القوة الناعمة.. إعادة نظر

3-12-2019 | 17:14

 

مصر لم تفتقد القوة الناعمة، ولكنها تحتاج إلى إنتاج المزيد منها وتسويقها واستغلالها..

والقوة الناعمة ليست سلعة ننتجها الآن، ونبيعها في الأسواق فورًا، وإنما هي قوة حاضرة تعمل مفعولها ربما ببطء في البدايات، ثم ينجذب الآخرون ويتعاطون معها من دون توجيهات مباشرة، وبالتالي جذب هؤلاء الآخرين إلى منتجي القوة الناعمة ونمط حياتهم وأفكارهم وتبني قضاياهم وشراء سلعهم؛ لأن المباشرة هنا ستحولها قطعًا إلى "سياسة" وهي أبعد ما تكون، وإلى استغلال سيرفضه الآخرون الذين من المفترض أن نجذبهم لا أن نملي عليهم..

ويلتقي هذا الفهم للقوة الناعمة مع غالبية المنجز الحضاري لمصر في المائة عام الماضية على الأقل، فكون مصر وطنًا بديلاً للأحرار في العالم العربي، ومستقبلًا لرواد الصحافة من سوريا ولبنان، وحاضنًا للمسرح العربي والموسيقى والفن والغناء، ورائدًا للسينما.. ولأنها أنتجت كل هذه القوة الناعمة، فقد جذبت من دون قصد العرب من المحيط إلى الخليج، ثم عبورًا للمحيط إلى عرب المهجر..

شدت تلك الجاذبية العالم إلى الكنيسة المصرية والأزهر الشريف، وأتت بوفود الشرق مبايعة أحمد شوقي أميرًا للشعراء، وفتحت الأبواب كافة أمام السينما المصرية التي كانت تصل إيراداتها إلى نحو عائدات تصدير القطن المصري، وقبل ذلك كل الآذان والقلوب لمشاهير قراءة القرآن الكريم في مصر، وأساطين الغناء كأم كلثوم وعبدالوهاب..

كما فتحت مصر أبوابها أمام الأكراد والأرمن وكل الأقليات المضطهدة، وأمام كل صاحب موهبة يريد أن يجليها ويثبتها في الشعر والموسيقى والغناء، ثم الكفاح من أجل استقلال بلاده..

ودعمت ثورة يوليو هذا التوجه العربي، وحصدت منجزًا مهمًا من مخزون قوتنا الناعمة لدى الآخرين، وأضاف جمال عبدالناصر إليه الكثير، كما وسع القوس ليشمل إفريقيا وآسيا.. ثم إلهام نجيب محفوظ بفوزه بجائزة نوبل، وأخيرًا إلهام لاعب كرة القدم محمد صلاح للشباب في مصر والعالم العربي كله.

والقوة الناعمة ليست طاقة باتجاه واحد؛ لأن المردود كان هائلًا من ذلك الدعم الكاسح للقاهرة في كل معاركها، من الشعوب قبل الحكومات، في الحروب وفي الأزمات.. لكن التساؤل دائمًا حول استغلال ذلك المنجز، والإضافة إليه، وحول إمكان نفاد المخزون منه..

وربما شكل كتاب "القوة الناعمة.. من أين؟ وإلى أين؟" للمؤلفين زكريا القاضي ومحمد شلبي محاولة رصينة نحو إعادة النظر في مفاهيم القوة الناعمة لدينا.. إذ ينبه المؤلفان إلى الفارق بين القوة الناعمة والقوة الصلبة، بأنه كالفرق بين الاحتلال العسكري المباشر لبلد ما والهيمنة على عقول وميول النخب الحاكمة فيه بوسائل الاستمالة والترغيب..

ويؤكد المؤلفان أن التاريخ البشري شهد وفي حقب كثيرة أن القوى التي تمتعت بخاصية الجمع بين قوة صلبة فعالة وقوة ناعمة مؤثرة هي القوى التي حققت انتشارًا أوسع واستمرارًا تاريخيًا أطول.

أما المصدر الأول للقوة الناعمة فهو الثقافة، كما يتفق المؤلفان مع المفكر الأمريكي جوزيف ناي والجزائري مالك بن نبي، وهي: "مجموعة العلوم والفنون والأفكار والمعتقدات والقوانين والآداب وسائر التعليمات والعادات والتقاليد" وكذلك "الجو المشتمل على أشياء ظاهرة مثل الأوزان والألحان والحركات، وأشياء باطنة، كالأذواق والعادات والتقاليد، بمعنى أنها الجو العام الذي يطبع أسلوب الحياة في مجتمع معين وسلوك الفرد فيه بطابع خاص، يختلف عن الطابع الذي نجده في حياة مجتمع آخر".

هذا ما عملت عليه الولايات المتحدة الأمريكية أثناء الحرب الباردة، وما بعدها لترسم "الحلم الأمريكي" في مخيلة العالم، الأمر الذي نجحت فيه، بينما فشلت في فيتنام.

هي الثقافة التي كادت تركيا تغرقنا فيها عبر المسلسلات المدبلجة، والتي حولت نمط الحياة التركية الحديثة إلى نموذج في العالم العربي من المحيط إلى الخليج.

فباتت تركيا مقصدًا سياحيًا وسوقًا تجارية وهدفًا استثماريًا، بالإضافة إلي بعض الخطب الرنانة لأردوغان حول القضية الفلسطينية، وقد خدعت بدورها كثيرين.

لكن انكشاف مزاعم الرئيس التركي ورغباته الحارقة في زعامة المنطقة، وإعادة إنتاج الخلافة العثمانية، والجنون الذي أصابه بسبب ثورة 30 يونيو في مصر، التي حطمت أحلامه، بعد أن أزاحت إخوانه من سدة الحكم ليس في مصر فحسب؛ وإنما في المنطقة كلها. وهنا يأتي المصدر الثاني للقوة الناعمة بعد "الثقافة"، وهو "القيم السياسية"، فقد كشفت مصر بإزاحتها حكم الإخوان وفضح مخططاتهم للسيطرة على الحكم في العالم العربي عن قدرات للتأثير في الآخرين، الذين تابعوا واقتنعوا، ومن ثم ساندوا الخط المصري في تصنيف الإخوان كـ"جماعة إرهابية"، كما يأتي المصدران الثالث والرابع للقوة الناعمة، وهما "السياسة الخارجية" و"العلاقات الدولية"؛ حيث أكدت مصر قدرتها على تطوير سياساتها ودبلوماسيتها خصوصًا في إفريقيا، ومع القوى الكبرى في العالم، من الولايات المتحدة إلى روسيا، ومن ألمانيا إلى الصين، ونرى الفرق الشاسع ما بين تشكك العواصم ومحاولات البعض عزل مصر ليلة عزل مرسي، والواقع الحالي الذي تثق فيه الدول العربية والقوى الدولية في مصر.

لذلك اعتبر المؤلفان - القاضي وشلبي - القوة الناعمة سلاح مصر الأول في عالم عربي يواجه اليوم أصعب وأخطر تحدياته، مع الوضع في الاعتبار أن القوة الناعمة يجب أن تبرز وتنجح وتؤثر في الداخل أولاً؛ لذلك وجب إعادة النظر في خريطة القوة الناعمة في مصر وتدقيقها بحيث نستكمل ما ينقصنا، ونوفر ما يدعم إنتاج أفرع وفنون هذه القوة الساحرة.

مقالات اخري للكاتب

مرايا المدينة المنورة

يحتاج كاتب السيرة الذاتية إلى الكثير من الصدق والشجاعة والقدرة على التذكر، أو ذاكرة حديدية ترتقي لذاكرة صاحب "الأيام" الدكتور طه حسين.

هل نستخدم تقنية الـVAR في حياتنا

ماذا لو كان بوسعنا استخدام تقنية الـVAR في حياتنا والتي أقرت رسميًا من الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) قبل عامين فقط..

لحظة تحد في مصر

لحظة تحد في مصر

استعادة ليبيا

هل يستطيع العرب استعادة ملف ليبيا مرة أخرى، بعد أن أضاعوه طواعيةً وبقرار من جامعة الدول العربية عام 2011، وأرسلوه إلى مجلس الأمن.. ثم أصدر مجلس الأمن بدوره قرارًا رقم 1970 في مارس 2011، بحظر إرسال السلاح إلى ليبيا، ثم أيام وصدر القرار رقم 1973 بفرض حظر جوي وتنظيم ضربات ضد ليبيا 1973..

أوراق مهمة في حقيبة الثقافة

عقب التغييرات الوزارية الأخيرة، عقد الرئيس السيسي اجتماعًا مع الوزراء الجدد، بينما يمكن قراءة اهتمامات خاصة بالمرحلة المقبلة في قطاعات معينة، من خلال اجتماعات

صيحة طه حسين

مستقبل الثقافة في مصر.. الصادر عام 1938.. واحد من أهم كتب الدكتور طه حسين.. وهو عن الثقافة بمعناها الشامل، وركيزتها التعليم..

الأكثر قراءة