المولد النبوي الشريف.. كشف حساب وذكرى تنفع المسلمين

17-11-2019 | 18:59

الروضة الشريفة

 

محمد عدلي الحديدي

﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.. كلمات يكمن فيها إعجاز الميلاد؛ ميلاد النور وسط الظلمات، ميلاد الرحمة في دنيا العذاب، من يتخيل أن بالصلاة على محمد تولد الهداية والسّلام والقوة لبناء أمة تبحث عن طريق النهضة، والحل أمام عينيها، إنه الصلاة على النبي محمد "صلى الله عليه وسلم"، الرحمة المهداة.

عن مولده الشريف يتحدث لـ" بوابة الأهرام " علماء الشرق والغرب في السطور التالية..

يقول الدكتور شريف عبدالله معوض أستاذ التفسير وعلوم القرآن، المحكَّم الشرعي بمحاكم دبي بالإمارات العربية المتحدة: كرم الله رسوله الكريم "صلى الله عليه وسلم" وأقسم بعمره وحياته، وقال {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ}، لم يكن مولد الرسول "صلى الله عليه وسلم" مولدًا عاديًا؛ بل كان مولدًا فريدًا يترقبه الجميع، فهو دعوة أبويه إبراهيم وإسماعيل {رَبّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}، وبشرى عيسى عليه السلام {وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ}، وكانت هناك إرهاصات قبل مولده الشريف فقد رأى الناس بركات مولد النبي في صد أشرس هجمة على الكعبة المشرفة بقيادة أبرهة الحبشي. ومن أجل الرسول "صلى الله عليه وسلم"، خلق الله الكون والناس وجعلهم فرقًا وأنزله في خير فرقة وفي خير قبيلة وفي خير بيت.

وتابع: لم يكن مولدًا عاديًا فقد سبقت ولادته المعجزات وتبعت ولادته المعجزات؛ حيث شُق صدره الكريم وبزغ نور الهداية للعالمين فهو الذي كان يسلم عليه الحجر وينحني له الشجر، وهو الذي حضر حلف الفضول بين القبائل المتنازعة والذين تعاهدوا فيه على ألا يظلم أحد في مكة إلا ردوا مظلمته، وكيف أنه شارك في بناء وطنه وترسيخ الأمن والاستقرار بين القبائل، لم يكن مولدًا عاديًا فقد كان رحمة للعالمين، وقال عنه رب العزة {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}، فمن أجله رفع الله العذاب عن قريش ومن أجله يرحم الله أمته.

الرسول "صلى الله عليه وسلم" في ذكرى مولده يعلمنا الأدب والأخلاق ونشر السلام والتسامح واحترام الآخر والمحافظة على البلاد خصوصًا في هذه الأيام والعالم يموج بالاضطراب.

أما الشيخ حسن مصطفى علي، إمام مسجد مكة في مدينة شيكاغو بولاية إلينوي الأمريكية، فيتناول تلك الذكرى بالتأكيد أن مولد النبي في حياة مسلمي أمريكا المؤمنين كل يوم وليس يومًا واحدًا في العام، قائلًا: نحن نُعلِّم المسلمين، وخصوصًا الجدد منهم، أن الرسول "صلى الله عليه وسلم"، يُولد في أنفسنا وأعمالنا كل لحظة باتباع سنته وأخلاقه الطيبة، وأهم هذه السنن هي عمارة الكون من البشر والحجر؛ خصوصًا ونحن المسلمين تلقى علينا التهم الملفقة بأننا دين تطرف.

وأضاف الشيخ حسن: إن المسلمين في أمريكا المخلصين لدينهم هم خير سفراء لنبيهم الكريم في المشاركة في بناء البلاد، وليس أدل على فاعليتهم وكونهم عنصرًا أساسيًا في نسيج الوطن من دعوة مسلمي ولاية إلينوي الأمريكية لتصويت دعا إليه مجلس مدينة "بور ريدج"، حول موقفهم من فتح محال لبيع المخدرات في المدينة، وكانت نتيجة التصويت رفض هذه المحال وإغلاقها نهائيًا؛ حيث تقع في مدينة يسكنها مواطنون من كل الأديان وتوجد فيها مساجد وكنائس ومعابد لها قدسيتها؛ مما تهدد السلم الاجتماعي.

ويوافقه الرأي الأستاذ حسين الداودي رئيس المجلس الإسكندنافي للعلاقات بالسويد، قائلاً: إن مولد النبي "صلى الله عليه وسلم" يجدد فينا نحن المسلمين، خصوصًا في الغرب، العطاء وحب الخير للناس والحرص على هداية غير المسلمين إلى السعادة والنور، والوقوف مع المظلوم أيًا كان دينه، حتى اعتدلت نظرة الغرب، وأصبح ينظر إلى الدول العربية والإسلامية على أنها تمسك زمام المبادرة لنشر الوسطية والسلام بين أهل الأديان جميعًا.

واستطرد رئيس المجلس الإسكندنافي قائلا: إنه يؤذن لمولد الرسول "صلى الله عليه وسلم" في الدول الإسكندنافية، مع كل أذان للصلاة، وليس هذا عند المسلمين فقط، وإنما عند غير المسلمين الذين يتأثرون بكلمات الأذان ويشعرون بالسلام الداخلي، فتكون هذه الكلمات - وهذا الشعور - المخاض لمولد الرسول محمد "صلى الله عليه وسلم" في حياتهم وهم لم يعرفوا عنه شيئًا في السابق، وبتتبعهم لسيرته الطيبة يولدون معه مسلمين من جديد.

ويؤكد الدكتور أنور جيكتش عميد كلية الدراسات الإسلامية بجمهورية صربيا، أن مولد النبي "صلى الله عليه وسلم" عند مسلمي بلاده، هو مولد العلم المقرون بالإيمان، قائلًا: مع كل ذكرى للمولد النبوي الشريف نقيم الندوات في المساجد والجامعات لتذكير الناس بأننا أمة "اقرأ" وأن ولادة النبي "صلى الله عليه وسلم" الحقة في نفوس الناس كانت مع هذه الكلمة، وأن ولادة الحضارة الإسلامية مع هذه الكلمة، وبدونها لن يكون للمسلمين وزن في هذا العالم الذي يحكمه العلم، ولكن بالنسبة لنا يثقل علمنا الإيمان بالله ورسوله.

وأضاف الدكتور أنور أنه يوجد في إقليم السنجق بصربيا ما يقرب من ٢٥٠ مسجدًا تتشح كل مآذنها بالأنوار في ذكرى المولد النبوي، وهذا له دلالة أن المسلمين متوحدون على حب نبيهم "صلى الله عليه وسلم"، لافتًا إلى أن كلية الدراسات الإسلامية بجمهورية صربيا شرعت بالتعاون مع مؤسسات كويتية في إقامة مسابقة للطلاب عن السيرة النبوية وتم توزيع ٣ آلاف كتاب لـ"الرحيق المختوم".

أما في روسيا، فاتفق الدكتور حسن عثمان رئيس قسم الفقه والأصول بالجامعة الإسلامية في جروزني، والشيخ "راسيم كوزأحميدوف" نائب مفتي مقاطعة "ساراتوف"، والشيخ إلدار علاء الدينوف مفتي موسكو، على أن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف أمر أساسي عند مسلمي روسيا؛ حيث له خلفية تاريخية عندهم في أثناء الحكم الشيوعي للبلاد، مؤكدين أنه بمثل هذا الاحتفال حافظ مسلمو روسيا على دينهم من الاندثار في بلدهم وأنفسهم، وكذلك بمولد النبي "صلى الله عليه وسلم" كانوا يحيون الدين في بلد كان الإلحاد فيه هو السائد.

ويختتم الدكتور مصطفى سيريتش مفتي البوسنة والهرسك السابق قائلاً: إنَّ الألْيَق بنا في هذه الذِّكرى المَجيدة أن نَستعرض العامَ إلى العام، ونأتي في هذا اليوم ننظر ما قُمنا به من أعمالٍ، وما قطعناه من أشواطٍ في طريق بِناء مجد الأمَّة، وفي سبيل توطيد أركان بناء الإسلام، ونوازن بين ما كانت عليه حالُ الأمة العربيَّة، وحال الدُّنيا جميعها قبل ولادة الرسول "صلى الله عليه وسلم" وبعد ولادته؛ لقد كان العرب في جاهليَّةٍ وغطرسة ظالِمة، وبُغضٍ للعدل، وإقبالٍ على الشر، وفي طبقيَّة أثارت البَغضاء بين الأغنياء والفقراء، وأنانيةٍ لَم تسكت الحرب بين مختَلِف القبائل، وقد ذكَّرَنا الله سبحانه بنِعْمة محمَّد "صلى الله عليه وسلم" عليهم، في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾.

وأضاف سيريتش: هذا ما يجب علينا أن نعيش فيه دائمًا، وأن نَذْكر بعثة الرسول "صلى الله عليه وسلم" وميلاده بهذه الأمجاد وهذه الحيويَّة، وهذه الرحمة وهذه الهداية والنُّور، وأن نُعرِّف دائمًا أنَّ الرسول "صلى الله عليه وسلم" جاء رحمةً للعالَمين وأنَّ مضمون هذه الرحمة، هو ما جاء به الرَّسول "صلى الله عليه وسلم" من أخلاقٍ، وتشريعات ونظُم، كفيلةٍ بإيجاد أسعد حياة وأعَزها، ثم نعمل بهذا الدين لإيجاد تلك الحياة، ثم نأتي من العام إلى العام، ونَنْظر في كشف الحساب؛ لنرى كم حقَّقْنا من هذه الأمجاد، وكم خطوةً خطَوْنا نحو القوة والغلَبة، وكم بقي من الخطوات لِتَكتمل لنا حياةُ العزَّة، وحياة المَجْد، وحياة المؤمنين الأشدَّاء.