.. وشجرها الأنيق

المحليات وشاغلو الطرق .. لعبة القط والفأر

بعد دقائق معدودة من انتهاء حملات المحليات للتصدي للإشغالات العامة لتحقيق انضباط في الشارع، وتوفير سيولة مرورية وإضفاء منظر جمالي أكثر براحًا.. لماذا تعود الإشغالات مباشرة؟! لا تنتظر إلا انتقال المحليات لشارع آخر أو مكان بعيد.. فيعود كل شيء عشوائي لأصله.

مادة إعلانية

[x]