خلُى الدماغ صاحي!

13-11-2019 | 20:28

 

إن من أعظم النعم التي اختص الله عز وجل بها الإنسان نعمة العقل، وميزه بها عن سائر المخلوقات، ومن الإعجاز العلمي أنه حتى اليوم عرف العلماء كيف يعمل المخ، لكنهم لم يتوصلوا إلى مكان وجود العقل!

ولأن الدماغ هو الذي يحتوى المخ، كما أن جملة وظائفه يتم التعبير عنها بمصطلح العقل، فإن أي تدمير للدماغ هو انتهاك صارخ للمخ ونقصان كبير في سلامة العقل.. ومن البشر من سخر عقله في الخير، ومنهم من وظفه أسوأ توظيف، فجلب على البشرية صنوفًا من الكوارث والمآسي، ومنهم من يسعى جاهدًا إلى تغييبه وتدميره، بالسجائر وتوابعها من المخدرات..

التدخين، بلا شك، أخطر منتج في تاريخ البشرية، فهو أسوأ اكتشاف عرفه كريستوفر كولومبس عن الهنود الحمر، ونقله البحار الفرنسي "نيكوت" عام 1559 إلى أوروبا، لذلك حملت المادة الرئيسية في التدخين عارًا اسمه "نيكوتين"، ومخطئ من ظن يومًا أن التدخين عادة، بل هو إدمان؛ لأن النيكوتين الموجود به يُسبب الإدمان الذي يُعد أول درجة في سلم الإدمان ، فهو البوابة الملكية الخضراء نحو الإدمان ، كل مُدمن بدأ رحلته نحو الإدمان بسيجارة..

برغم إجراءات وقوانين حظر التدخين في كثير من الأماكن العامة في كل دول العالم، تبقى المشكلة أن أعداد المدخنين تتزايد، وهم يكسرون اليوم حاجز المليار شخص، يموت منهم سنويًا نحو 7 ملايين شخص، منهم 900 بسبب التدخين السلبي!!

والمصيبة أن " تجارة الموت " ارتدت قناع العلم، حين اشترى عام 1970 فيليب موريس، صاحب إحدى كبرى شركات التبغ بأمريكا، معهد بحوث الصناعة والبيولوجيا في ألمانيا، لاستغلال علمائه في التحذير من أي تقدم علمي يكشف مخاطر التدخين!!، وحصر دوره في تسليط الضوء على مسببات أخرى للأمراض التي يسببها التدخين، والطريف أن العالم السويدي راجنر ريلاندر ـ أحد علماء المعهد ـ الذي كان يتركز دوره حول قضية التدخين السلبي كان عضوًا باللجنة القومية السويدية لحماية البيئة!

كثير من المدخنين مهما ذكرّتهم بالكوارث الصحية للتدخين، لا تجد منهم سوى إعراض، لكن لا بأس من تذكيرهم بأن السيجارة الواحدة تحمل مع كل نفس ما يزيد على 400 مادة سمية، 43 مادة مُسببة للسرطان، منها "الزرنيخ" الذي يضر بالقلب و"الفورمالديهايد" المُسبب لسرطان الحنجرة، وأن هناك علاقة وثيقة بين التدخين ونحو 27 مرضًا، أخطرها السدة الرئوية المزمنة، وأمراض القلب وسرطان الرئة.

ما يؤسف له أننا ـ ولا فخر ـ من أكثر الشعوب استهلاكًا للتبغ "17 مليار سيجارة سنويًا و45 طن معسل، والمصيبة أنها بنكهات الفاكهة!"، ينفث دخانها إلى الصدور، وفى الهواء 13 مليون مدخن، أما عن فاتورة علاج الأمراض المرتبطة بالتدخين، فربما تتجاوز 10 مليارات جنيه..

وفى الوقت الذي تتزايد فيه أعداد المدخنين في بلادنا، ولاية هاواي الأمريكية تدرس مقترحًا برلمانيًا تاريخيًا لرفع السن القانونية لشراء التبغ من 21 عامًا إلى 100 عام، بحيث لن يُسمح عام 2024 ببيع السجائر والتبغ إلا إلى الأشخاص الذين أتموا عامهم المائة!، ما يعني عمليًا منعًا تامًا للتدخين..

ولمن يظنون أن الشيشة أخف ضررًا من السيجارة، لستم على صواب، ومن يستهن بالأمر بأنه لا يدخن، لكنه يأخذ "نفسًا من الشيشة يوميًا"، فإن "نفس" الشيشة الواحد يعادل 9 سجائر!

أما السيجارة الإلكترونية التي اخترعها منتصف الستينيات "هيربرت جيلبرت"، بزعم أنها "بلا دخان.. وبدون تبغ"، ووجد فيها الكثيرون خطوة على طريق التوقف عن التدخين.

لكن دراسة حديثة في كلية بايلور للطب في أمريكا، حملت تحذيرات مؤكدة من خطورتها المحتملة على وظيفة الرئة وإضعاف قدرة الخلايا المناعية الموجودة في الرئتين على الاستجابة للعدوى الفيروسية..

وعلى خطى تدمير الدماغ يأتي الحشيش، كواحد من أطول المخدرات عمرًا من بعد السيجارة، ولنا في الشرق باع طويل في تعاطيه، بل وتصديره، وحين كان سعره يرتفع يتفنن مروجوه في بدائل أخرى، أذكر منها ما قاله لي صديقي الراحل د.على دياب أستاذ التحاليل والسموم في المركز القومي للبحوث إنه اكتشف خلطات من "روث البهائم" يتم تقديمها على أنها حشيش!!

وكثيرة هي الدراسات التي حذرت من مخاطر تعاطيه على الدماغ، منها أن سيجارة واحدة منه تغير تركيب دماغ المراهق، وأنه قد يؤثر سلبًا على مهارات التذكر والتفكير المنطقي والمشاعر العاطفية مثل مشاعر الخوف والقلق، كما أنه قد يعرّضهم مستقبلا للإصابة بمرض الفصام!

هذه التحذيرات تأتي في الوقت الذي تعتزم فيه بعض الدول التحرك في اتجاه إضفاء الشرعية القانونية على ما يُطلَق عليه حيازة الحشيش أو الماريجوانا - كما يسمونه في الغرب - لأغراض ترفيهية، والغريب أن يجد استخدامه ترحيبًا لدى البعض في بلادنا كعلاج للألم!

هذا الكلام يأتي بمناسبة الشهر العالمي، نوفمبر من كل عام، للتوعية بمخاطر سرطان الرئة، أكثر أنواع السرطانات شيوعا في العالم، الذي يقتل منفردًا أكثر مما تقتل سرطانات القولون والبروستاتا والمبيضين والثدي مجتمعين سنويًا، فـ80% من وفيات سرطان الرئة سببها التدخين، وهو المسئول الأول عن خُمس حالات السرطان.

فمن غير المعقول أن الدماغ، بمخه وعقله، الذي ميزنا الله به لنذكره ونشكره على نعمه، ونجعله في حالة يقظة دائمة، يجعله الملايين - طواعية بزعم المزاج أو هربًا من واقع مرير - مجرد "مدخنة" تغُيب العقل وتسلب معها الإرادة وتجلب الأمراض، وبدلًا من أن يكون العقل مناط التفكير سار مناط التدمير!

بصراحة، حتى نفك طلاسم حياتنا اليومية بكل تعقيداتها حاليًا، كل منا بحاجة لألف دماغ فايق، "مش دماغ واحدة وضايعة في الهلوسة" وياليتها تكفي!

مقالات اخري للكاتب

انحطاط غربي باسم الحرية!

في تحدٍ سافر لكل تعاليم الرسالات السماوية والسنن الكونية وللفطرة والنفوس السوية، تداولت إحدى وسائل الميديا الغربية قبل أيام فيديو يجب أن يستوقف كل ذي عقل ودين، رافضًا ومستنكرًا، بل ومحذرًا، حتى يبرئ ساحته ويمتلك حجته حين يسأل عن منكر لم ينكره..

الخطر القادم في "طائرة درون"!

ما أقسى أن تنهض من نومك فزعًا على صراخ سيدة في الشارع؛ وقد تعرضت للتو لخطف حقيبة يدها من مجرم مر بسيارته مسرعًا إلى جوارها..

خلُى الدماغ صاحي!

إن من أعظم النعم التي اختص الله عز وجل بها الإنسان نعمة العقل، وميزه بها عن سائر المخلوقات، ومن الإعجاز العلمي أنه حتى اليوم عرف العلماء كيف يعمل المخ، لكنهم لم يتوصلوا إلى مكان وجود العقل!

ممنوع دخول البشر!

لقرون طويلة ظلت الأسرة والمدرسة تلعبان دورًا أساسيًا فى تكوين مدارك الإنسان وثقافته، وفى تشكيل القيم والأخلاق التى يتمسك بها، أما اليوم فقد تلاشى دورهما وانتقل جزء كبير من هذا الدور إلى شبكات الإنترنت والهواتف المحمولة..

جنون "السيلفي"!

في الأساطير القديمة يروى أن شابًا وسيمًا اسمه نرسيس كانت تحبه جميع الفتيات، ولم يكن يعرف لماذا كل هذا الحب المهووس به، وكان كل ما يرجوه أن يتركه الجميع

مصريون على سطح القمر!!

"رافضك يا زماني.. يا مكاني.. أنا عايز أعيش في كوكب تاني"، جزء من أغنية الفنان مدحت صالح، يتحول إلى لوحات جرافيك خيالية، كما لو كانت فيلمًا من أفلام الخيال العلمي.