الكبير

5-12-2019 | 17:29

 

ليست صدفة أن المرء حينما يتوجع أول ما ينطق به (أخ)؛ بحثًا عن ملاذ آمن للأخ أو الأخت، وهما الأقرب بصلة الدم والعشرة ولفظ الأخ يطلق في العموم على المذكر والمؤنث، و"الأخ الكبير في مقام الأب"، جملة على رغم بساطتها، إلا أنها عظيمة في وقعها، إذ تحفر في نفوس أفراد الأسرة الكثير من القيم التي يتشبثون بها في مواجهة الحياة بحلوها ومرها.

تلك الجملة، التي يحرص الآباء على ترديدها أمام أبنائهم، تنطلق من إيمانهم بولدهم أو ابنتهم البكر، واستنادًا إلى الثقافة العربية والإسلامية التي تحض على احترام الكبير والعطف على الصغير، بينما المثل العربي يقول: "الزوج موجود، والابن مولود، والأخ مفقود"، وذلك في دلالة على أن كل شيء يمكن تعويضه في الحياة إلا الأخ.

وتشكل الأخت الكبرى حالة من المشاعر الإنسانية داخل بيت العائلة؛ فهي الأنثى التي تلعب أصعب الأدوار في حياة أسرتها، وأحيانًا تصبح الأم البديلة لإخوتها الصغار، تنصت لهم، وتحتويهم، وتمد يد العون لمساعدتهم، وبسبب مسئوليات دورها في الرعاية بأسرتها، قد تغيب حياتها من أمام عينيها من دون أن تشعر، وعلى الرغم من أنها قد تكون سعيدة بما حققته من نجاح في إدارة مملكة عائلتها، وصمودها أمام أعاصير كادت أن تعصف بهم - كما يحدث في كثير من العوائل - إلا أنها قد تتمنى لو كان باستطاعتها إعادة الزمن قليلًا للوراء، لعلها تجد ذاتها.

دائمًا ما تبعث الأخت الكبرى في من حولها الشعور بالأمان والسكينة، فتارةً تجدها أمًّا ثانيةً تتحمّل أعباء المنزل، وتشارك في تربية الصغار وتساعدهم في دروسهم، وأخرى تقف سندًا لأسرتها في الأزمات، إنها الأخت الكبرى التي نحتفي بها كل عام بتخصيص يوم عالمي لها؛ لتسليط الضوء على أهمية الدور الذي تلعبه داخل العائلة.

وبرغم أن اليوم العالمي، الذي تعود جذوره إلى اليابان، ينظم في 6 ديسمبر من كل عام، فإن دفء حكايات الشقيقة الكبرى لسيدنا موسى عليه السلام أقدم وأعظم؛ حيث ورد في القرآن الكريم في قصة سيدنا موسى، قالت أمه لأخته قصيه أي اقتفي أثره و تتبعيه، كما ورد في آية 11 من سورة القصص: (وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ ۖ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ)، فهذه أخت سيدنا موسى حملت همّ كليم الله مع أمه، وساعدت في تربيته ككل أخت كبرى نقدّر مسيرة عطائها وتضحيتها مع الأم.

وبالمثل هارون أخو موسى ورفيقه في دعوة فرعون إلى الإيمان بالله؛ لأنه كان فصيحًا ومتحدثًا، ولهذا طلب من الله أن يعضده به؛ (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي ۖ إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ) (وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي).

والأخ الأكبر في العائلة غالبًا يكون هو الأكثر خُلقًا وأدبًا من إخوته الآخرين؛ لأنه كان الطفل الأول لوالديه فحظي بمزيد من الاهتمام ما ينعكس على أخلاقه مستقبلًا، والأخ الأكبر هو الذي يحمل هم الأسرة وهو حمال الأسية، ويتحمل الكثير من أجل إخوته وأسرته، ومن المعروف بأن العادات والتقاليد الشرقية أعطت الفرصة للأخ بأن يكون له دور كبير في الاعتماد عليه، يجب احترام الأخ الأكبر فهو بمثابة الأب تجاه الأسرة وذلك لقوله - صلى الله عليه وسلم - : "حق كبير الإخوة على صغيرهم كحقّ الوالد على ولده" وفي رواية "الأكبر من الإخوة بمنزلة الأب".

وهذا الأخ يكون من أوائل الأشخاص الذين نبحث عنهم كي نبوح لهم بسر ما أو شيء ما يضايقنا، وذلك لثقتنا الكبيرة في أنه سوف يحفظ السر، ولن يعلم به أحد غيره وسوف يسعى لحل هذه المشكلة معه؛ حتى وإن أخذ في اللوم فهو سيكون لوم محبة، وأكثر الأشخاص الذين يقدمون الحب دون انتظار مقابل نظيره هو أخوك؛ لأنه يحبك ليس لشيء؛ ولكنه يحبك لشخصك أنت يحبك كنفسك فكل ما يريده لنفسه يريد مثله لك، وهو الوحيد الذي لا يحمل أي حقد أو حسد من جانبك؛ بل يحمل كل محبة ومودة لك ولكل من تعرفهم؛ لأنه يقدرك ويحبك.

مقالات اخري للكاتب

البورصة تحارب الاستثمار بملاليم الضرائب

لا يمكن أن تكون البورصة في هذا البلد معبرة عن التطور والتنمية والمشروعات العملاقة؛ حتى إن قيمة الجنيه المصري واصلت الارتفاع أمام الدولار، في نفس الوقت الذي كانت مؤشرات البورصة سلبية.

الوعي الغائب في تسويق الكمين للحرب

يحتار المرء في الوصف الأنسب للمرحلة الحالية، هل هو؛ الفوضى الخلاقة؟، أو الشرق الأوسط الجديد؟، أو الحرب بالوكالة؟، أو حرب سنية – شيعية؟، أم هو ترتيب موازين القوى بشكل جديد تعتبر الفوضى إحدى وسائله؟، أو كل ما سبق؟!

الوجه القبيح لتركيا وأردوغان

حاربت مصر 4 مرات من أجل فلسطين؛ بينما لم تطلق تركيا رصاصة واحدة على إسرائيل فهل يستويان، ويخطئ من يتصور أن الرئيس التركي رجب أردوغان يسعى من وراء عربدته

التعديلات خطوة تمهيدية للتغييرات

يمكن قراءة التعديلات الوزارية الأخيرة، في إطار أن الدولة المصرية خرجت من حالة شبه الدولة، وأنها خطوة فيما يمكن تسميتها إعادة هيكلة الدولة، خاصة عند التحول لرقمنة المؤسسات الرسمية

الحياة اليومية للمصريين على "فيسبوك"

يمكن لأي باحث أن يرصد الحياة اليومية للمصريين بتتبع ما يكتبون على الفيسبوك؛ بل ويمكن القول إنه ساحة الطبقة المتوسطة على كل لون وغالبًا ما يكون (الشير) بلا منطق؛ وبالتالي لا يصبح (الترافك) معيارًا للقياس على السخط أو الرضى بالكتابة.

بدء حرب الدراما الناعمة

مسلسل (ممالك النار) أول عمل حقيقي، وأول خطوة في الطريق الصحيح؛ لمقاومة العدوان التركي، ويوثق المسلسل الحقبة الأخيرة من دولة المماليك، وسقوطها على يد العثمانيين

الأكثر قراءة