صابر عيد.. جواهرجي الصحافة

18-11-2019 | 19:16

 

قليلون هم من يضعهم الله في طريقنا، ويكون وجودهم نعيمًا وبشرة خير وطاقة نور وجرعة تفاؤل، ومن هؤلاء الأستاذ "صابر عيد"؛ هذا الرجل صاحب أسلوب أدبي لا يقل جمالا وبساطة وتأثيرًا وتعبيرًا عن كبار كتاب جيله، قرأت إحدى قصصه القصيرة فوجدتني أجهش بالبكاء، تأثرًا بحروفه وكلماته التي تنساب إلى القلب، فتبعث كل ما فيك من مشاعر، وتحرك كل الساكن بداخلك وكأنك تعيش أحداث قصته..

"صابر عيد" كان هو جسر عبوري إلى "الأهرام" وهو من صاغ شهادة ميلادي الصحفية.

ونحن في قسم الصحافة بكلية الآداب جامعة القاهرة، اخترت جريدة الجمهورية لأتدرب فيها مع الأستاذ المرحوم "محمد أحمد عيسى" رئيس قسم سكرتارية التحرير الفنية، ولِما وجدني رغبتي الشديدة في التعلم، أحبني وقربني منه، ولم تنته فترة التدريب حتى قدمني إلى الصحفي الكبير – رحمه الله - "محسن محمد" رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير، الذي قال لي يومها: شهادة الأستاذ عيسى في حقك، تجعلني أعدك بالتعيين بعد أداء خدمتك العسكرية.

وحال إنهاء خدمتي العسكرية أواخر 1975، ذهبت إلى " الجمهورية" والتقيت "الأستاذ "محسن محمد" وطلب مني إحضار أوراقي للتعيين، فسافرت إلى المنصورة لتجهيز الأوراق، وطلب مني والدي - رحمه الله - أن أزور ابنة عمي، زوجة صابر عيد، وأبيت عندها في القاهرة، بكل حفاوة وترحاب وكرم حاتمي أحاطني صابر عيد، وراح يسأل عن سبب وجودي في القاهرة، فحكيت له عن وعد "محسن محمد" بالتعيين في الجمهورية.

وهنا غضب الرجل الكريم الحليم، وسألني: والدك لم يقل لك إني أعمل في الأهرام؟!

بعفوية قلت: أنا أعلم ذلك يا أستاذ صابر، ولم أنس أنك من ساعدت والدي في الانتقال من وزارة الزراعة إلى التنمية المحلية من خلال صداقتك بالصحفي الكبير "أمين محمد أمين"، الذي كان سببًا في هذا الانتقال، ولكني لم أشأ أن أحملك هم تشغيلي، لأنني أعرف أن "الأهرام" قلعة مغلقة.

بكل لطف وحنان وأبوة قال: لن تخسر شيئًا غدًا قبل أن تذهب إلى الجمهورية نذهب إلى "الأهرام"، وسأتكلم مع الأستاذ "ماهر الدهبي" سكرتير تحرير الأهرام، فهو إنسان محترم، وأنا أتعامل معه يوميًا، فقد كان صابر عيد وقتها رئيسًا لأقسام الجمع والتوضيب بالأهرام.

ذهبت معه إلى الأهرام، والتقيت "ماهر الدهبي" الذي كان الباب الذهبي الذي عبرت من خلاله إلى مؤسسة الأهرام، وهكذا غير "صابر عيد" مسيرة حياتي الصحفية ونقلني بكرمه وتواضعه وحبه للخير، وخدمة الأهل، لأعمل مع كبار المفكرين ورواد الصحافة المصرية في الأهرام، هو صاحب فضل لا أنساه أبدًا، هو بالفعل جواهرجي صحافة، يعرف معادن الناس، فهو صاحب خبرة، من عشاق "الأهرام" كانت بيته ومعبده، فيها قضى عمره، كان كالنحلة بين أقسام التوضيب المختلفة، لديه حل لكل المشكلات، كان حبيب الجميع، وهذا ما جعله وثيق الصلة بالصحافة والصحفيين، لم يكن فقط وراء انطلاقتي من خلال الأهرام، وإنما قضيت معه وسط أولاده وبناته أيامًا عديدة كنت واحدًا منهم، حتى وجدت سكنًا.

"صابر عيد" تربى في مدرسة "الأهرام" العريقة.. نعم لم يمارس مهنة الصحافة كتابة وتحريرًا وإخراجًا، ولكن عرقه وجهده وأنفاسه، كنت تشمها في كل سطر من سطور الجريدة، التي تابع كل مراحل تنفيذها ما بين الدورين الرابع والثالث، كان الجميع يلجأ إليه إذا ما واجه مشكلة، فعند "صابر عيد" الحل، ولا غرابة أن يكون صديقًا لكل الصحفيين، كبارًا وشبابًا.

كان صاحب ذكاء ومروءة، وحس صحفي، يكتب بأسلوب راق جذاب، ولا أكون مبالغًا إن قلت مرة أخرى إنه "جواهرجي صحافة" يعرف قيمة وأقدار الناس، كما يعرف قيمة وقدر كل خبر صحفي يُرسل من صالة التحرير إلى المطبعة، فيسعى خلفه، حتى يجد مكانه في الصفحات.

كان كبيرًا وسط الكبار، فقد عاصر الأستاذ هيكل وكل من عمل معه "كنعان" و"بحري" و"الملاخ" و"الجمال" و"سرايا" و"الدهبي" و"صبحي" و"سيد ياسين" و"تيمور" و"سلام" و"ربيع" وغيرهم، حبه للصحافة والصحفيين جعله متأثرًا بجو المهنة صديقًا للقلم، لديه رصيد هائل من الكتابات، التي كان يكتبها لنفسه، ولم يفكر يوما في طلب نشرها، حبه للصحافة والأدب، الذي أجاده قراءة وكتابة، انتقل إلى أبنائه الذين صاغ مواهبهم واكتشف قدراتهم وملكاتهم الإبداعية.

تجلى إبداع "صابرعيد" في صياغة شاعر نابه نابغ تسيل حروفه الشعرية منسابة رقراقة في جداول الشعر العربي، تفيض عذوبة ورقة، تذكرك بأشعار نزار قباني وبدر شاكر السياب، يسطرها قلم الصحفي بالأهرام المسائي، صاحب الخلق الرفيع الزميل "محمد صابر" نجل معلمي ومكتشفي "صابر عيد".. الذي لن أنسى ما حييت أنه هو الذي قادني إلى الأهرام، لأكون أحد أبنائها المخلصين.

DR.ISMAIL52@GMAIL.COM

مقالات اخري للكاتب

محيي الدين فتحي .. الصحفي الكبير

محيي الدين فتحي .. الصحفي الكبير

"محمد عبدالعزيز شنب".. شاعر جيلنا "الأهرامي"

"محمد عبدالعزيز شنب".. شاعر جيلنا "الأهرامي"

"الأهرام" .. وسيمفونية الفكر الراقي والخبر الصادق

برغم أن "الأهرام" كان معروفًا بكتابه الكبار، وأن صفحاته كانت تجمع كل ألوان الطيف الفكري في مصر، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، الكل يعزف في تناغم سيمفونية

هيكل .. ومدرسة العطاء بلا حدود

نعم أنا لم أعمل مع الأستاذ هيكل، ولم أتعامل معه مباشرةً، ولم أحظ بشرف التعرف عليه بشكل مباشر، ولم أسع إلى ذلك، وإنما كنت أشم ريح هيكل، وأراه كل يوم في

سباح ماهر في بحر الأهرام الصحفي

في الكلية عندما كنا ندرس الصحافة في سبعينيات القرن العشرين كان حلم كل واحد منا أن يكون صحفيًا مثل (هيكل)؛ فقد كان هو المثل الأعلى الذي يريد أن يكون كل من يحلم بالعمل في بلاط صاحبة الجلالة.

صلاح منتصر .. حلواني الصحافة المصرية

من الصحفيين الكبار الذين تشرفت بالعمل معهم والتعلم منهم خلال رحلتي الصحفية بجريدة الأهرام، الكاتب الصحفي الكبير الأستاذ صلاح منتصر، الذي يظل أحد الأسماء