"قصة المصريين مع الخبز".. من الفراعنة القدماء وحتى معهد ماساتشوستس | صور

27-11-2019 | 19:52

قصة المصريين مع الخبز

 

محمود الدسوقي

تظهر النقوش والرسومات الفرعونية أن المصريون القدامي أول من عرفوا طريقة التخمير ، المادة الأساسية ل صناعة الخبز ونضجه وجعله أجمل مذاقاً، حيث تُظهر النقوش في مقبرة "وب أم نفرت" بالجيزة، رجلا مكلف بتسخين الفرن، ينحني على وعاء، وفوقه نص هيروغليفي يقول "سخن الماء جيدا لأن العجينة اختمرت".


كان المصري القديم  يفضل تناول الطعام بيديه، رغم ابتكاره الملاعق، حيث تظهر الرسومات تناول الملك إخناتون للطعام مع أسرته بيديه، كما تظهر البرديات والنقوش الكثير من الحكم التي تدعو للاقتصار في تناول الأرغفة وعدم الجشع، ومحاربة شهوات البطن، حيث نصح خيتي بن داووف ابنه قائلاً "كن قنوعا بطعامك.. إذا كان يكفيك ثلاثة أرغفة وشرب قدحين من الجعة.. فإذا لم يكن بطنك قد اكتفي فحاربه".

وتجدد ذلك الاهتمام بعلاقة المصريين القدماء بالخبز، عدما تناول عدة تقارير صحفية أجنبية  مشروع العالم الأمريكي "شيموس بلاكلي" الذي استطاع صنع خميرة مستخرجة من الفخار المصري الذي يبلغ عمره 4500 سنة، تعود إلى أيام مصر الفرعونية القديمة، أثناء مشاركته في مشروع بحثي في معهد تكنولوجيا ماساتشوستس الأمريكى، مع عالمة المصريات سيرينا لوف، وعالم الأحياء المجهرية ريتشارد بومان، وذلك ليخبز رغيفًا أكثر وألذ طعمًا من العجين المخمر العادي، فى نتيجة لم يتوقعها ولا يصدقها أحد على حد وصفه.

وقال بلاكلي في تصريحات صحفية، أنه استخلص الخميرة الفرعونية من عينات من مسام الأواني القديمة، ثم استخدم تقنية التعقيم الدقيق قبل استيقاظ الكائنات الحية بالخميرة، من خلال فخار فرعونى قديم، ليصنع منها خبزاً جديداً.

وتوضح دراسة للعالم الراحل الدكتور عبد الحليم نور، أن الخبز في مصر الفرعونية كانت تتنوع أشكاله وألوانه وطرق صناعته، فقد كان الدقيق يخلط بالخميرة والملح والتوابل، وأحيانا أخري يخلط بالبيض والزبد، وأحيانا كانت له حواف توفر به مساحة وافية لحشوه بالخضروات والبقول، وأحيانا يوضع عليه السمن والعسل والتمر.

وأضاف نور الدين في دراسته "الطعام والشراب في مصر الفرعونية"، بأنه ظهر أقدم ذكر للحبوب في عصر الأسرة الأولي، حيث تظهر الكثير من اللوحات التي اكتشفها الأثري زكي سعد في منطقة حلوان، المصري القديم جالسا أمام مائدة القرابين التي تحمل أرغفة مخروطية، وتوجد أمامه قائمة بأسماء بعض القرابين، تضم فيما بينها أسماء مخبوزات وأرغفة، مؤكداً أنه منذ عصر الأسرة الأولي الفرعونية تحددت أنواع الخبز وأشكاله مابين صغير وكبير ومتوسط، وأنواع تشبه الفطائر، كذلك الأرغفة المثلثة التي تصنع من أفضل أنواع الدقيق، والتي تكون للقرابين، كما ظهرت الأرغفة البنية، واستخدمت في صناعة الجعة، ووجدت الزخارف علي أرغفة الخبز منذ أقدم العصور.

عبدالناصر شاكر القط صاحب رواية "العيش الشمسي" التي تناولت مظاهر القرية في الصعيد قديما، قال في تصريحات لــ"بوابة الأهرام"، إن الفرن البلدى المعد ل صناعة الخبز في الصعيد يصنع من الطين المخلوط بروث الحيوانات، ويتم عجن هذا المخلوط ويترك بضعة أيام حتى يتعفن، ومنه تتم صناعة الفرن، وهى عبارة عن دائرة قطرها يتجاوز المتر والنصف، ثم يصنع لها جدار من حوافها إلى أعلى، يضيق شيئًا فشيئًا مكونًا نصف كرة على باطن الفرن، وبه فتحه من قمته من أعلى، وأخرى من الأمام لإدخال العيش وإخراجه منها، وفتحتان صغيرتان من الجانبين، حتى يتم التحكم فى درجة حرارة الفرن.

وأضاف صاحب رواية العيش الشمسي أن العيش الشمسى يعرف في الصعيد بعيش الرُّغْفَان أو(البِتَّاو)، حيث يصنع الرغفان الأول من دقيق القمح بعد طحنه وغربلته بغربال السَّبِيب، ثم عجنه فى الماجور المصنوع من الفخار، وبعد إضافة الخميرة إليه يقطع وتوضع كل قطعة على دُورَة مصنوعة من الطين المخلوط، قبل أن تظهر ابتكارات من المقارص المصنوعة من الأوراق أو الألومنيوم، التي يتم فرشها بالنخالة التى تتبقى فى الغربال أثناء غربلة الدقيق، ثم ترص الدُّوَار بجوار بعضها فى صفوف مواجهة لأشعة الشمس حتى تتم عملية التخمير، ولذا سمى بالعيش الشمسى.

ينضج الخبز داخل الفرن وعن طريق اللوح ويتم شد الرغيف بالقرب من فتحتها وبحركة سريعة تخطفه بيدها وتضعه على سفرة أو حصير مصنوع من الحَلْف حتى يبرد ويتم تخزينه للاستعمال، أما البِتَّاو وهو خبز غالبية أهل الصعيد قديما، يقول عبد الناصر شاكر أنه لا يختلف كثيرًا فى طريقة خبزه عن العيش الشمسى، إلا أنه يصنع من دقيق القِيضى (الذُرة الرفيعة ) بعد طحنها وغربلتها وعجنها بالماجور، والبتاو لاتقطع أرغفة مثل العيش الشمسى– و تترك بالماجور حتى تتخمر وتكون الفرن جاهزة بعد إشعال النار بها والتأكد من مناسبة درجة حرارتها للخبيز .

وعن طريق آلة خشبية تسمى المغرفة تشبه المعلقة الكبيرة ومصنوعة من الخشب، تضع ربة البيت قطعه من العجين تقطعها بيدها اليمنى وتضعها فى تجويف المغرفة ثم تدسها داخل بطن الفرن وتقلب المغرفة فتنزلق قطعة العجين فى باطن الفرن وهكذا، حتى يتم نضج الخبز وإخراجه واستخدامه فى الأكل ساخنًا أو باردًا.

وأكد العالم الأمريكي بلاكلي الذي استخرج الخميرة الفرعونية القديمة في تصريحات صحفية، أنه بعد استيقاظ كائنات الخميرة الفرعونية، أضاف الماء وزيت الزيتون للدقيق ليصبح العجين جاهزا، حيث انتفخ رغيف العجين بشكل جميل.، مؤكدا أن المشروع كان الدافع الرئيسي له هو حبه لعلم المصريات والخبز المصرى القديم.

وأدرك بلاكي كما أكد في تصريحاته الصحفية أنه يمكنه إعادة صنع الخبز الذي أحبه المصريون كثيرا ،وأنه خبز الرغيف في فرن مثل العجين المخمر العادي.،وقام بلاكى بخبز الرغيف بالخميرة الفرعونية بدافع المرح والتجربة ويعمل حاليا على تطوير الأدوات التي استخدمها المصريون فى الخبيز.

الأثري محمد محي قال في تصريحات لــ"بوابة الأهرام " إن ماقام به الباحث الأمريكي يحتاج لإثباتات، تؤكد صلاحية عودة خميرة فرعونية لها 4500 سنة واستخدامها، ،مؤكدا أن كافة الدراسات الأثرية تؤكد أن العجينة الفرعونية كانت تصب في قوالب، يتم تسخينها مسبقا، حيث كان يتم تشكيل الأرغفة من خلال لوح، وهو الأمر المعمول به حتي الوقت الحاضر في النجوع والقري المصرية.

وأضاف "محيي" أن عملية التخمير اكتشفها المصري القديم كما يؤكد العلماء من خلال ترك العجين لليوم التالي، فيجده مختمرا من خلال ثاني أكسيد الكربون، وهو ماينتج خبزا مساميا أسفنجيا جميل المذاق، مؤكدا أن أدب تناول الطعام له مظاهر كثيرة لدي الفراعنة، فالمصري القديم كان ينصح ابنه بأنه إذا وجدت قطعة من الخبز علي الأرض فيجب رفعها وتقبيلها، وضعها جانبا علي الطريق، لأن الفراعنة كانوا يعتقدون أن "أوزير" هو الذي أوجد الخبز، حيث تربط النصوص بين الحبوب التي يصنع منها الخبز من الشعير والقمح، وبين أوزير الذي تنبت من جسده الغلال حسب اعتقاداتهم.


قصة المصريين مع الخبز


قصة المصريين مع الخبز


قصة المصريين مع الخبز


قصة المصريين مع الخبز


قصة المصريين مع الخبز

اقرأ ايضا:

[x]