السجون المصرية والسجون الأمريكية

28-11-2019 | 16:03

 

لا يمكن لأي عاقل وراشد الدفاع عن السجون؛ حتى لو كانت مقامة على ضفاف البحيرات السويسرية ويديرها ملائكة؛ فالسجن هو المقابل القبيح للحرية.

ولكن المنظمات الحقوقية الإقليمية والعالمية - التي حصرت نشاطها في أحوال السجون المصرية - مصابة بالعمى والحول السياسي؛ وهي تغض الطرف عن السجون الأمريكية والصينية والروسية والإسرائيلية، وهي تجسد المعنى الحرفي للذل والعبودية وتحطيم كرامة الإنسان؛ بل والاتجار بالمساجين تحت سمع وبصر البرلمانات والإعلام والبورصات، كما سنرى في الحالة الأمريكية.

ووفقا للمبادرة الرئاسية، "سجون بلا غارمين"، تم الإفراج عن 20 ألف غارمة.. كما تم الإفراج عن 20 ألفًا آخرين بعفو رئاسي، فضلاً عن الإفراج عن 15 ألف نزيل بإفراج شرطي.

وعلى قدر إمكانات بلد كمصر تسعى الدولة لتوفير الحد الأدنى للحياة داخل السجون؛ حتى لا يكون السجين أفضل حالا من كثير من المواطنين الأحرار، فتنتفي فلسفة العقوبة، وحتى التجاوزات فمعظمها فردية وليست ممنهجة، كما يزعم المؤلفة قلوبهم وطنيًا، وبعد التوسع في الجرائم - نتيجة ازدياد عدد السكان - ازدادت أعداد المساجين؛ لذا اتجهت وزارة الداخلية للاستفادة من المساجين في مشروعات إنتاجية، تعود ببعض دخلها على المساجين أنفسهم، وتوسعت الداخلية في مشروعات ومنتجات المساجين والتي تحظى بالإقبال عليها من الخارج؛ نظرًا لجودتها من حيث الصناعة والخامات المستخدمة، كما سجلت أعلى نسبة مبيعات في عدة معارض خاصة، بالإضافة إلى مشروعات الإنتاج الحيواني والداجني، وإنتاج الحلاوة الطحينية في سجن المرج، وهو على درجة عالية من التقنيات الفنية والآلات الحديثة، ومصنع البلاستيك بسجن أبوزعبل.

فضلا عن أكبر ورش للنجارة بسجن القناطر للرجال، ومزارع سمكية، مع تواجد سجن أبوزعبل الذي يعد أكبر قلعة لصناعة الجلود.

فضلا عن مشروعات السجاد ومزارع العجول والدواجن والطيور والنعام بسجون طرة والمرج ووادي النطرون، بالإضافة إلى مصنع المياه المعدنية بوادي النطرون، بالإضافة إلى صناعات صغيرة مثل إنتاج لمفروشات المنزل و"الهاند ميد" والملابس الحريمي.

وأصبحت مشروعات السجون تنافس بقوة في الأسواق المصرية، فضلا عن قيام أصحاب الحرف اليدوية من النزلاء بتعليم المساجين الآخرين تلك الحرف؛ حتى أصبحوا فعالين، ومنهم من قضى العقوبة وخرج من السجن ليزاول نشاطه من الحرفة التي أمتهنها بالداخل.

بينما السجون الأمريكية تعاني كل صور الاستعباد، وعلى مقربة من كبريات منظمات حقوق الإنسان العالمية الشهيرة.

وهناك دراسات تسلط الضوء على ازدهار صناعة السجون الأمريكية التي يصفها البعض بـ "تجارة البؤس"؛ خاصة أن "سجون الولايات المتحدة" تؤوي ربع سجناء العالم أجمع؛ إذ تضم أكثر من مليوني سجين - معظمهم من أصول إفريقية ولاتينية - وجميع هؤلاء السجناء - سواء المحتجزون في سجون اتحادية أو خاصة - يعملون في مختلف الصناعات لصالح نخبة من الأثرياء الذين استثمروا في صناعة السجون الأمريكية، ومن يرفض العمل منهم يحجز على الفور في زنازين انفرادية عقابًا لهم.

وتشير الدراسات إلى أن أعداد السجناء في الولايات المتحدة نمت من 300 ألف سجين عام 1972 إلى مليونين بحلول عام 2000، في حين أن هناك 100 سجن خاص تقوم على إدارته شركات أمنية خاصة، تحت إشراف السلطات الأمريكية.

وتنتج السجون الفيدرالية الخوذات العسكرية وأحزمة الذخيرة والسترات الواقية من الرصاص وبطاقات الهوية ولوازم الحرب وغيرها، فيما يوفر السجناء العاملون 98% من إنتاج الأسواق المحلية من معدات التجميع و93% من الدهانات و36% من الأجهزة المنزلية.

وهكذا تحولت السجون الأمريكية إلى مصانع تزيد أرباح المستثمرين في هذه الصناعات؛ حيث هناك أكثر من سبعة ملايين شخص يعيشون تحت الرقابة الإصلاحية، وتعتبر الشركات الخاصة التي تتولى إدارة أعداد متزايدة من السجون الأمريكية المستفيد الأكبر من هذا الرقم الذي تسعى لرفعه؛ حيث يقضي نحو 13 مليون شخص في المتوسط جانبًا من حياتهم سنويًا في نظام الاحتجاز الأمريكي الذي يشمل سجون الولايات، وسجون الأحداث، والسجون العسكرية والمحلية، ومراكز الاعتقال الأمريكية في الخارج، ومراكز الاحتجاز التي تديرها سلطات الهجرة والجمارك.

وهناك مجموعة كبيرة من الجهات والشركات الخاصة التي لديها مصالح مالية كبرى في الإبقاء على السجون الأمريكية مليئة كاملة بقدر الإمكان، ولاسيما أن السجناء الذين يعملون دون حماية أو رعاية صحية ينتجون أجهزة ومكونات معقدة؛ خاصة بالطائرات المقاتلة والمروحيات، فضلا عن تصنيعهم أجهزة الاتصالات وأنظمة الإضاءة وكاسحات الألغام الأرضية.. وغيرها من المنتجات التي تكلف عادة مليارات الدولارات.

مقالات اخري للكاتب

اطلبوا النهضة ولو من بوروندي

​في السادس من أبريل من عام 1994، أصاب صاروخان الطائرة الرئاسية الرواندية أثناء اقترابها من مطار كيجالي الرواندي؛ مما أدى إلى سقوطها على الأرض، ومقتل جميع

مدرسة ماسبيرو الوطنية

مبنى ماسبيرو الشهير الكائن على ضفاف كورنيش النيل، وهو مقر التليفزيون المصري من أقدم التليفزيونات الحكومية في الشرق الأوسط وإفريقيا وماسبيرو، وسمي على اسم

تجديد الخطاب الثقافي

​جاء رجل للإمام الغزالي وقال: ما حكم تارك الصلاة؟ قال: حكمه أن نأخذه معنا إلى المسجد، والحسن والحسين - رضي الله عنهما - لما رأيا رجلًا كبيرًا يتوضأ خطأ قالا له: "نريدك أن تحكم بيننا مَن فينا الذي لا يُحسن الوضوء، ولما توضآ أمامه ضحك وقال: أنا الذي لا أحسن الوضوء.

في الذكرى التاسعة للخراب العربي

بالرغم من أن كارثة ما سمي بالربيع العربي لا تزال ساخنة وآثارها باقية وممتدة ربما لعقود، لا يزال هناك نفر من الفوضويين وبعض الدول تتغنى بالفوضى الشاملة التي عمت المنطقة تحت شعارات الثورة والتغيير

البورصة تحارب الاستثمار بملاليم الضرائب

لا يمكن أن تكون البورصة في هذا البلد معبرة عن التطور والتنمية والمشروعات العملاقة؛ حتى إن قيمة الجنيه المصري واصلت الارتفاع أمام الدولار، في نفس الوقت الذي كانت مؤشرات البورصة سلبية.

الوعي الغائب في تسويق الكمين للحرب

يحتار المرء في الوصف الأنسب للمرحلة الحالية، هل هو؛ الفوضى الخلاقة؟، أو الشرق الأوسط الجديد؟، أو الحرب بالوكالة؟، أو حرب سنية – شيعية؟، أم هو ترتيب موازين القوى بشكل جديد تعتبر الفوضى إحدى وسائله؟، أو كل ما سبق؟!

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]