نسمع طحنا ولا نرى طحينا

2-12-2019 | 17:03

 

في الصين حكمة تقول: "اللسان للعرب واليدان للصينيين"، بمعنى أن العرب يجيدون المبالغة وإنتاجهم ضعيف، وحالة الجدل المأجوج بين فقهاء عرب في شتى مجالات الحياة العصرية، تعكس نوعًا من اللامبالاة بعنصر الوقت وإضاعته سدى؛ مما يتبعه خسائر اقتصادية فادحة.

وكذلك يسجل واقعنا العربي العديد من الأمنيات العظيمة والتوصيات المهمة، التي تسفر عنها المناقشات والمؤتمرات، ووقت الجد تتطاير تلك الأمنيات وتصبح حبرًا على الورق، وحال كثير من العرب يتشابه مع مقولة الإمام أبي حنيفة: " آن لأبي حنيفة أن يمد قدميه ".

وتتعجب من سماع الحوارات العقيمة عن سيطرة الصينيين وغزوهم اللا محدود للسوق العربي على لسان خبراء وصناع، ويشتكون من تراجع منتجاتهم المحلية، ثم يعلنون عن قرارات غاية في البلاغة والدقة، وفي النهاية كمن يسمع طحنًا ولا يرى طحينًا.

والسر ببساطة في تفوق المواطن الصيني أو الياباني أو الغربي أنه لا يعرف إلا لغة العمل والوقت عنده أغلى من الذهب، والصين تمثل خمس سكان العالم، ويعد اقتصادها ثاني أكبر اقتصاد في العالم، والغريب أنهم يمتلكون معرفة سر إستراتيجية كيفية القفزة الحضارية لدول صغيرة خلال عقود قليلة مثل سنغافورة وماليزيا، ومع هذا لم يبذلون الجهد لتطبيقها، وهناك رجال أعمال وصناع عرب يعشقون ترديد عبارة في إمكاننا التفوق عليهم، ونحن أصحاب تاريخ عريق، وبعدها نرى منتجًا محليًا هزيلًا لا يصمد أمام نظيره التيلاندي، برغم أن لدي كثيرًا من العرب رؤى غير تقليدية ولكن تغيب عنهم الإرادة القوية، حتى منهم من يتكلم بلسان فصيح عن الدين ثم تجد منهم أفعالًا تتناقض مع أقوالهم، إلا من رحم ربي.

الولايات المتحدة الأمريكية تمتلك أكبر احتياطي نقدي يصل إلى 3.2 تريليون دولار، ومنذ عامين نجحت في وصول أول قطار بضائع من أرضها إلى بريطانيا مباشرة في رحلة تستغرق أسبوعين، ويمر في طريقه على دول أسيوية وأوروبية، وكان بمثابة أول خطوة في مشروعها الكبير "طريق الحرير"، ونحن العرب أول من أنشأنا مثل هذا الخط.

وتمثل فلسفة الصينيين في حياتهم سر نجاحهم، منها التزامهم بموروثاتهم وعاداتهم؛ برغم ما طرأ عليهم من عادات غربية، ومن هذه العادات الحميدة التي نفتقدها كمسلمين تقليد يسمونه "الصداقة الأخوية" وتوضح مدى العلاقة الحميمية بين أبناء شعبهم، ويعتقدون أنها كاليدين والقدمين في الجسد الواحد، وتتأصل في نفوسهم مراعاة مشاعر الآخرين ويعتبرونها من المكونات الأساسية في حياتهم، ويطلقون عليها اسم "الميانزي".

ومن ثوابتهم الاجتماعية الأخرى لا تنطق ألسنتهم بصفة مستمرة بكلمة آسف، وهو ليس خوفًا من الاعتراف بأخطائهم، ولكن حرصًا منهم على تجنب التسرع في القول أو في الفعل، وحين يعتذر المواطن الصيني يكون عذره نابعًا من القلب بعد تأكده من ارتكابه الخطأ، وحتى لا تصبح آسف كلمة مستهلكة.

ومن ضمن تقاليدهم الأصلية ممارسة الرياضة ويلقبونها بـ "طاقة الحياة" أو "تشي"، ولا تستغرب حين ترى العجائز في الساحات العامة عند غروب الشمس وفي الصباح الباكر وفي أيام البرد القارص يمارسون الرياضة بين الشباب، ويعلمون الصينيون أبناءهم مهارة تدليك الجسد لمواجهة الآلام ومتاعب الحياة، وتستخدم حاليًا كعلاج في مئات العيادات الأمريكية.

وهل تعلم أن ثاني أكبر اقتصاد عالمي لا يهتم بتعلم اللغة الإنجليزية؟ وكذلك يفعل اليابانيون؛ كمحاولة للحفاظ على اللغة الأم، بعكس اعتقادنا الأعمى بتقليد الغرب في أدق الأشياء، ويتعلمونها حاليًا لضرورة التوسع في نشاط التبادل التجاري، ويفضل الياباني والصيني العمل لساعات طويلة دون تباطؤ في القطاع الخاص عن العمل في القطاع الحكومي.

ورصدت الأجهزة أن عدد ساعات عمل الصينيين وصلت إلي ألفين ومائتي ساعة عمل خلال العام الواحد، بينما المعدل الزمني للمواطن العربي يتراوح ما بين 18 إلى 25 دقيقة يوميا.. ومجموع هذه العادات والتقاليد الصينية جعلت الاستثمارات الأجنبية تتهافت على الصين بشكل يفوق الخيال.

Email: khuissen@yahoo.com

مقالات اخري للكاتب

نسمع طحنا ولا نرى طحينا

في الصين حكمة تقول: "اللسان للعرب واليدان للصينيين"، بمعنى أن العرب يجيدون المبالغة وإنتاجهم ضعيف، وحالة الجدل المأجوج بين فقهاء عرب في شتى مجالات الحياة العصرية، تعكس نوعًا من اللامبالاة بعنصر الوقت وإضاعته سدى؛ مما يتبعه خسائر اقتصادية فادحة.

الدواء فيه سم قاتل لابنك

لا بأس من ظاهرة أسواق الملابس المستعملة والأحذية المستعملة، ومرحبًا كذلك بأسواق السيارات المستعملة، وهي نوعية من الأسواق التي تتواجد في العديد من دول العالم،

مكافأة مالية ضخمة ليتزوج بالثانية

يا مؤمن تصدق إن فيه حملة نسائية من بعض سيدات المجتمع، رفعت القبقاب شعارًا لها ضد دعوة الزواج بامرأة ثانية أو ثالثة، والحكاية كان سببها انتشار مطالبة عدد

جهز جيشا وميراثه تسعة دنانير

ليس عيبًا أن تبدأ حياتها نادلة في مطعم، لتنفق على دراستها للفيزياء بالجامعة، ولكن ما تلبث أن تصبح زعيمة لأقوى الأحزاب الألمانية منذ عام 2005، وهو الحزب

كيف تعيش في أمان؟

وأول ما قال رسولنا القائد: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»؛ ولأنه لا ينطق عن الهوى ويعلم يقينا أن مكارم الأخلاق العلاج الوحيد الذي لا ثاني له لتماسك بناء

كلام في الميزان

قالوا زمان: "إللي يحسب الحسابات في الهنا يبات"، واليوم يستطيع الإنسان قياس عدد أنفاسه وهو يجلس على المقهى، ويعرف كيف يحسب درجة سعادته بالضبط، ويتاح له

الأكثر قراءة

مادة إعلانية