أسرار أحمد كمال باشا ورحلة جلب مومياوات الخبيئة للمتحف المصري | صور

17-11-2019 | 15:42

رحلة جلب مومياوات الخبيئة للمتحف المصري

 

محمود الدسوقي

يوصف الأثري الرائد أحمد كمال باشا ، تلميذ الأثري الألماني بروكش باشا، بأنه أول مصري عمل في مصلحة الآثار المصرية التي كان يحتكرها الأجانب آنذاك، كما يوصف بأنه الأثري الذي قام برحلة للصعيد لحفظ مومياوات الخبيئة، وبترتيب المتحف مرتين، الأولى حين تم نقل الآثار من متحف بولاق لقصر الجيزة في نهايات القرن التاسع عشر، والثانية نقل الآثار من قصر الجيزة قبل افتتاح المتحف المصري في بدايات القرن العشرين عام 1902م.


ولد أحمد كمال باشا في القاهرة عام 1851م وكان تلميذًا للأثري الألماني بروكش الذي ارتحل معه لرحلة طويلة لمحافظة قنا في نهايات القرن التاسع عشر وبالتحديد عام 1881م للتحفظ على خبيئة الدير البحري بالأقصر؛ حيث كان نزول أحمد أفندي وبركش باشا لمديرية قنا والأقصر يوم 6 يوليو من عام 1882م، ومن الغرائب التي تروي أن كمال وبركش استمرا لمدة 48 ساعة، ينقلان الآثار من البئر بلا توقف وأن 200 رجل، صاروا ينقلون الآثار من البئر حتى الوصول بها لشاطئ نهر النيل، وكان ذلك يوم 11 من يوليو 1882م، استعدادًا لنقلها للقاهرة وانتظار سفينة وصلت خصيصًا لنقل محتوياتها الكبيرة لمتحف بولاق.

كانت وزارة الآثار أقامت معرضين مؤقتين إحداهما عن التعليم فى مصر القديمة بقاعة العرض المؤقت بالدور الأول بالمتحف، والثاني عن خبيئات ال مومياوات بالدور العلوي بمناسبة مرور 117 سنة علي افتتاح المتحف المصري ، ويضم معرض ال مومياوات مجموعة مختارة من الخبيئات الأربعة وهي: خبيئة الدير البحري والتي عُثر عليها عام 1881 داخل مقبرة رقم 320 بالوداي الواقع جنوب معبد الدير البحري، وضمت الخبيئة مجموعة من ال مومياوات الملكية منها مومياء سقنن رع، تحتمس الأول والثاني والثالث، ورمسيس الأول والثاني والثالث والتاسع وسيتي الأول، بالإضافة إلى مومياوات لملكات من الأسرات الثامنة عشر وحتى الحادية والعشرين منهم الملكة أحمس نفرتارى.

وخبيئة مقبرة الملك أمنحوتب الثاني عثر عليها عام 1898 داخل إحدى الحجرات الجانبية فى مقبرة الملك أمنحوتب الثاني في وادي الملوك بالبر الغربي بالأقصر، وكانت تضم مومياوات لملوك منها مومياوات أمنحوتب الثانى والثالث، تحتمس الرابع، مرنبتاح، سيتي الثاني، رمسيس الرابع والخامس والسادس والملكة تى زوجة الملك امنحوتب الثال، بالإضافة لخبيئة باب الجسس التي عثر عليها عام 1891 أسفل الفناء الأول لمعبد حتشبسوت بالدير البحرى وخبيئة العساسيف التي اكتشفتها بعثة أثرية مصرية خلال شهر أكتوبر الماضي عام 2019م فى جبانة العساسيف غرب الأقصر.

ارتحال أحمد كمال باشا وأستاذه الألماني بروكش للصعيد جاء في ظل حرارة مرتفعة، جعلت الأهالي يقبعون في منازلهم، وتوقفت حركة البيع والشراء، بل تسبب الحر الشديد في وفيات وأمراض جعلت بروكش ذاته ينتابه المغص الشديد مما جعل تلميذه أحمد كمال باشا يقوم بوضعه تحت الأشجار كي تتحسن حالته، وإنهما فوجئا حين دخلا علي مدير قنا "داود باشا"، الذي كان يتولي منصب محافظ الأقليم، أنه موجود في الحمام بسبب حرارة الجو المرتفعة.

واجه كمال باشا أول مؤرخ عربي للآثار المصرية والذي نقل مومياوات الخبيئة الأثرية الأولي لمتحف بولاق مع أستاذه بروكش الكثير من العراقيل والصعوبات في بداية حياته، بسبب احتكار الأجانب لعلم المصريات وكان عليه أن يعمل معلمًا حتي واتته الفرصة في العمل في مصلحة الآثار؛ حيث التحق في وظيفة كاتب بعد أن تظاهر بعدم معرفته بالآثار لينال الوظيفة، ثم لم يلبث أن شغل وظيفة مترجم ومعلم للغات القديمة ب المتحف المصري .

ويقول الأثري محمد محي في تصريحات لــ"بوابة الأهرام" إن خبيئة الدير البحري التي استطاع الرائد أحمد كمال باشا نقل محتوياتها إلي متحف بولاق كانت من أهم القضايا الكبرى في جرائم تهريب الآثار المصرية خارج البلاد عبر التاريخ، وذلك لضخامة الخبيئة، وما كانت تحتوي عليه من كنوز أثرية، رصدت وقائعها جريدة "الأهرام" عام 1881م؛ حيث كان من أهم المتورطين فيها - بالإضافة للأخوة عبدالرسول- قناصل دول، وغيرهم من أصحاب النفوذ في الأقصر آنذاك.

وأضاف محمد محيي أن متحف بولاق الذي تم نقل الخبيئة الأولى به كان ذو مساحة صغيرة وكان مهدد من قبل فيضان النيل، مضيفًا أنه تم اختيار قصر الجيزة لنقل الآثار لها قبل أن يتم تأسيس المتحف المصري الذي قام الرائد أحمد كمال باشا أيضاً بنقل الآثار له للمرة الثانية مؤكدًا أن المومياء التي لم يستطع كمال باشا نقلها كانت مومياء رمسيس الأول؛ حيث تم تهريبها للخارج وقد استردتها مصر عام 2003م بعد مرور مائة عام بالتقريب علي تهريب في احتفال شعبي رسمي.

قال أحمد كمال باشا في مقال له تم نشره عام 1923م بعد اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون، إن مصلحة الآثار المصرية نجحت في نقل بحيرة إخناتون التي اكتشفتها البعثة الألمانية في تل العمارنة بالمنيا للمتحف المصري ووضعها في ألواح زجاجية بسبب قيام السارقين بمحاولة سرقتها، مؤكدًا أن البحيرة عبارة عن فسيفساء وتحوي رسومات للأشجار ولصيد الأسماك، مؤكدًا أن الأعوام المقبلة ستشهد الكثير من الدراسات عن الملك الصغير توت عنخ آمون كي نوفيه حقه من البحث العلمي.

وألف أحمد كمال باشا الكثير من المؤلفات الأثرية سواء باللغة العربية أو الفرنسية؛ حيث نشر كتابان في الفهرست العام للمتحف المصري الذي اشترك فيه عشرات العلماء، ولا يزال حتى الآن من أهم مراجع الآثار المصرية، بالإضافة إلي المعجم الذي يقع في 22 مجلدًا ويجمع مفردات اللغة المصرية وما يقابلها بالعربية والفرنسية والقبطية والعبرية وتمت طباعة المخطوط في 23 مجلدًا بواسطة المجلس الأعلى للآثار عام 2002 في شكل تصوير شمسي بخط المؤلف بعد جمع نسخ المخطوط من الورثة.

وقد اعترف أحمد كمال باشا رائد علم الآثار في عدة مقالات له أنه يدين بالفضل لأستاذه بروكش باشا وللمدرسة الألمانية التي تتلمذ فيها، كما اعترف في مقال نادر له نشره عام 1914م، بأنه لا تروقه النظرية الألمانية التي تتلمذ عليها في قراءة النصوص الفرعونية المختلفة عن النظرية الفرنسية، مؤكدًا أنه أنجز حتى الآن أي 13 مجلدًا في معجمه معتمدًا على طريقة سهلة وهي تحليل الكلمة إلى أجزائها مع تحليل أصول اللغتين المصرية والعربية معترفا في مقاله النادر بأنه لايبرئ نفسه من الغلط.

توفي أحمد كمال باشا بعد حياة حافلة بالعلم الأثري في أغسطس عام 1923م، وكان ابنه محمد أحمد كمال الذي كان يعمل طبيبًا في الصعيد يكتب مقالات دائمة في الآثار المصرية متأثراً بسيرة والده فقد كتب نجله سلسلة مقالات عن الطب عند الفراعنة والتعليم عند الفراعنة بالإضافة لمقالات سيرة لوالده الذي أسهم إسهامات كبيرة في علم الآثار.


رحلة جلب مومياوات الخبيئة للمتحف المصري


رحلة جلب مومياوات الخبيئة للمتحف المصري


رحلة جلب مومياوات الخبيئة للمتحف المصري

اقرأ ايضا: