عبدالعليم المهدي.. الصحفي الصوفي الزاهد

2-12-2019 | 17:23

 

ليس الأستاذ هو من علمك مهنة أو حرفة أو أضاف إليك معلومة فقط، فالأستاذية معنى كبير وواسع ويمتد أثره ومفعوله بامتداد حياتنا، فكل لحظة في حياتك تكتسب فيها مقدرة جديدة، أو تتعلم فيها جديدًا فأنت تلميذ تتعلم من الآخرين، والآخرون الذين لديهم القدرة على مد يد العون وإسداء النصيحة، وإضفاء المزيد من المعرفة هم أساتذة، وخلال رحلتي الصحفية في مؤسسة "الأهرام" عرفت بعضًا من هؤلاء.

في بداية رحلتي مع صاحبة الجلالة ، وفي كافيتريا الدور الرابع بالأهرام، تعرفت على مجموعة من الأساتذة الكبار الذين كانوا يومًا من فرسان الصحافة المصرية ، الأساتذة (حامد عبدالعزيز؛ والد الفنانة لبنى عبدالعزيز- محمود الكولي، سعيد فريد؛ والد الناقد الفني الراحل سمير فريد - حسن سلومة - وعبدالعليم المهدي)، كنت حريصًا على الجلوس معهم، والاستماع إلى حكاياتهم، فقد وجدت فيها الحكمة والدروس الصحفية التي لم أتعلمها خلال دراستي.

كانت حكايات الخبرة والمهنية التي اكتسبوها طوال رحلة عملهم، ووجدت أنا فيها زادًا وتجارب أضافت لي الكثير، رحمهم الله جميعًا كانوا نجومًا زاهرة أضاءت سماء الأهرام.

لم يكن الأستاذ "عبد العليم المهدي" رئيسًا لي في العمل، ولكنني انجذبت إليه انجذاب المريد إلى مرشده، فقد وجدت فيه المعلم والأب والقدوة، كنت أراه يوميًا بعد انتهاء جلسته مع الرفاق الكبار، يشق صالة التحرير بقامة مستقيمة، مرفوع الرأس متوجهًا إلى مكتبه بصالة التحرير؛ حيث يجلس منكبًا على مراجعة المواد التحريرية لصفحة المحافظات يقرأها مدققًا مصححًا مصوبًا، ويجلس غير بعيد منه الراحل كمال حامد، وإذا ما وجد مادة غير مكتملة طلب محررها تليفونيا ليستكمل ما نقصها، ثم بكل أدب واحترام يعطي حصيلة الصفحة التحريرية إلى المشرف على الصفحة "المرحوم محمود عبدالعزيز حسين" ليشرف على رسم الصفحة مع سكرتير التحرير.

كان "عبدالعليم المهدي" - كما فرسان الأهرام الكبار - أنيقا في كل شيء عمله وملبسه، وخلقه، أضف إلى ذلك زهده وتصوفه، وتواضعه، فبرغم خبرته الطويلة في دنيا الصحافة، وعلمه الغزير، لم يكن يستنكف أن يجلس معنا ويستمع إلينا، ويثني على ما نقوله، فلم يكن منغلقًا على ثقافة جيله، وإنما كان منفتحًا على الآخرين، كان أستاذًا في فن الاستفادة من الوقت، كان يقرأ كثيرًا، وأعد دراسة حول العسل من واقع قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ النحل: 68, ﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ النحل: 69، كان يقول لي: ليس غريبًا أن يجعل الله في القرآن الكريم سورة باسم النحل، وبرغم أن حديث القرآن الكريم عن النحل في هذه السورة لم يزد على آيتين في سياق السورة، فإنهما حملتا كثيرًا من الأسرار والمعاني؛ حيث صدر الله الآيتين اللتين تكلمتا عن النحل بقوله: "وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ.."ثم جاء الختام بقوله تعالى: "...إنَّ في ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ"؛ وهى دعوة صريحة للتفكر في حياة النحل الذي خلقه الله سبحانه وتعالى قبل خلق الإنسان بملايين السنين؛ وذلك لنقتدي به في نظام حياته وتنظيم أموره وسلوكياته.

كان حديثه مع الآخرين كالرحيق، فيه شفاء لما في الصدور، وقد تعلمت منه شيمة التواضع وحب الناس، وفعل الخير، والزهد، والقناعة والرضا بما قدره وقسمه الله تعالى لنا، علمني أن القناعة من النعم الجليلة التي يُنعم الله بها على أصحاب القلوب السليمة، والنفوس المطمئنة، وأن القناعة تعني أن يرضى العبد بما قسمه الله وأعطاه من النعم؛ من صحة وعافية، ومال ومسكن وزوجة، وأن يلهج لسانه دائمًا بالذكر والشكر للمُنعم.

عندما علم أنني سأناقش رسالة الماجستير في جامعة الزقازيق، هنأني، وقال لي: "تعلم كم أحبك، لأنك مثل ابني، وأنت إنسان مجتهد، وأنا أحبك في الله تعالى، وكنت أتمنى أن أحضر المناقشة، ولكنك تعلم أن السفر شاق علي، ولكني سأكون معك بروحي، وتناول قلمه، وكتب لي كلمات، وقال خذها واقرأها وأنت تدخل من باب المدرج، ستراني معك وفى ظهرك، وسيوفقك الله سبحانه وتعالى، وبالفعل وأنا أتهيأ لدخول مدرج المناقشة أخرجت الورقة وقرأت: " وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا" الإسراء: (80)، وبمجرد أن قرأت هذه الآية من سورة الإسراء، شعرت بيده تربت على كتفي وهدأت نفسي، وحصلت على درجة الماجستير بتقدير امتياز مع التوصية بالطبع والتداول مع الجامعات العربية والدولية.

Dr.ismail52@gmail.com

مقالات اخري للكاتب

صلاح منتصر .. حلواني الصحافة المصرية

من الصحفيين الكبار الذين تشرفت بالعمل معهم والتعلم منهم خلال رحلتي الصحفية بجريدة الأهرام، الكاتب الصحفي الكبير الأستاذ صلاح منتصر، الذي يظل أحد الأسماء

جلال الجويلي.. ملك الصحافة الخفيفة

خلال مسيرتي الصحفية الطويلة التي بدأتها عمليًا بجريدة الأهرام منذ يناير 1976، تعلمت من كثيرين، أضافوا إلىَّ الكثير، من هؤلاء الصحفي الراحل "جلال الجويلي" الذي يُعد بحق أحد تلامذة العبقري "كمال الملاخ"، وكان هو الوحيد الذي يستطيع تقليد خط الملاخ، خاصة عنوان مانشيت الصفحة الأخيرة "بدون عنوان".

صابر عيد.. جواهرجي الصحافة

قليلون هم من يضعهم الله في طريقنا، ويكون وجودهم نعيمًا وبشرة خير وطاقة نور وجرعة تفاؤل، ومن هؤلاء الأستاذ "صابر عيد"؛ هذا الرجل صاحب أسلوب أدبي لا يقل

"صبري سويلم".. الصحفي والإنسان الطيب الخلوق

الطيبون يرحلون في صمت وبلا ضجيج، يأخذون قلوبنا معهم في رحلة أبدية، يتركون لنا الذكريات الحلوة الجميلة، التي تبقى أملاً في الحياة، ونورًا يضيء لنا الطريق، ومهما شغلتنا الدنيا بالسعي من أجل الرزق ومشاق الحياة، يبقى في الذاكرة رائحة هؤلاء الطيبين، الذين عطروا الأجواء برحيق أحاديثهم وأفعالهم الطيبة.

"حسين فتح الله".. الصحفي الكبير الذي لم يأخذ حقه

في زحمة الحياة، وفي مصر بالذات تذوب رفقة العمر، وتضيع معالم أيام الشباب، تغيب تلك الذكريات الجميلة خلف غيوم وضباب مشكلات المعيشة اليومية، التي لا تسمح باستعادة لحظات الصداقة البريئة، وشقاوة أيام الدراسة والزمالة، إلا كشريط سينمائي عابر، حتى بين الزملاء والأصدقاء الذين جمعهم مكان واحد،

سامي دياب.. ودروس في مهنة القلم

في زمننا كان هناك أساتذة يحبون تلامذتهم، ويعاملونهم معاملة الأبناء، يتعهدونهم بالرعاية والتوجيه، ولا يبخلون عليهم أو يضنون بما تعلّـموه، لأنهم كانوا يرون

الأكثر قراءة

مادة إعلانية