مؤشرات قوية لاعتلاء امرأة عرش اليابان

24-11-2019 | 19:21

 

مهما كتبت من أوصاف خيالية، وعبرت عن مشاعر فياضة، لن أوفي اليابان حقها المشروع، في التفرد الجغرافي، والتميز الإنساني، والرقي الحضاري، الذي يتخطى - في معانيه - أقصى درجات الإبهار، المعروفة، في عالمنا المعاصر.

هذه شهادة نابعة من القلب، أكتبها، بعد انتهاء زيارة خاطفة لليابان، أوائل شهر نوفمبر الحالي، حظيت – خلالها - بالتمتع بدفء مشاعر شعب اليابان الصديق، وبسحر الطبيعة، وثرائها وكرمها.

أكتب هذه الخواطر بعد القيام برحلة سفر، خيالية، من العاصمة، طوكيو، إلى سفح جبل فوجي الشهير، مخترقًا الجبال والغابات والشلالات والسهول والوديان، وعابرًا للأنهار والبحيرات والجزر والأنفاق، في مشهد خرافي وبانورامي بديع.

بهذه المقدمة الواجبة، أستكمل الكتابة عما ما بدأته الأسبوع الماضي، تحت عنوان: "إطلالة على عصر جديد في اليابان"، وفي المقال، طرحت سؤالًا محوريًا، يشغل بال الجميع، بشأن المستقبل، الذي ينتظر بلاد الشمس المشرقة في عصر "رييوا"، المؤرخ حديثًا بتنصيب وتتويج الإمبراطور "ناروهيتو".

بداية، وجب الإقرار بأن الإبهار، والسحر الذي قد يصل إلى حد الإدمان، لمن ذاقه كعابر سبيل، مثلي، يخفي في طياته، درجات متفاوتة من الهموم القاتمة والقلق بين اليابانيين، أنفسهم، تنصب كلها حول مشكلات حياتية، مرتبطة بالحاضر وبالمستقبل، ليس – فقط - في التعامل - شبه اليومي - مع غدر الطبيعة المفاجئ؛ حيث زلازل وبراكين وفيضانات، لا مثيل لها، على كوكب الأرض، بل – أيضًا - في مواجهة تحديات سياسية واقتصادية واجتماعية، وكذلك وجودية، غير مسبوقة.

أولى الهموم، التي لمستها خلال زيارتي الأخيرة، هو كيف يمكن الحفاظ على خلافة إمبراطورية مستقرة، بعد الانتقال الدستوري الأخير للعرش في اليابان؟
طبيعي أن يفرض هذا السؤال نفسه، تزامنًا مع تغيير التقويم الرسمي للدولة، في أول مايو الماضي، من "هيسي" إلى "رييوا"، وفقًا للمادة الأولى بقانون العائلة الإمبراطورية، ونصها: "يرث العرش الذكور، الذين يعود نسبهم للإمبراطور".

في الوقت نفسه، أفاق اليابانيون، فور انصرافهم من مشاهدة الموكب المهيب لجلالة الإمبراطور وقرينته، مساء يوم العاشر من نوفمبر الحالي وهم يقولون في سرهم ، طبعا، "راحت السكرة وجاءت الفكرة"؛ حيث أفاقوا، على السؤال الأزلي التالي: من يا ترى سوف يرث العرش في المستقبل القريب، أو البعيد؟

الأسرة الإمبراطورية اليابانية تواجه وضعًا حرجًا للغاية في إنجاب الذكور، الذين يعود نسبهم للإمبراطور، للحفاظ على خلافة إمبراطورية مستقرة، وآخر مولود ذكر في العائلة هو الأمير "هيساهيتو"، الذي ولد في عام 2006، وهو نجل ولي العهد الحالي، الأمير "أكيشينو"، وترتيب الابن " هيساهيتو" هو الثالث في وراثة العرش، وقد ظلت الأسرة في انتظار ولادته لمدة 40 عامًا، فماذا يكون عليه الأمر إذا حدث للأمير الصغير، أو لأبيه، ولي العهد، أي مكروه، لا قدر الله!!

هذا الوضع الحرج للغاية، تسبب في إحداث ضغوط نفسية رهيبة، ولعدة عقود، على الأسرة الإمبراطورية، وتسبب - كما يشاع - في مرض الإمبراطورة، الحالية، ماساكو، وخضوعها لعلاج، طويل الأجل، عندما كانت في وضع الزوجة لولي العهد؛ لأنها لم تنجب سوى أنثى وحيدة، في عام 2001، هي الأميرة "أيكو".

بل إن الإمبراطور المتنحي، أكيهيتو، وقرينته، ميتشيكو، لم يخفيا الإرهاق والقلق، وذهب أكيهيتو، إلى أبعد مدى، بإبداء الرغبة في تغيير الوضع القائم، والذهاب إلى حد إعلان التنحي عن العرش، في سابقة نادرة الحدوث، منذ عصر الميجي، فيما شهد التاريخ تنازل 59 من 126 إمبراطورا في السابق، ولكن أكيهيتو أراد أن يضع الجميع أمام مسئولياته، وكانت أسبابه (الظاهرة) هي:
 

 • أصبح من الصعب القيام بأداء المهام كرمز لليابان بكامل القوى الجسدية والروحية، كما كان في السابق، بالنظر إلى التدهور في الحالة الصحية بشكل متزايد.

•  الخوف من يؤدي منصب الإمبراطور الذي يتولى العرش مدى الحياة إلى الركود الاجتماعي والتأثير على حياة المواطنين، في حالة تدهور حالته الصحية بشكل خطير.

•  تعرض العائلة الإمبراطورية لظروف صعبة لقيامها بالمراسم المتعلقة بتنصيب الإمبراطور الجديد على العرش ومراسم وداع الإمبراطور الراحل عند رحيله في الوقت ذاته.

في عام 2004، وفي عهد رئيس الحكومة الأسبق، كويزومي، وعندما كنت مراسلا مقيمًا للأهرام في طوكيو، أذكر أنه تم تشكيل مجلس استشاري لمناقشة تغييرات قانونية محتملة، تتعلق بالخلافة الإمبراطورية، بناء على طلب من الإمبراطور أكيهيتو، حتى يمكن أن تتولى عرش اليابان إحدى الأميرات.

بدا الموقف، وقتها، وكأنه يستهدف إتاحة الفرصة لابنة ولى العهد، "أيكو"، في وراثة العرش، وقد عارض المحافظون في اليابان – بشدة - هذا التوجه، فيما حدث انقسام في الرأي العام، بين مؤيد ومعارض، بشأن اعتلاء امرأة للعرش، ووصل الاختلاف، والإرهاق النفسي والبدني، إلى عقر دار الأسرة الإمبراطورية، نفسها.
طويت صفحة الموقف المتأزم، مؤقتا، بولادة الأمير"هيساهيتو" في عام 2006.

في شهر نوفمبر الحالي، وفور انتهاء مراسم الموكب الإمبراطوري، فتحت حكومة "شينزو آبي" النقاش، مرة أخرى، بشأن السماح للمرأة باعتلاء العرش، ومن غير المرجح حسم النقاش في يوم وليلة، ويتركز الجدل حول نقطتين:

تأسيس عائلات للأميرات، بما يسمح للأميرات القيام بمهام رسمية، والبقاء في العائلة الإمبراطورية حتى بعد الزواج من عامة الشعب.

الموافقة على توريث العرش للأميرات من العائلة الإمبراطورية (ولما لا فقد تولت 8 إمبراطورات عرش اليابان في السابق) وللأطفال الذين يولدون من أم من العائلة الإمبراطورية، وأب ليس من العائلة نفسها.

ما تعانيه العائلة الإمبراطورية من ندرة في الإنجاب، هو صورة مصغرة لما يعكر صفو اليابان، بشكل عام، على الصعيد الاجتماعي والسكاني، بسبب تراجع المواليد وعزوف الشباب عن الزواج، وتفشى الشيخوخة.

آخر الإحصائيات الرسمية تشير إلى أن اليابان لديها – الآن - 70 ألف نسمة تزيد أعمارهم عن 100 سنة، 88.1% منهم من النساء، أكبرهن سيدة، دخلت موسوعة جينيس، بعمر 116 سنة في شهر مارس الماضي، ورجل بلغ عمره 112 سنة، فيما كان العدد لا يتجاوز 153 معمرًا – فقط فوق المائة - عام 1963، و10 آلاف في 1998، و20 ألفًا في 2012.

kgaballa@ahram.org.eg

مقالات اخري للكاتب

إذا عطست الصين أصيب الاقتصاد العالمي بالزكام

أستعير عنوان المقال، نصًا، من الزميل القدير، رئيس تحرير الشروق، الأستاذ عماد الدين حسين، وقد كتبه بتاريخ 24 أغسطس 2015، والمفارقة، أنني لم أجد أفضل منه، للتعبير عن الحاضر، والإطلالة على التأثير الاقتصادي بجميع جوانبه، محليًا في الصين وعالميًا، لانتشار فيروس" كوفيد- 19"، المعرف بـ كورونا.

مبادرة تضامنية مؤثرة تجاه الصين

حسنًا فعلت الحكومة المصرية، بالإعلان عن إرسال 10 أطنان من المستلزمات الوقائية، هدية رمزية للشعب الصينى، على متن الطائرة، التى أقلت المواطنين المصريين العائدين من مدينة ووهان، لحمايتهم من الإصابة بفيروس كورونا.

"هو تشي منه" و"خوسيه مارتي"

كلاهما أحب مصر.. فبادلهما شعبنا حبًا بحب، وبمرور الأيام، وانجلاء الحقائق، أصبح حضورهما ملء السمع والبصر، مشفوعًا بالتوقير، في قاهرة المعز.

سنة قمرية سعيدة لأصدقائنا الآسيويين

من بين بطاقات كثيرة، لبيت دعوة السفير الفيتنامي بالقاهرة، تران ثانه كونج، للاحتفال معه بحلول رأس السنة القمرية، الذي أقيم في منزله بالزمالك، مساء يوم الجمعة الماضي، وسط ما يمكن وصفه بـحشد من أسرة الجالية الفيتنامية بمصر.

من "أبوجا".. إلى العاصمة الإدارية

من "أبوجا".. إلى العاصمة الإدارية

رييوا.. 2050

اليوم، أختتم سلسلة من مقالات، بدأتها في نوفمبر الماضي، بـ إطلالة على عصر الـ"رييوا"، الجديد، في اليابان، عقب عودة من زيارة لطوكيو، تزامنت مع أجواء ومراسم احتفالية عامة أقيمت هناك لتتويج الإمبراطور ناروهيتو، وقرينته الإمبراطورة ماسكو، واستعراض موكبهما، في ضواحي العاصمة.

مادة إعلانية

[x]