"قرشين ونص" أجرة العامل لحفر قناة السويس.. مذكرة "نادرة" تحكي الكواليس| صور

15-11-2019 | 14:45

قناة السويس

 

محمود الدسوقي

حضرت الصحف الفرنسية والأوربية لتغطية حفل قناة السويس ، التي حُفرت مجراها بدماء المصريين وعرقهم ، وتناقلت الصحف التي تصدر في فرنسا، أو تلك الفرنسية التي كانت تصدر في مصر مثل صحيفة "لوبروجريه إجيبسيان" مقولة الملكة أوجيني في الحفل الأسطوري الذي أقيم 16 نوفمبر عام 1869م.


قالت الملكة أوجيني: "إن افتتاح القناة يعتبر نصرًا للإنسانية بأكملها وأنها أعظم خطوة عملت في سبيل التقارب بين الشعوب منذ أن اكتشفت الدنيا الجديدة "، حيث كانت تصف أوجيني قناة السويس بأنها تضاهي اكتشاف الإنسان لقارات العالم الجديد.

قربت قناة السويس -التي وصفت في بداية الحفر بالبرزخ- الإنسانية من بعضها البعض، فقد وصف المستر فارلي في محاضرة نادرة له بجمعية الاقتصاد الأمريكية عام 1891م، قناة السويس بأنها قصرت المسافة بين أوروبا والهند بحوالي 3 آلاف ميل، أي نصف المسافة بين أوربا وبومباي، وساعدت على نجدة العالم الذي كان يعاني من الأهوال في جلب الفحم والغذاء بسبب بعد المسافات، فصارت السفينة التي كانت تسير سنة وهي تشق البحار والمحيطات صارت تسير ثلاثين يومًا فقط بسبب قناة السويس .

الجدير أن قناة السويس شهدت توسعة في عهد الرئيس عبدالفتاح السيسي حيث تم تقليل وقت العبور من 22 إلى 11 ساعة، وزاد عدد السفن العابرة يوميًا من (40 - 45) إلى (60-65) ناقلة عملاقة في المتوسط ، وتمثل سفن الحاويات أكثر من نصف إجمالي حركة المرور في القناة، وبعضها من بين أكبر السفن في العالم التي تصل سعتها إلى 23000 حاوية مكافئة، حيث يمكن الآن نقل ناقلات النفط العملاقة التي تحمل أكثر من 200000 طن عبر القناة بعد التوسعة التي حدثت مؤخرا.

وتنشر "بوابة الأهرام" بمناسبة مرور 150 سنة علي افتتاح القناة، صوراً نادرة في احتفال الافتتاح في عهد الخديو إسماعيل، ومذكرة نادرة تسرد تاريخ عمال القناة تمت طباعتها عام 1948م، حيث تسرد المذكرة أن المؤرخين يؤكدون أن قناة السويس ستظل هي شريان العالم حيث بلغ طولها في بداية الحفر 164 كيلومترًا وتم حفرها في مدة 10 سنوات باستخدام أدوات بدائية، حيث شارك حوالي مليون مواطن مصري في حفرها.

تحكي المذكرة النادرة التي نشرتها وزارة المعارف لمدرسة المعلمين الابتدائية بأسيوط سيرة العمال المصريين في حفر قناة السويس والشركة الفرنسية التي كان يتولي مسؤليتها ديلسبس عمل إعلانات علقتها علي المنازل الطينية وأبواب المساجد ومحطات السكك الحديدة وأقسام البوليس والأسواق في كافة القري والنجوع ،وحببت الشركة الفرنسية للعمال المصريين العمل في الحفر ،وأكدت الشركة أنها أقامت قري لسكن العمال ومسجدا وأن مياه الشرب متوافرة، وحددت أن قرشين ونصف هي أجرة العامل وحذرت في الإعلان بأنه محرم علي الرؤساء الأوربيين مهما كانت وظائفهم ضرب الفلاحين والإساءة لهم .

وقال المؤرخ والأثري فرنسيس أمين في تصريحات خاصة لــ"بوابة الأهرام" إنه لم تقتصر مظاهر افتتاح قناة السويس في عهد الخديوي إسماعيل في العام 1869م على الملوك، والرؤساء فقط، أو مظاهر البذخ، التي كلفت ميزانية الدولة المصرية آنذاك مليونًا و400 ألف جنيه.. فالاحتفال -أيضًا- شهد الكثير من الطرائف الخفية التي تظهر في التاريخ كسطور قليلة في هذا الاحتفال، الذي كان يقال عنه اختصارًا "إن العالم كله اجتمع فيه".

اختار الخديوي إسماعيل من كل طائفة من المصريين، ممثلين لحضور الاحتفال، كما يؤكد فرنسيس أمين ،مضيفاً أنه اختار طوائف العلماء ،والمهندسين ،والأطباء وطوائف الدراويش، والصوفية، وزعماء القبائل المصرية، لافتًا أن كل المحافظات المصرية شاركت في هذا الاحتفال، حيث صمم الخديوي علي اصطحاب وفوده لجولة إلى مدن الإسكندرية، والقاهرة، وزيارة معابد الصعيد بعد انتهاء الحفل الأسطوري .

تقول المحاضرة العلمية النادرة الصادرة عام 1948م إن أكبر عقبة طبيعية كانت تعترض حفر قناة السويس هي مرتفعات عتبة الجسر حيث كانت ترتفع 19 مترا عن سطح البحر وتمتد مسافة 14 كيلو مترات، وقد بلغ عدد العمال من المصريين في هذه المرتفعات وحدها 176 ألفا و780 عامل طوال 10 أشهر من الحفر المتواصل ،وقد نجحوا في رفع ملايين الأمتار من الرمال للتغلب علي مرتفعات عتبة الجسر وشق ممر يربط بين البحرين الأحمر والمتوسط

وسردت المذكرة النادرة هجوم الصحف الإنجليزية والتركية لمشروع حفر قناة السويس وقيام الصحف باستغلال موت مئات العمال في أعمال الحفر بسبب العطش وتأخر القافلة المحملة بالمياه أو الأمراض للتنديد بحفر القناة والسخرة، وكيف أن الخديو إسماعيل لم يقدم دعوة للسلطان التركي بحضور مراسم الافتتاح كما عرضت المذكرة قيام الشركة بعمل مكاتب لها في قنا وأسيوط وكافة المدن المصرية حيث تسرد أول عمال من مدن مصرية شاركوا في الحفروهم عمال دمياط والمطرية وكان يقدر عددهم بـ 150 عاملا

وأكد فرنسيس أمين أن افتتاح قناة السويس كاد يتعرض للتوقف بسبب اعتراض مركب، وتوقفه أمام مركب يقل الأمبراطورة أوجينى زوجة ملك فرنسا، ولكن تم سحب المركب المعترض، وإزاحته إلى جانب القناة، كي تمر سفينة الامبراطورة أوجيني في قناة السويس مضيفاً أنه تم إعداد الطعام للمدعوين، حيث تم تقديم 25 صنفًا من الطعام، فيما تم إطلاق اسم جمع اسمي البحرين، بسبب اكتمال مشروع القناة ، و التقاء البحرين الأحمر، والمتوسط، كما تم إطلاق نوع من السلطات والخضراوات باسم السويس، فضلًا عن استقدام 500 طباخ من المصريين، والأجانب، لتقديم الطعام للمدعوين..

كان العطش يصرع العمال والفلاحين اذا تأخرت القافلة المحملة بالمياه لهم كما سردت المذكرة قيام الصعايدة بثورة عارمة ضد أعمال السخرة، التي أدت لموت 120 ألف مواطن، ، إلا أنه رغم ذلك استمر الحفر لمدة 10 سنوات حتي الانتهاء منه، وقام الرسامون والمصورون الأجانب برصد مايحدث للعمال المصريين، الذين واصلوا الحفر، رغم الموت والعذاب

وأضاف الباحث التاريخي محمد سباق الحويطي في تصريحات لــ"بوابة الأهرام " إن اهتمام الصحف العالمية والمصرية ب قناة السويس كان بشكل دائم بعد افتتاح قناة السويس في القرن التاسع عشر حيث كانت الصحف تنشر بشكل دائم إحصائيات مرور السفن حيث كانت السفن الإنجليزية والألمانية والفرنسية والهولندية هي الأكثر مرورًا في عام 1891م ، مؤكداً أن العالم الذي كان يعتمد علي الغذاء وعلي الفحم كمورد أساسي له في الطاقة وجد أن قناة السويس هي النجدة له لأنها أقصر الطرق التي قربت المسافات بين الدول مما جعلها توصف ومازالت توصف بشريان العالم النابض