السيستم المُقدس!

13-11-2019 | 20:46

 

اتفق الناس على وضع القوانين؛ لتنظيم أمور حياتهم؛ فمع وضوحها؛ وترسيخها؛ تتضح المعالم؛ وتنجلي المفاهيم؛ حتى يسود العدل بينهم؛ وكان حينما يظهر بعض العوار في أحد القوانين؛ تتسارع الخطى لتصويبه؛ فهي ليست مقدسة؛ لأنها من صنع الإنسان؛ ووضِعت لتستقيم حياته.

وأخذت الحياة منذ بدء الخلق؛ تتطور؛ ومع تطورها؛ تطورت سبل التعامل بين الناس؛ ومن ثم تطورت أيضًا الآليات؛ حتى ظهر الحاسب الآلي بما مثله من نقلة نوعية لكل سبل التعامل فيما بيننا.

وأذكر أنه في بداية تعلم أصوله؛ كانت هناك جملة شهيرة؛ يرددها دائما أحد مُعلميه "أن الحاسب الآلي؛ يتلقى التعليمات؛ لينفذها"؛ هذا دوره المنوط به؛ فالنتائج المرجوٌة مرهونة بسلامة البيانات الوالجة إليه.

وكان هذا نمط التعامل؛ حتى حدثت ثورات علمية مذهلة؛ أثمرت عن وجود الذكاء الاصطناعي؛ وتنوعت برامج الحاسب الآلي؛ وأفرزت نماذج معينة ومفيدة للبشر؛ وبات هناك برامج لا محدودة في الحسابات والطب والهندسة.. إلخ.

وأضحينا نشاهد دولًا كثيرة تعتمد كليًا على نظام الحاسب الآلي؛ فهو ينجز قدرًا كبيرًا من الأعمال في أوقات قياسية؛ ولكن كل ذلك مرتهن بوجود قاعدة بيانات سليمة وقوية؛ بها يمكن لأنظمة الحاسب الآلي؛ أداء العمل بحرفية غاية في الدقة.

كل ذلك وأكثر؛ بات في متناول اليد؛ بسهولة ويسر؛ وكان الهدف الرئيسي دومًا؛ يدور حول التسهيل على الناس؛ فوجود قاعدة بيانات صحيحة متبوعة بنظام حاسب آلي قوي؛ من شأنه إنجاز المهام بسرعة ودقة في آن واحد.
أما الأمر الأكثر إبهارًا؛ فيتضح في تعديل أي نظام للحاسب الآلي؛ فور وجود ما يعيقه؛ فهذا النظام؛ وُضع بالأساس من أجل خدمة البشر؛ وليس لتكدير صفوهم!

إلا أننا في مصر نعاني؛ وبصدق من بعض ويلات عدد من أنظمة الحاسب الآلي؛ أو ما يُطلق عليها سيستم؛ حتى أنه خُيٌل إلىَّ أنها مُحاطة بقدسية معينة؛ ولا تقبل التعديل؛ وهو أمر يسير للغاية؛ ولكنه لا يحدث؛ دون معرفة السبب!

فعلى سبيل المثال؛ ذهبت لتغيير نظام الإنترنت المنزلي؛ ودفعت قيمة هذا التغيير؛ فور تقديم الطلب؛ وكانت المفاجأة في توقف الخدمة تمامًا؛ مدة من الوقت؛ حتى يتكرم السيستم؛ بتعديل النظام؛ برغم دفع مقابل الخدمة في نفس لحظة تقديم الطلب؛ وبعد جدال عقيم جدا؛ كان الرد "ده نظام السيستم"!!

وحينما سألت؛ ألم ترد لكم شكوى بخصوص هذا الوضع؛ كانت الإجابة بنعم وكثيرا؛ فقلت لما لم يتم تعديل السيستم؟

لم أجد ردًا؛ وكأن السيستم له قدسية تمنع الاقتراب منه؛ برغم تأكيد خدمة العملاء حقي في تلقي الخدمة فور دفع مقابلها؛ قد تكون الواقعة بسيطة من وجهة نظر أحدنا؛ ولكنها مؤلمة؛ وأخذت أبحث عن السبب ووجدت أنه بسبب خلل في تنظيم الإجراءات؛ فما زلنا نخلط بين النظام الورقي ونظام الحاسب الآلي؛ وهو خلط لا يجب أن يستمر حتى الآن؛ لاسيما مع ما حققناه من تقدم كبير جدًا؛ في الأنظمة المحاسبية.

وأعرج على حالة أخرى؛ أثق أن كثيرًا من حضراتكم قد عانى منها؛ حينما تتوجه لأحد البنوك؛ لإلغاء كارت ائتمان؛ تقدم الطلب؛ وعليك أن تنتظر 45 يومًا بالتمام والكمال لاستلام مخالصة الكارت؛ وكان المبرر؛ أنه من الجائز أن يكون هناك تعاملات تمت عليه؛ ينبغي حصرها للتيقن من عدم وجود مديونية عليه.

فما بالنا إذا قام صاحب كارت الائتمان بسداد كامل قيمته وقت تقديم الطلب؛ بما يعني وبشكل بديهي تسلم المخالصة في الوقت نفسه؛ إلا أن الرد المُعلب والجاهز دائمًا؛ ده نظام السيستم!

وفي هذا الصدد يمكن أن نسمع كثيرًا من الحكايات التي يؤكد أصحابها؛ ضجرهم بسبب السيستم؛ وبتنا لا نعرف؛ هل السيستم وُضع لخدمة الناس؛ أم لتكدير صفوهم؟!

وأختتم بتوضيح أمر مهم؛ أننا لسنا بصدد اختراع جديد؛ فبنظرة شاملة لما تفعله الدول المتقدمة؛ يتسنى لنا معرفة وجه الخلل عندنا؛ كما يتسنى لنا معالجته بيسر.

فمتى يحدث ذلك؛ ونعي أن قدسية السيستم أمر فرضه الضعفاء؛ قليلو الحيلة؛ ونحن في غنى عن ذلك تمامًا؛ ونستحق أفضل منه كثيرًا.

،،، والله من وراء القصد.

emadrohaim@yahoo.com

مقالات اخري للكاتب

مات أبي

مات أبي؛ ورحل عن الحياة وتركني؛ هي إرادة الله وسنة الحياة؛ ولكن الفراق صعب؛ والموقف جلل؛ ففي لحظة فارقة؛ تكتشف أنك أمسيت وحيدًا بلا سند ولا عزوة؛ مكسورًا؛ فقد رحل الداعم والوتد الذي ترتكز عليه.

كيف تُعرف الرجال؟!

كيف تُعرف الرجال؟!

ليت الشباب يعود يوما!

ليت الشباب يعود يوما!

وماذا عن باقي الأحياء؟!

لم يعتد الناس على سماع أخبار إقالة المسئولين؛ لذلك جاء قرار إقالة رئيسي حيي حلوان والمرج مفاجأة لهم، لاسيما أن سبب الإقالة المعلن، هو تدني مستوى الخدمات المقدمة للناس، وسوء مستوى النظافة.

البنوك المصرية.. وملاحظات تبدو مصيرية

تصادف استماعي لإحدى الإذاعات المصرية؛ أثناء توجهي للعمل؛ وكان المذيع يستضيف أحد الضيوف العاملين بأحد المناصب المتعلقة بخدمة العملاء في بنك ما؛ كان الحوار يدور في سياق عادي؛ حتى سأل المذيع الضيف عما يواجهه الضيف في عمله.

أريد حقي

المتابع الجيد لبلدنا في السنوات الخمس الماضية، يعي تماما، أن مصر حققت طفرات كبيرة للغاية، في كل المجالات دون استثناء، ولو عاد بنا الزمن لبدايات 2014، لنتذكر أحوالنا، وما كانت تمر به مصر آنذاك، ما كان يمكن لأكثر المتفائلين أن يأمل في تحقيق تقدم ملموس ولو بدرجة شبه مقبولة في خلال العقد الحالي.