23 حالة كل ساعة.. الطلاق يدمر الأسرة ويعرض أطفالنا للخطر.. وغياب إعلام الطفل التربوي يزيد المشكلة | صور

14-11-2019 | 16:11

الطلاق يدمر الأسرة ويُعرِّض أطفالنا للخطر

 

تحقيق: حسني كمال ود.إسلام عوض

الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء: 198 ألف أسرة تفككت و500 ألف طفل حرموا من حنان الآباء والأمهات

د.مختار يونس: ننتظر من خريجي المعهد العالي لفنون الطفل أعمالا فنية تبرز أضرار الطلاق على جميع أفراد الأسر

د.كريمة: لجوء الزوجة أو الزوج إلى المكائد واختلاق أزمات وتلفيق اتهامات للطرف الآخر "عوار أخلاقي

د.الغريب: الطلاق يخلق أطفالا يتعرضون للتشرد والتشتت والانحراف ويدفعهم للجريمة والفساد والعدوانية

بعد إعلان آخر إحصائية للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بيانًا عن واقع الزواج والطلاق عن عام 2017، اتضح أن عدد حالات الطلاق يفوق حالات الزواج، بمعنى تراجع حالات الزواج وازدياد حالات الطلاق، ووصول عدد حالات الطلاق إلى 198.269 ألف حالة، بمعدل 23 حالة طلاق كل ساعة تقريبًا.

وبتحليل هذا الرقم اتضح أن هناك نحو 198 ألف أسرة تفككت، وتحملت أعباء الإنفاق، وحرمان ما يقرب من 500 ألف طفل من دفء الأسرة وحنانها، وهذا الأمر يوجد أطفالًا غير أسوياء يهددون استقرار المجتمع؛ لغياب الجانب التربوي وكذلك البعد الديني والسلوكي.

ومن هنا ضاعت حقوق الأطفال بسبب الطلاق، وتعنت الزوج أو الزوجة، وظهرت مشكلات عديدة أبرزها الرؤية والنفقة، وحرمان الطفل من العيش الكريم والتربية السليمة، والدفء العائلي.

عوامل التفكك الأسري

يقول الدكتور عبدالغني الغريب، أستاذ العقيدة والفلسفة، بجامعة الأزهر، اهتمت الأمم قديمًا وحديثًا بالأسرة؛ فخصصت لها الأنظمة والقوانين والبرامج التي تحافظ على مكانة الأسرة وترابطها، إلا أنه مع تطور الحياة وتغير أساليبها بدأت عوامل التفكك والانحلال تسري في كيان الأسرة وتهدد ترابطها وتماسكها، وتؤثر في الأجيال المقبلة لهذه الأمم.

واهتم الإسلام بالأسرة اهتمامًا بالغًا، وحرص على أن تنشأ الأسرة على منهج قويم، فأوصى الرجال والنساء بحسن المعاشرة؛ حتى تعيش الأسرة في بيئة طبيعية فينشأ الطفل في هذه البيئة سوي الخلق قويم السلوك؛ فيتخرج من هذه الأسرة عنصرًا صالحًا لدينه وأمته ومجتمعه.

ثقافة جديدة

وأوضح د. الغريب أنه مع غياب دور الأسرة، وانشغال الأبوين بالقوت اليومي للأبناء، بدأ التفكك وانهيار الأسرة؛ ما أدى إلى انهيار القيم، وبالتالي سائر البناء الاجتماعي، ومن ثم وجدنا ثقافة جديدة داخل الأسرة عند الأطفال والشباب تميزت بالعنف، وهذا ما تعبر عنه الأفلام الحديثة المقدمة لهم، ورسخت في عقولهم أن الثروة والسلطة والهيمنة لا مصدر لها إلا العنف، والعزلة الفردانية، وهذا ما يبدو من نمط الحياة الأمريكية الذي فقد روح الأسرة والمجتمع، فظهرت ألعاب مثل (البوكيمون) و(الأتاري) و(الفيديو جيم) تعبيرًا عن هذه الفردانية.

الإسلام أباح الطلاق

ويتساءل د. الغريب، لماذا شرع الإسلام الطلاق؟ فهل هناك عداء بين الإسلام والمرأة؟ وهل من أهدافه أن يقطع علاقتها بزوجها؟ وأن يجامل الزوج على حساب سعادة الزوجة؟ وهل من خطط الإسلام تقويض أركان المجتمع الذي يدين أفراده بالإسلام؟ الإجابة لا، فما عرف من تعاليم الإسلام شيء من ذلك، وما عرف عن الإسلام محاباة للرجل أو للمرأة، وما اشتهر عنه إلا العمل على جعل المجتمع متماسكًا سليمًا قوي الأركان متين البنيان؛ فهو لا يمنع الفرد من منفعة حاضرة إلا ليمنحه سعادة أوسع ومصلحة أعظم.

ومن هنا استمد الإسلام فلسفة الطلاق وبنى مشروعيته عليها، وإذا ما تم الطلاق عن اقتناع وفكر – اللذين أتاحهما شرع الله في تنظيمه لذلك الطلاق - فإن ذلك الشرع الحكيم يظل بأحكامه مراعيًا مصلحة أولاد المطلقين من خلال أحكامه وتوجيهاته، ولذلك وضع الإسلام مسئولية الرعاية والعدل كي يضمن تحقيق مصلحة أولاد المطلقين والحفاظ عليها؛ وتتجسد هذه المسئولية في وجوب أداء عدد من الحقوق للأبناء منها:

الأمر الأول حق الأولاد في الرضاعة: لقوله تعالى: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ)، (البقرة آية 233) فواجب وأمر على الوالدة المطلقة تجاه طفلها الرضيع، وللوالدة في مقابل ما فرضه الله عليها حق على والد الطفل أن يرزقها ويكسوها بالمعروف؛ فكلاهما شريك في التبعة، وكلاهما مسئول تجاه الصغير الرضيع، ولا ينبغي أن يتخذ أحد الوالدين من الطفل سببًا لمضارة الآخر.

الأمر الثاني حق الأولاد في الحضانة: لما كانت النساء أعرف بالتربية وأقدر عليها وأصبر، وتحدد سن التمييز سبع سنوات، أما إذا كان الولد مميزًا فقد اختلف أهل العلم في الأحق بحضانته، فمنهم من قال بتخييره ذكرًا كان أو أنثى بين أبويه، ومنهم من منع التخيير، وفرق بين الذكر والأنثى؛ فخص الأم بحضانة الأنثى دون الذكر، ومحل الخلاف عندما تكون المصلحة متحققة للصغير؛ سواء حضنه الأب أم الأم، أما إذا كانت مصلحته ستفوت بحضانة أحدهما وتتحقق بحضانة الآخر؛ فحضانته لمن تتحقق مصلحته معه.

الأمر الثالث حق الأولاد في النفقة: وهو واقع بإجماع الأمة على الأب، متى توافرت شروط استحقاق الولد للنفقة؛ فلا يشارك الأب في الإنفاق على ولده أحد، ولا يسقط عنه واجب الإنفاق على ولده إلا عند العجز، أو عندما يكون معسرًا. وهذه النفقة المستحقة للأولاد واجبة يسأل الله المرء عن أدائها لمستحقيها؛ بل ويُلزم القضاء الأب بدفعها إن امتنع عن أدائها، وبهذا التشريع الحكيم لن يعاني أولاد المطلقين الحاجة والفقر؛ بل يجدون في النفقة - التي أوجبها الشارع الحكيم على أبيهم لهم - ما يسد عوزهم، وييسر لهم الحياة الكريمة.

الأمر الرابع حق الأولاد في التربية: حتى في الانفصال فهي فريضة شرعية، يسألهم الله عنها.

آثار نفسية للأولاد

وأشار د. الغريب، إلى الآثار النفسية التي يسببها الطلاق للزوجين أو الأبناء؛ فغالبا ما يشعر الزوجان المطلقان بالعديد من الصراعات الانفعالية، كالشعور بالوحدة وعدم الأمن والاستقرار، والحقد على الآخرين، وغالبا ما تنتاب كل واحد منهم مشاعر الاكتئاب، ولكن مع طول مدة الطلاق، ومساندة الآخرين يتحسن مستوى التوافق لديهم، ويستطيعون التغلب على هذه المشاعر الناتجة عن الطلاق، ويعود هذا بالتأثير السلبي على شخصية الأبناء وتوافقهم النفسي والاجتماعي؛ حيث إن غياب الأب ينعكس أثره سلبًا على إشباع بعض الحاجات النفسية للأبناء كالحاجة للحب والعطف والأمن والشعور بالانتماء، حيث يدرك الأبناء أن الأم هي المصدر الوحيد لإشباع هذه الحاجات لديهم، ومن ثم فهم يشعرون بالكراهية تجاه الأب، وعدم الشعور بالولاء له.

ويمر الطلاق على الأبناء بخمس مراحل: أولها إنكار الطلاق، والغضب، ومحاولة إعادة الأمر لما كان عليه، والاكتئاب، وقبول الأمر الواقع، ونجد كثيرًا من أبناء المطلقين يشعرون بالحرج والخجل حين يسألهم زملاؤهم عن أسرهم؛ بل إنهم قد يشعرون بالذنب، وينتج عن ذلك تشرد وضياع، يعقبه تشتت وفراق، وغالبًا ما يؤدي إلى انحراف للأطفال، ويصبح الولد بلا أم تحنو عليه، ولا أب يقوم على أمره، وذلك يدفعه للجريمة، ويتربى على الفساد والانحراف، وسيجعل الأبناء أكثر عدوانية.

الدكتور عبدالغني الغريب، أستاذ العقيدة والفلسفة، بجامعة الأزهر

لا يوجد اهتمام بالطفل

ويقول الدكتور مختار يونس أستاذ الإخراج السينمائي بالمعهد العالي لفنون الطفل، لا توجد أعمال فنية حتى الآن تبرز حقوق الطفل، أو لتوعية الأسر تجاه أبناءها في حالات الطلاق، فالإعلام الحالي للطفل مازال (إعلامًا ترفيهيًا)؛ وهو ما يتعارض مع إمكانات مصر كدولة نامية دولة (بناء)، وليست دولة (رخاء)؛ ولذا يجب أن يتحول (إعلام الطفل) أولًا إلى (الإعلام التربوي)؛ الذي يخاطب أطفال كل مرحلة عمرية على حدة، ويعبر عن مشكلاتهم المتعددة؛ وهذا يبرز حقوق الطفل التي ضيعها الطلاق.

وجدان الطفل

وطالب د. مختار، أن توجه الدولة، بالقيام بأعمال فنية لتوجيه وإرشاد وتوعية الأب والأم عن أضرار الطلاق، وهي الأعمال الفنية المنتظرة من خريجي المعهد العالي لفنون الطفل، وهو متخصص في ذلك، وبدأ في استقبال طلابه منذ أيام قليلة في الشهر الماضي، والذي يستهدف إعداد كوادره من الدارسين لإعادة تربية وجدان "Emotion" الطفل المصري؛ أي لإعادة تربية الانفعالات "Emotion"، والعواطف، والمشاعر، والأحاسيس، لدى الطفل المصري؛ سواء للأطفال من تلاميذ المدارس للتعليم العام والتعليم الفني؛ حتى مرحلة ما قبل الجامعة، أو "للأطفال بلا مأوى" الذين من بينهم أطفال المؤسسات الإصلاحية والأحداث، وغير الأسوياء ضحايا حالات الأسر المنكسرة، الذين هربوا من قسوة "زوجة الأب" أو من قسوة "زوج الأم" وهناك المؤسسات الإصلاحية التي تتلقفهم في المستقبل القريب (الإعلام التربوي)؛ ليقفوا على حقوقهم المسلوبة، كما تتم عمليات إعادة (تأهيلهم تربويًا) بواسطة (الإعلام التربوي الغائب مؤقتًا)، وإذا كان أكثر من 98% من سلوك الطفل اليومي سلوكًا (وجدانيًا) - بما فيه من سلوك إيجابي، وبما فيه من سلوك سلبي - أما سلوكه (العقلي) فنسبته قليلة جدًا.

الفنون السبعة

وأوضح د. مختار، أن الطفل ينقصه الفنون التعبيرية السبعة، وهو الإعلام التربوي الشامل مثل: (فن الفيلم السينمائي والتليفزيوني)، و(فن الموسيقى والغناء الفردي والجماعي)، و(فن المسرح بأشكاله المتعددة)، وفن (الأدب بأجناسه المتعددة)، و(الفنون التشكيلية) من صور ورسومات ومجسمات، و(فن الإيقاع التعبيري) الحركي الفردي والجماعي، و(فن العمارة والديكور)، وهي الفنون التي عليها تقديم (الإعلام التربوي الشامل) المدون إلكترونيًا والمرئي والمسموع والمقروء، والإعلام التربوي الشامل يرشد الوالدين بالامتناع عن الوسائل السلبية في التربية، كالتعدي بالضرب والإيذاء البدني والتعنيف والسب والإهانة؛ لأنها وسائل غير إيجابية في تربية الطفل وتنشئته.

وحذر د. مختار، المسئولين من استيراد أفلام الكارتون الأجنبية التي أشاعت العنف والرعب، والتي انتشرت؛ وهي بمثابة إعلام سلبي للطفل المصري سينمائيًا وتليفزيونيًا، وتغذي وجدان أي انفعالات وعواطف ومشاعر وأحاسيس للطفل المصري، وتوجد المشكلات الفردية التي أصبحت حاليًا من ظواهر عالم الطفولة والمراهقة؛ فباتت تهدد أمن المجتمع المصري مثل: الغش في الامتحانات، وظاهرة الدروس الخصوصية، وإهمال الواجبات المدرسية، والتدخين المبكر، والإدمان بكافة أشكاله، والتحرش الجنسي، والجنسية المثلية لدى كل من الإناث والذكور، ومشاهدة المواقع الإلكترونية الجنسية المخلة، والألعاب الإلكترونية الخطرة، والتنمر والتحرش الإلكتروني بالأطفال، وارتفاع حالات الانتحار، والزواج العرفي، والأطفال غير الشرعيين، وعادات التسكع على النواصي والمقاهي، وحالات التعدي والتنمر بين الأطفال والمراهقين، والتعدي على رموز المثل العليا كالآباء والأمهات والمربين في المدرسة، وهذه السلوكيات الوجدانية السلبية أصبحت مستهدفة.

وأثبتت الدراسات أن تنشيط الخلايا العصبية لنصفي مخ الطفل - سواء النصف الأيسر الخاص بالحفظ والتلقين، أو النصف الأيمن الخاص بالابتكار والإبداع - لا تغذيهما إلا الفنون التعبيرية وحدها؛ بما تمتلكه من أدوات إثراء وهو قابل للنمو، وإثراء وجدان وعقل الطفل.

الجديد في الأبحاث

وأشار مختار، إلى أن "ماريان دياموند" - أحد أهم علماء التشريح العصبي لنصفي المخ والتي قامت بها مع فريقها البحثي في أكبر المعامل التجريبية في "بيركلى" بجامعة كاليفورنيا - أثبتت أن تنشيط الخلايا العصبية لنصفي مخ الطفل؛ سواء النصف الأيسر الخاص بالحفظ والتلقين والاستظهار، أو النصف الأيمن الخاص بالابتكار والإبداع، والذي لا تغذيه إلا الفنون التعبيرية وحدها؛ بما تمتلكه من أدوات "لإثراء Enrichment" وتنشيط وتغذية نصفي المخ معًا، والذي لا يتحقق مرة ثانية بعد انقضاء مراحل الطفولة.

وأضاف د.مختار، أنه إذا كانت تجارب "ماريان دياموند" قد انتهت من أن العقل جسم "بلاستيكي لدن" قابل للنمو إذا ما أتيحت له البيئة الإثرائية التي من شأنها تنشيط نمو الخلايا العصبية لنصفي مخ الطفل؛ فهذا يعني إمكان مضاعفة ذكاءات الطفل؛ وهو ما يعني أن البيئة أهم من الوراثة، وهو ما يلقي بالمسؤولية على المتعاملين مع الطفل، الذين عليهم إثراء وجدان وعقل الطفل، ومضاعفة ذكاءه؛ حتى لا ينمو الطفل في بيئة محرومة من شأنها أن تذبل خلايا المخ وتضمره، وهو ما وضحته في كتابها "العقل وأشجاره السحرية"، ثم جاء بعد ذلك "جاردنر" الذي أثبت بنظرية "الذكاءات المتعددة" أنه توجد ذكاءات وجدانية، وذكاءات عقلية، ثم توالى العلماء بعد ذلك ليثبتوا أن هناك أكثر من (أربعمائة) (ذكاء وجداني)، ومثلهم تقريبًا من (الذكاءات العقلية)، ثم جاءت نظريتنا حول "المثيرات الدينامية" التي أثبتنا فيها أن لأطفال كل مرحلة عمرية مثيرات خاصة يمكننا استدعاؤها عندما نقدم أي من الفنون التعبيرية للطفل حتى نجذب اهتمامه الوجداني والعقلي؛ باعتبارها المقابلة لنقطة الهجوم "The point of attack" التي تستخدم لجذب الانتباه للكبار عند مشاهدة أفلامهم أو مسرحياتهم أو استعراضاتهم، وهو ما يؤكد أن أدوات الإثراء هي الأكثر تأثيرًا في مضاعفة ذكاءات الطفل؛ وهي الفنون التعبيرية التي ننتظرها من كوادر المعهد العالي لفنون الطفل في القريب بإذن الله، مع التنمية المستدامة لخطة 2020- 2030، وسيساعد ذلك في إيجاد أطفال أسوياء يخدمون أوطانهم، وإن كانوا قد حرموا من دفء وحنان الأسرة بسبب الطلاق.

الدكتور مختار يونس أستاذ الإخراج السينمائي بالمعهد العالي لفنون الطفل مع المحرر حسني كمال

فقه الأسرة

ويقول الدكتور أحمد كريمة، أستاذ الشريعة الإسلامية، بجامعة الأزهر، إن فقه الأسرة يرتكز على أمور عقائدية إسلامية وجوانب أخلاقية سلوكية، بغض النظر عن تقنينات قانونية أو غيرها، فالأمور العقائدية، أكدها الله عز وجل في قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل آية 90)، ويقوم على مبادئ أخلاقية، من الصدق، والرفق، والرحمة، فهذه الأمور، إذا تم الوفاء بها، أديت الحقوق على نحو ما رسمه الشارع الحكيم.

وبالنسبة لآثار الطلاق والحقوق المترتبة عليه: أكدها الله في قوله: (لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ۚ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا ۚ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) (الطلاق آية 7)، والنفقة هنا على حسب اليسار والإعسار، والمقنن راعى الأمور المجتمعية، بمعنى ألا يزيد ما يحسم من دخل الأب بالنسبة لأولاده على الثلث؛ لأن الإنسان مطالب بأمور أخرى، ومن هنا فالتكيف الفقهي، من الآثار والإيثار هو الملائم المحقق للعدل، وكما تقرر إذا كان الأب سببًا في الإيجاد، فلا يكون الأولاد سببًا في الإعدام، بمعنى أن يتحمل الأب ما لا يطيق.

المكائد بين الأزواج

وأوضح د. كريمة، أن لجوء الزوجة أو الزوج إلى المكائد، واختلاق الأزمات وتلفيق الاتهامات لتصفية الحسابات، ما هو إلا (عوار أخلاقي) لا ذنب للتشريع الإسلامي ولا لتقنيناته في هذا؛ لأنه من المفترض أن يتحلى الإنسان المسلم بمكارم الأخلاق، فإن الله يحب الرفق في الأمر كله.

قانون الرؤية

وأوضح د. كريمة، أما الرؤية بالنسبة للطفل المحضون، فإن الشارع الحكيم لم يحدد مرات للرؤية، إنما بحسب الاتفاق والعادة والتراضي، ثم إن الرؤية تكون حيث يقيم المحضون، دون عنت ولا إكراه ولا ترويع، فلم يجعل التشريع، الرؤية بالنسبة للمحضون في أقسام شرطة أو حدائق أو مكان أحزاب كما يفعل الآن، ولم ينزع التشريع حق ولاية الأب على أولاده في التربية والتعليم، حتى لو كان الأولاد في حضانة غيره، وبالنسبة للحضانة بوجه عام، فإن الشرع جعلها للعنصر النسائي في المقام الأول، دون غل يد الأب عن المتابعة لأولاده، فقد قال النبي، "صلى الله عليه وسلم"، للأم (أنت أحق به ما لم تنكحي)، وقال صلى الله عليه وسلم، (الخالة أم)، وقال سيدنا أبوبكر رضي الله عنه، لما أراد سيدنا عمر رضي الله عنه، أن تكون الحضانة له، حينما طلق زوجته، حيث تعلل عمر؛ لأنه يقدر على أن يطعم صغيره عسلا ولبنا، فقال له أبوبكر رضي الله عنه، إن ريحها وعرقها أحب وأشهى إليَّ من عسلك ولبنك يا عمر، وجعل الحضانة للأم.

وأضاف د. كريمة وللفقهاء شروط نفيسة، واجتهادات رصينة، تراعي جانب الطفل في المقام الأول، دون شطط فلا تضار أم بولدها، ولا يشقى أب بولده، ولكنه أمرٌ وسطٌ بين هذا وذاك، وفيما يتصل بآلية الإنفاق، فالجوانب الأخلاقية هي التي تحكم ما ينبغي أن تكون عليه الأسرة، حال بقاء العلاقة الزوجية، أو حال الانفصال، توخيًا للعدالة في أسمى صورها.

واختتم د. كريمة، ويجب لعلاج أي عوار في آثار الطلاق وما يترتب عليه في أمور النفقة والحضانة العودة إلى التشريع الإسلامي، دون تأثر بإملاءات أو توجهات، تفرض على الأسرة تحت دعاوى مسميات بعيدة عن الجو الإسلامي؛ لأن هذه الأمور ذات صلة بنصوص شرعية، وقواعد فقهية فمنها ما هو ثابت بالنص، ومنها ما هو سبيله الإجماع أو الاتفاق بين الفقهاء، ولا مجال لغير الفقهاء التدخل في شئون تنظيم هذه الأمور.

الدكتور أحمد كريمة أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر

دراسة على  أطفال الشوارع

رسالة دكتوراه في إجراء عينة على 200 حالة من الأطفال، حصل عليها الباحث الدكتور إسلام أحمد عوض، حول هؤلاء الأطفال المعرضين للخطر تحت عنوان: "المشكلاتُ الاجتماعيةُ والفيزيقية وعلاقتُها بإشباعِ حاجاتِ الأطفال المعرضينَ للخطرِ بمراكزِ الرعايةِ النَّهاريةِ"

وتضمنت الدراسة الأطفال المعرضين للخطر في المجتمع المصري، خاصة في الألفية الثالثة التي جاءت ومعها الكثير من انهيار القيم واهتزاز المثل، وهشاشة التقاليد، وغياب القدوة، وتعاظم ممارسة الانحرافات، وانتشار الجريمة، وضعف الإنتاج، وزيادة الاستهلاك، وإهدار قيمة التعليم، وانهيار قيم العمل المنتج في عصر العولمة، التي حملت معها أشياء لم تكن موجودة من قبل، "كالجريمة الزائفة"، مقابل "القهر الإنساني" و"الحقد الاجتماعي"، وسيادة العنف على الصعيد العالمي والقومي والمحلي.

وأثبتت الدراسة أن هؤلاء الأطفال هم نتاج لكل ما يحدث من ممارسة لجميع أشكال العنف بدءًا من الدولة العظمى، ومرورًا بمجتمعات العالم الثالث، وانتهاءً بالمجتمع المصري، الذي تُساء فيه معاملة الأطفال في الأسرة، وفي المدرسة، وفي وسائل الإعلام، وفي الشوارع، وحتى في الحواري والأزقة.

ظاهرة من أخطر الظواهر

وأوضح الدكتور إسلام أحمد عوض، أن هذه المشكلة واحدة من أهمِّ الظواهر الاجتماعية السلبية الآخذة في النموِّ في مصر بشكل ملحوظ، ولقد ساعد على نموِّها العديد من التغيرات الاجتماعية والاقتصادية المتلاحقة، التي حدثت في مصر خلال العقد الأخير من القرن العشرين، بالإضافة إلى أنَّ ظاهرة «أطفال بلا مأوى» وتزايدها المطرد يمثل كارثة حقيقية تهدد بقاء المجتمع واستقراره، وأنَّ هناك العديد من العوامل التي تتفاعل مع بعضِها بعضًا بطريقة تلقائية غير مقصودة، منها ما هو مرتبط بالدولة، ومنها ما يخص المجتمع، ومنها ما يعود إلى المؤسسات، بالإضافة إلى طبيعةِ المرحلة العمرية التي يمرُّ بها الأطفال، وتؤدِّي في محصلتها إلى تزايد معدلات وأشكال لجوء الأطفال إلى الشارع بطريقة تجعل منهم عقبةً تحدُّ من إمكانات المجتمع وقدرته على البقاء والتواصل، ويحتاجُ هؤلاءِ الأطفال إلى التأهيل الاجتماعي، ولا تتكامل هذه العملية إلا إذا سارت نحو تحقيق هدف محدد، وهو إعادة القدرة الوظيفية والإنتاجية للفرد مهنيًّا.

وركز الباحث على أنه لابد من استخدام مختلف الأساليب لتقويم سلوكيات أطفال الشوارع ، وسبل توجيههم وإرشادهم، بما يعمل على دمجهم في إطار اجتماعي يمكن من استغلال طاقاتهم، ويعمل على تنشئتهم على نحو سليم؛ خاصة أن قضايا الطفولة ومشكلاتها تعتبر من أهم القضايا التي يجب أن تحظى بالرعاية والاهتمام، ولعل من أهم المشكلات التي يمكن أن يواجهها المجتمع، وتؤثر سلبًا على الفرد والأسرة والمجتمع ظاهرة أطفال الشوارع ، كما تعتبر مراكز الرعاية النهارية – التي ترعى الأطفال المعرضين للخطر خلال فترة النهار - من أهم وأكثر الأدوات في الحد من تلك الظاهرة.

الحلول المناسبة

وفي نهاية الدراسة وضع الباحث الحلول المناسبة لهذه المشكلة، وكانت في إطار العولمة، وتمت صياغة هذه الحلول، ومن أهمها تبني سياسات الإصلاح الاقتصادي، وقد أدت هذه السياسات - باعتراف العالم كله - إلى عدد من الآثار السلبية خاصة على الفقراء، وكان من أهمها، الاستبعاد الاجتماعي لكثير من الفئات الاجتماعية الفقيرة من الحصول على الحقوق والفرص الاجتماعية والاقتصادية المتاحة في المجتمع.

وأشار الباحث إلى أن النساء والأطفال الفقراء هم أكثر الفئات تضررًا، وفي ضوء ذلك برز عدد من المشكلات الاجتماعية، التي شملت أساسًا أطفال الأسر الفقيرة والمعدمة، ومن أهمها عمالة الأطفال دون السن القانونية، والأطفال المعرضين للخطر؛ ونظرًا لأهمية مشكلة الأطفال المعرضين للخطر، تناولت دراسته عرضًا للثقافة الفرعية للأطفال المعرضين للخطر وسماتهم وقيمهم، والأسماء التي أطلقت عليهم، ثم عرضًا للأوضاع المعيشية والممارسات الشاذة والمخاطر التي يتعرضون لها.

كما تتضمن الحلول توفير الاحتياجات الأساسية للأطفال - بغض النظر عن الفوارق بينهم - وأهمية حصولهم على الرعاية اللازمة، والإعداد السليم في سن مبكرة، وحمايتهم من الأخطار المختلفة التي يمكن أن تصيبهم أو تؤثر فيهم، ولأن مرحلة الطفولة ذات أهمية كبرى في تكوين شخصية الفرد؛ فينبغي الاهتمام بالطفل خلال هذه المرحلة على وجه الخصوص، وتوفير البيئة الصحية، وتقديم الرعاية اللازمة له، والعمل على إشباع حاجاته وتعديل سلوكياته، كما أن الأسرة في كثير من الأحيان تتعرض لبعض الأزمات التي تؤثر على بنائها النفسي، والاجتماعي، مما يترتب عليه العديد من المشكلات، بالإضافة إلى أنها تخلق جوًا متوترًا يشيع بالأسرة، ويؤدي إلى تأثير سيئ وسلبي على الأطفال، مما قد يؤثر على سلوكياتهم، ويعرضهم للخطر، أو الانحراف.

أما مشكلة أطفال الشوارع ، أو أطفال في خطر، أو أطفال بلا مأوى، فهي قنبلة موقوتة وتعني أن فئة كبيرة من أبناء المجتمع في طريقهم إلى عالم الجريمة والانحراف، وما يترتب على ذلك من آثار في شتى الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والأمنية، وهي مشكلات آخذة في النمو، وخاصة في مصر، وأيضًا الدول الصناعية المتقدمة؛ لأسباب اقتصادية واجتماعية، أو سياسية، وأسرية، وبيئية، استخدمت هذه الدول العديد من الأساليب المختلفة في التعامل مع الأطفال المعرضين للخطر، وبالنظر إلى تعقد تلك المشكلة عمومًا، وتعدد العوامل المرتبطة بها، يبدو من الملائم التعامل معها بأسلوب يكون بدوره على درجة من الشمول والإحاطة، ويتناسب مع طبيعة هذه المشكلة، وتعدد متغيراتها، وقد يكون الأسلوب، أو الاتجاه الملائم لهذا الغرض تمامًا هو تفعيل وتطوير دور المؤسسات الإيوائية، ومراكز الرعاية النهارية في رعاية وإشباع حاجات الأطفال المعرضين للخطر.

أهم التوصيات

أوصى الباحث في رسالته للدكتوراه، بأن جميع الجهات المهتمة بالفرد من الناحية الاجتماعية، يجب أن يتولاها مختصون في النفس البشرية، ولدينا أعداد كبيرة من الشباب والفتيات المختصات في علم النفس والخدمة الاجتماعية، يجب الاستفادة منهم في كل المؤسسات التابعة للشئون الاجتماعية.

كما أوصى الباحث بأن تكون الدُور والمؤسسات - التي ترعى الأطفال المعرضين للخطر - تحت إشراف إدارات فنية يوجد بها استشاريون في الصحة النفسية، لوضع البرامج ومتابعة التنفيذ والتقييم والتصحيح، مع ضرورة العمل عَلَى توعية أسر الأطفال المعرضين للخطر بأساليب التربية والتنشئة الاجتماعية السليمة؛ بمعنى أنه لا للقسوة، أو ممارسة القمع، أو الضغط، أو القهر، أو العنف، ولا أيضًا للتدليل الزائد، وكلها أساليب تندرج تحت إساءة معاملة الأبناء.

وأوصى كذلك في دراسته بضرورة مراقبة أطفالنا، وتقييم تصرفاتهم، وتقويم سلوكياتهم في مختلف المواقف داخل مراكز الرعاية النَّهارية.
كما حظر الباحث من أن نبذ الأطفال المعرضين للخطر، وعزلهم عن باقي أطفال المجتمع، سيؤدي إلى أن يصبحوا عالة عَلَى المجتمع، ويملأهم الفساد والحقد عَلَى المجتمع الذي يضطهدهم؛ فيجب مساعدتهم عَلَى الاندماج والعيش الكريم.

كما أوصى بالاطلاع عَلَى التجارب المماثلة الناجحة في عديد من الدول التي تعاني من ظاهرة الأطفال المعرضين للخطر، بالإضافة إلى توجيه دعوة إلى جميع المسئولين؛ لتوفير كافة الاحتياجات والخدمات البيئية التي تدعم مراكز الرعاية النَّهارية، حتى تستطيع هذه المراكز تقديم خدماتها للأطفال المعرضين للخطر، ولابد من مراعاة البيئة الفيزيقية؛ التي تتمثل في توافر المساحات الواسعة، والتهوية والإضاءة الجيدة، وتخصيص أماكن للتخلص من القمامة، بالإضافة لوجود نظام جيد للصرف الصحي، وأن نعمل على توفير حدائق ومتنزهات، وأماكن يمارس فيها الأطفال المعرضون للخطر ألعابهم وهواياتهم، ومكتبات للقراءة، والاطلاع، ومراسم للإبداع، وممارسة كل أشكال الفن المختلفة، وتنوع الأجهزة التقنية والتكنولوجية الحديثة للتعليم والابتكار.

أوصى الباحث أيضا بإنشاء مراكز التدريب المهني التي تستطيع استيعاب هؤلاء الأطفال، الذين عجزوا عن استكمال مسيرتهم التعليمية والمهنية؛ وذلك لإعدادهم فنيًا لإجادة مهن حرفية، أو مهن أخرى تحتاج إليها سوق العمل، عَلَى أن يتم ذلك في ظروف تُلائم طبيعة المرحلة العمرية التي ينتمي إليها هؤلاء الأطفال، وأن تتوافر لهذه المراكز الإمكانات المادية، والفنية؛ لإعداد هؤلاء الأطفال للالتحاق بهذه المراكز.

كما أوصى بضرورة إخضاع العاملين - في دُور ومؤسسات رعاية الأطفال المعرضين للخطر - إلى دورات تدريبية، واختبارات نفسية توضح مدى قدرتهم عَلَى التعامل مع هذه الفئة؛ لأن هؤلاء الأطفال في الواقع يحتاجون إلى الجوانب العاطفية والنفسية أكثر من الجوانب المادية؛ لتعويضهم عن الحرمان الذي عانوه، ومعالجة المشكلات النفسية؛ لدفعهم إلى التواصل مع الآخرين، بالإضافة إلى التوسع في إنشاء دور مراكز الرعاية النَّهارية والمتكاملة، والاهتمام بالعاملين فيها ماديًا وفنيًا، والعمل عَلَى تأهيلهم تأهيلًا جيدًا، يليق بحجم الدور وقدر الأمانة التي يحملونها عَلَى عاتقهم.

الدكتور إسلام أحمد عوض

مادة إعلانية