جلال الجويلي.. ملك الصحافة الخفيفة

25-11-2019 | 14:50

 

خلال مسيرتي الصحفية الطويلة التي بدأتها عمليًا بجريدة الأهرام منذ يناير 1976، تعلمت من كثيرين، أضافوا إلىَّ الكثير، من هؤلاء الصحفي الراحل "جلال الجويلي" الذي يُعد بحق أحد تلامذة العبقري "كمال الملاخ"، وكان هو الوحيد الذي يستطيع تقليد خط الملاخ، خاصة عنوان مانشيت الصفحة الأخيرة "بدون عنوان".

كان جلال الجويلي - رحمه الله - يجلس في حجرة واحدة مع الأساتذة: محمد صالح، وآمال بكير، وفتحي أبوالفضل، وليلى القباني، تعرفت على أستاذي الجويلي من خلال صالة التوضيب بالدور الثالث؛ حيث كنت أراه يوميًا وهو يشرف على توضيب "بريد الأهرام" مع عم محمد سلام، بالإضافة إلى عمله في الصفحة الأخيرة، لم يكن يتحدث كثيرًا، منهمكًا دائمًا في عمله، مجاملًا مبتسمًا للجميع، كان كالنحلة، تراه يحمل "جاليه" الرصاص، ويذهب إلى قسم "الزنكوغراف" ثم يأخذ بروفة البريد أو الصفحة الأخيرة "المبلولة" ويصلح ما يراه من أخطاء، وهو قبل ذلك يجلس وسط فريق الأخيرة يحرر الأخبار، وهكذا طوال ست سنوات اقتربت فيها منه.

كان يحبه الجميع زملاء ومنفذين للصفحات، وفجأة غاب "الجويلي" سافر إلى الإمارات العربية المتحدة.

كنت في هذه الفترة أعمل في الإخراج الصحفي، وذات ليلة وأنا سهران جاءتني مكالمة منه، اعتقدت أنه اتصل بي ليوصيني على نعي، أو مشاطرة في الوفيات، فوجدته يقول لي: "أنا أكلمك من أبوظبي، تحب تسافر وتعمل معنا في " زهرة الخليج "، وكنت أيامها قد عقدت قراني، فقلت له "ياريت"، فأردف قائلًا ستشتغل محررًا، وكان يعلم أنني أجيد التحرير والإخراج معًا.

وصلت إلى "الإمارات" في 6 يناير 1983، فوجدته في انتظاري، حيث كان هو مدير تحرير المجلة، ومدير للديسك، ويساعده الأستاذان "عصام خلف" - رحمه الله - وأحمد طه النقر، وكانا يعملان بالقسم الخارجي، وكانت رئيسة التحرير السيدة "عبلة النويس"، وكان الدرس الأول الذي تعلمته من "الجويلي" هو العمل منذ اليوم الأول لوصولي الجريدة، وأن أفكر في موضوعات المجلة - وهي نسائية - بعقل "أنثى" وإدراك رجل، وأن تكون الكتابة إنسانية، والمقدمات الخفيفة المختصرة، والعناوين الموحية الدالة في أقل الكلمات، وأذكر أن التحقيق الأول الذي نُشر لي في أول أسبوع لي كان بعنوان "من أجل عينيك جاءوا من آخر الدنيا" كان "الجويلي" دقيق الملاحظة يقرأ الموضوع الصحفي كاملًا، ثم يختار أهم زواياه ويركز عليها ويبرزها في العنوان والمقدمة.

كنت أجلس إلى جواره في مكتبه أشاهده وهو يراجع ويعيد كتابة الموضوعات، وكان يقول لي: "أنا دائمًا أبدأ بموضوعاتك؛ لأنها لا تحتاج سوى رتوش قليلة، وهي مريحة وتشجع على العمل، وتفتح النفس".

وكان - برغم أستاذيته - بعد أن يختار العناوين يأخذ رأيي فيها، لم يكن فقط هو سبب التحاقي بالمجلة، ولكن أيضًا مشجعًا لي على الاستمرار في التألق حتى استحوذت على ثقة الأستاذة رئيسة التحرير، وأسندت لي تحرير أكثر من باب من أبواب المجلة، وكان يُنشر لي في العدد الواحد حوالي أربعة تحقيقات ميدانية وخفيفة، وفى كافة صفحات وتخصصات المجلة.

كان اجتماع مجلس التحرير يُعقد السبت من كل أسبوع، وعندما كانت رئيسة التحرير تقترح تحقيقًا أو حوارًا تجدني قد أنجزته وأسلمه لها في الحال؛ لأنني عملت بنصيحة "الجويلي" وكنت متابعًا جيدًا لما يدور في المجتمع الإماراتي، ولكافة الفعاليات الثقافية والفنية والمتعلقة بالمرأة، ولم تمض على وجودي ثلاث سنوات حتى أصبحت أساعد "الجويلي" في الديسك، وسرت مقربًا من الأستاذة عبلة النويس.

وبترشيح " الجويلي" وثقة رئيسة التحرير أصبحت مرشحًا للسفر إلى عدة دول خليجية، لدرجة أنني كنت أعود من مهمة لأسافر إلى دولة أخرى؛ خاصة أنني كنت غزير الإنتاج المميز، وكنت أدخل إلى أماكن لم يدخلها غيري من الصحفيين في الخليج، مثلما حدث معي في سلطنة عُمان، حيث استطعت أن أصور العديد من الأغلفة لبنات عُمان، وكنت الصحفي الأول الذي تمكن من دخول "سوق الهودج" النسائي بالرياض، والتي كانت مُحرمة دخولها على الرجال، وقبلي لم تدخلها حتى ولو صحفية سعودية، وأذكر أن الأستاذ عبد الله النويس وكيل وزارة الإعلام والمدير العام لمؤسسة الاتحاد وقتها قال لهم - في اجتماع مجلس التحرير - إن هناك محررًا في " زهرة الخليج " اسمه إسماعيل إبراهيم استطاع أن يزيد نسبة توزيع المجلة في المملكة العربية السعودية بتحقيقاته هناك، وكان يقول لرئيسة التحرير: "لديك جيش صحفي في مجلتك اسمه إسماعيل إبراهيم".

ونظرًا لهذه الثقة ما إن غادر "جلال الجويلي" " زهرة الخليج " عائدًا إلى القاهرة، حتى اختاروني لأحل محله كمدير للتحرير والديسك، وأحدثت نقلة نوعية بتعاوني مع المرحوم "محمد بهيج قرق" سكرتير التحرير؛ حيث كانت المجلة تطبع يوم السبت، ثم توزع بعد ذلك في الدول العربية، فجعلناها تطبع الثلاثاء وتوزع في يوم صدورها بالإمارات، واستحدثنا العديد من الأبواب والزوايا، وكان الزميلان عصام خلف وأحمد النقر قد غادرا قبل الجويلي، فأصبحت أراجع وحدي "المجلة" بكل موضوعاتها وأبوابها، مع حرصي على أن أجري الحوارات، وأنفذ العديد من التحقيقات مع الزملاء.. والفضل يعود في ذلك إلى "جلال الجويلي" ملك الصحافة الخفيفة ".

Dr.ismail52@gmail.com

مقالات اخري للكاتب

يوتوبيا "خليل الحداد"

غاية الإبداع، سواء أكان عملًا أدبيًا أو فنيًا هو خلق المجتمع الصالح، الذي أساسه المواطن والإنسان النافع والمفيد للناس والوطن، تحقيقًا لغاية الخالق سبحانه

فلما بلغ "أنور عبداللطيف" الستين .. فاض نهر إبداعه

تتقدم الصحافة وتزدهر، وتستمر بالمهنية، وتراكم الخبرات، شأنها شأن كل المهن، فلا تكون هناك صحافة بدون التواصل بين الأجيال، ولا يوجد تلميذ بلا أستاذ، الخبرة

أحمد نصر الدين..عاشق الأهرام والنيل

عندما نتحدث عن الحب نذكر نوعين: الرومانسي، والإلهي أو الصوفي، ولكل نوع أعلامه ومشاهيره، ويمكنني أن أقول إن هناك نوعًا ثالثًا من الحب، وهو "الأهرامي" فهناك

"محمد طعيمة".. الصحفي كما ينبغي أن يكون

حظيت "الأهرام" على مدار تاريخها بالأساتذة الكبار في مهنة الصحافة، عرفوا طوال فترة عملهم في الجريدة بالمهنية والموضوعية؛ ليصبحوا علامات تاريخية، حتى وإن

أسامة "الأبيض" .. شريك مجد "علاء الدين"!!

تظل "الأهرام" مدرسة صحفية كبيرة وعريقة، قدمت إلى الساحة الإعلامية خبرات وأسماء كبيرة، حتى ولو لم تتول منصب رئيس التحرير، أم رئيس مجلس الإدارة، تربت هذه الخبرات وتشربت قواعد المهنة جيلًا وراء جيل.

محيي الدين فتحي .. الصحفي الكبير

محيي الدين فتحي .. الصحفي الكبير

مادة إعلانية

[x]