"رييوا" في المرصدين الياباني والمصري

1-12-2019 | 18:14

 

أتوقف اليوم عند ثلاثة من الآراء القيمة، التي تلقيتها، وسمعتها، بنفسي، تعقيبًا على المقالتين السابقتين، قبل الاسترسال في كتابة مشاهدات ومعطيات، رصدتها - على الطبيعة - خلال زيارتي لليابان، تزامنًا مع احتفالات ومواكب، أقيمت بطوكيو، ل تتويج الإمبراطور ناروهيتو ، في أواخر أكتوبر وأوائل شهر نوفمبر، الماضيين.

بالنسبة لمصطلح "رييواReiwa "، وإطلاق وصفه على العصر الياباني الجديد ، منذ الأول من شهر مايو الماضي 2019، فقد تعددت تفسيرات المصطلح، حتى بين اليابانيين أنفسهم، وإن كانت جميعها تتلخص - حسب التفسير الرسمي لنائب سفير اليابان بالقاهرة سوزوكي كوتارو - في حرفي "كانجي" هما: "ري" ويعني "الشيء الجميل" و"وا" ويعني "التناغم".

بهذا المعنى الضمني للحرفين، أي "التناغم الجميل" فإن الثقافة اليابانية يتوقع أن تنمو وتترعرع، بينما تتجمع قلوب اليابانيين – معًا - في تناغم ووئام، بطريقة جميلة، وهو ما يرمز – أيضًا - إلى أمنيات طيبة بمستقبل مشرق ومزهر، سوف تتمتع فيه اليابان، بالمزيد من التألق والانسجام والوئام والسلام، في عصر رييوا.

 

حقيقة الأمر فإنها – جميعًا - معان وتطلعات وأمنيات، وأحلام نبيلة ومشروعة، يرنو لبلوغها اليابانيون، للبناء على ما حققوه – بالفعل - من صعود، ونهضة اقتصادية واجتماعية، وتألق وانسجام ووئام، وأيضًا، السلام في الأرض والسماء وفي داخل البلاد وفي خارجها، شهده عصر "هيسي"، طوال الـ 30 عامًا الفائتة.

اثنان من فرسان الدبلوماسية المصرية، الخبراء في الشأن الياباني والآًسيوي، تفضلا بإبداء الرأي والتعقيب على ما يمكن أن يشهده، ويحمله، عصر "رييوا" من تنبوءات، في ضوء ما مرت وتمر به بلاد الشمس المشرقة، من تطورات محلية وإقليمية ودولية، ومدى توافقها مع أمنيات اليابانيين في الوئام والسلام.

وجهة نظر سمعتها في طوكيو، من المستشار وليد الفقي، الدبلوماسي القدير في سفارة مصر باليابان، كرأي شخصي له، في عصر "رييوا"، على النحو التالي:

 1- تعديل الدستور لمواجهة المخاطر غير المسبوقة التي تتعرض لها اليابان منذ الحرب العالمية الثانية، وأهمها، ما تراه اليابان، ولا تفصح عنه، من بدء ظهور تصدع، في جدوى الاعتماد على الحليف الأمريكي، بعدما فتح - هذا الحليف - حوارًا مباشًرا (غير مسبوق) مع كوريا الشمالية، الأمر الذي أضفى شرعية على النظام، وترك اليابان في الجليد تفكر وتفكر.

 2- الاقتصاد الياباني.. ومدى ضمان الحفاظ على قوته التصديرية في الخارج، مع تناقص الأيدي العاملة، وتأثيرات دعاوى الوطنية والحمائية في العالم، وتأثير ذلك على اليابان في عصر الـ رييوا.

3-   انفتاح اليابان على العالم واستقدام العمالة المدربة من الخارج، ليس بالأمر السهل، بالرغم من صدور قانون، في أبريل 2019، يسمح باستقدام العمالة بشكل مقنن وشروط محددة، ويعود صعوبة الأمر إلى انغلاق المجتمع الياباني، وعدم قابلية انتشار وتعلم لغته....إلخ.

4-   تستثمر اليابان بقوة في مجال تكنولوجيا الذكاء الصناعي، لعدة أسباب، أهمها، سد فجوة العمالة المدربة في قطاعات الصناعة، التي يقوم عليها الاقتصاد الياباني؛ بل والتجربة الرائدة اليابانية، بالإضافة إلى إيجاد تطبيقات لمساعدة كبار السن، في ظل نقص عدد العاملين في مجال الرعاية الصحية.

وتحاول الحكومة اليابانية معالجة قضية "تناقص المواليد"، ولديها أساليب تسعى لتطبيقها، وإن كنت أرى صعوبة في النجاح في ذلك، إلا إذا تم تغيير ثقافة المجتمع الذكوري الياباني، وإلغاء القوانين والأعراف التي تفضل فصل المرأة الحامل من العمل، أو على أقل تقدير التعسف وعدم إعطائها إجازة وضع ورعاية طفل بشكل لائق، وهو ما يؤدي إلى عزوف عدد كبير من النساء على الإقدام على الحمل.

بعد عودتي من طوكيو، أجريت محادثة هاتفية طويلة مع سعادة السفير عمرو حلمي، وهو دبلوماسي وخبير وكاتب مصري مرموق، وقد لخص السفير حلمي مضمون المحادثة معه، كتابة، بقوله:

أتيحت لي فرصة العمل في اليابان؛ حيث توليت منصب نائب سفير مصر في طوكيو، منتصف التسعينيات، قبل أن أتولى منصب السفير لدى كوريا الجنوبية.

اليابان بلد جميلة وشعبها منظم ومنضبط، لها تجربتها الهائلة في التقدم الاقتصادي والتطور العلمي والتكنولوجي، يسود مجتمعها مجموعة من الطقوس الخاصة بهrituals ، التي يجب على الأجنبي الإلمام بها، حتى لا يقع في أخطاء دون أن يقصد في التعامل معهم، ولليابان ثقافتها الخاصة في اللغة والموسيقى والرسم والأدب، وفي فلسفة الحياة، وفي تقدير الطبيعة، وحتى في اختيار الألوان.

المرأة اليابانية - برغم عدم المساواة الهائلة التي تعانيها مع الرجل، في الأجور وفي حقها في الميراث - هي المسئولة الأساسية - في تقديري - عن نهضة اليابان.

التعامل مع اليابانيين يقتضي مهارات خاصة يجب أن تكتسبها، فهم دائمًا – كما يقال - "بين زهرة الأوركيد وسيف الساموراي"، فإذا أحسنت التصرف وأظهرت الاحترام لهم ولثقافتهم فسوف يظهرون لك زهرة الأوركيد، بكل جمالها، وستُفتح أمامك أبواب كنت تظن أنها موصدة، أما إذا أساءت التصرف فسيف الساموراي سيكون جاهزًا للاستخدام بأسرع مما تتصور.

اليابان يحكمها حزب واحد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، هو الحزب الليبرالي الديمقراطي، باستثناءات قليلة، ونظام التعليم الياباني رغم تميزه يشبه – في مرحلة التعليم ما قبل الجامعي - النظام العسكري الصارم، بما يجعله يتسم في العديد من الحالات بالقسوة المفرطة، ويعد ذلك من بين أسباب أن اليابان تعاني أعلى نسبة الانتحار بين الأطفال وصغار السن على مستوى العالم.

كما يعاب على التعليم الياباني أنه لا يؤهل الطلبة لتعلم اللغات الأجنبية، فنسبة المتحدثين باللغة الإنجليزية محدود للغاية.

يشعر اليابانيون بالتفوق والتميز، وعبارة "اليابان هي الأفضل" راسخة في ثقافتهم، حتى ولو لم يذكروها علانية، فهم – بالفعل - شعب متميز مقارنة بباقي الشعوب الآسيوية الأخرى، من الصينيين والكوريين والهنود، إذ يتميزون عنهم بالعمل الجاد والدقة المفرطة ومستويات الإتقان والجودة الهائلة.

وتتسم اللغة اليابانية بـعلم صوتيات،phonetics ، مقبولة بما يجعلها الأسهل في تعلمها مقارنة باللغات الآسيوية الأخرى، برغم أنها تتكون من ثلاثة نظم للكتابة، هي: هيراجانا – كاتاكانا.. وكانجي، وكلما زادت نسبة الـ كانجي فيما تكتبه، فإن ذلك يعكس المستوى الاجتماعي للكاتب.

في اليابان نظام طبقي غير معلن، يمكن بسهولة أن تدركه، والمجتمع الياباني مرهق،exhausted ، من كثرة ساعات العمل، ومن صعوبة نظم التعلم ومن ضغوط العمل، المرتبطة بمستويات الدقة والجودة المطلوبة لإنجازه.

في اليابان هناك فرق لديهم بين الخطأ، sense of guilt، وبين الفضيحة،sense of shame، فتأثير الخطأ،guilt ، أقل من الفضيحة،shame ، فالفضيحة تدفع إلى الانتحار بأكثر من الخطأ.

لإمبراطور اليابان مكانة لا يضاهيها أو يقترب منها أي إنسان آخر، ومقابلته تخضع لنظم صارمة، فالسفراء الأجانب - وأعضاء سفارتهم - يخضعون لتدريب مكثف لعدة أيام، حتى تتم مراسم تقديم أوراق الاعتماد للإمبراطور، وفقًا للنظام والتقاليد المتبعة.

يعاني المجتمع الياباني انخفاض معدلات المواليد وارتفاع نسبة كبار السن، الأمر الذي يحد من إمكان تجدد المجتمع، وتعد قضية الشيخوخة السكانية،aging population ، بكل ما تفرضه من تحديات من بين أخطر المشكلات.

يتيح العيش في اليابان والعمل بها فرصة الإلمام بتجربة وثقافة واحدة من أكثر المجتمعات إنسانيًا وثقافيًا وعلميًا واقتصاديًا في جزء بعيد عنا جغرافيًا..

اليابان ليست كوكبًا آخر، إذ إنها دولة أثمر تفاعلها مع الغرب والاستفادة من تطوره ونجاحها في تجاوز الآثار الأليمة للحرب العالمية الثانية، بكل مآسيها، إلى ظهورها كواحدة من أهم دول العالم.

Kgaballa@ahram.org.eg

مقالات اخري للكاتب

سفير بدرجة بطل قومي

سفير بدرجة بطل قومي

فيتنام تقود أكبر تكتل للتجارة الحرة

فيتنام تقود أكبر تكتل للتجارة الحرة

"زيزو" نجم اللغة الصينية في بكين

"زيزو" نجم اللغة الصينية في بكين

حسن علام في مزار شريف

كل فروض وواجبات التعازي والمواساة للأشقاء في أفغانستان، نتيجة للحادث الإرهابي الإجرامي، الذي أودى بأرواح 22 شخصًا وجرح نحو 27 آخرين، معظمهم من طلبة وطالبات جامعة كابول، في مجزرة بشعة، نفذها- بدم بارد- 3 من مسلحي حركة طالبان أو من أتباعها المنتمين لتنظيمات القاعدة وحقاني وداعش.

النموذج الأمثل لنصرة الفقراء

في مثل هذا التوقيت منذ سبع سنوات زرت بنجلادش بدعوة من أكبر الصحف اليومية وأكثرها انتشارًا، "بروثوم آلو"، وحظيت بمقابلة حصرية مع البروفيسور محمد يونس، الفائز بـجائزة نوبل للسلام عام 2006، صاحب لقب نصير الفقراء.

لعنة ترامب تلحق بقمة سول الثلاثية

زرت كوريا الجنوبية، وكذلك المنطقة منزوعة السلاح مع جارتها الشمالية، في قرية "بانمونجوم" ثلاث مرات، في أثناء إقامتي مراسلا للأهرام بالعاصمة اليابانية، طوكيو، وكذلك بعد انتهاء المهمة والعودة للقاهرة.

حقوق الإنسان في عهدة كوبا والصين

حقوق الإنسان في عهدة كوبا والصين

بولتون وكيسنجر والصين واليابان

منذ أيام قليلة، قرأت تصريحًا منسوبًا لمستشار الأمن الأمريكي السابق، جون بولتون، يتحدث فيه عن إمكان لجوء الرئيس دونالد ترامب إلى تغيير سياساته تجاه الصين، 180 درجة في حال أعيد انتخابه.

"سوجا" مرآة لعصر جديد في اليابان

في مقالي قبل الأخير، أشرت إلى التكريم المصري المستحق الذي ناله رئيس حكومة اليابان السابق، شينزو آبي، بإطلاق اسمه على المرحلة الثالثة الجديدة من مجمع الجامعة

الرئيس المؤسس للجامعة اليابانية .. شهادة للتاريخ

رضوخا لاحتياطيات الحجر الصحي، ونتيجة لجائحة كورونا، نقلت مقر إقامتي، طوعا، منذ أبريل الماضي، لبيت ساحلي على بعد كيلومترات محدودة، من مقر الجامعة المصرية- اليابانية للعلوم والتكنولوجية E-JUST بمدينة برج العرب.

هل يعود آبي لرئاسة حكومة اليابان؟

سنا فعلت مصر عندما وجه الرئيس عبدالفتاح السيسي بتكريم وإطلاق اسم رئيس حكومة اليابان السابق، شينزو آبي، على المرحلة الثالثة الجديدة من مجمع الجامعة المصرية- اليابانية للعلوم والتكنولوجيا ببرج العرب، وإطلاق اسم آبى - كذلك - على أحد المحاور المرورية الجديدة بشرق القاهرة.

أبعاد التصعيد الأمريكي ضد الصين

في محاولة للفهم، من وجهات نظر قد تبدو محايدة، أعرض لمقتطفات من رأيين متعارضين نشرهما في جزأين الموقع الإلكتروني الياباني "نيبون دوت كوم"، بعنوان: "مفترق

مادة إعلانية

[x]