سد النهضة والدبلوماسية المصرية

11-11-2019 | 16:32

 

أدارت الدبلوماسية المصرية ملف أزمة سد النهضة بأسلوب هادئ ومرن، ربما لم يعجب البعض من أنصار استخدام القوى الصلبة في التعاطي مع الأزمة، والكشف من دون إبطاء عن أنياب وأظافر.. ونجحت هذه الدبلو

ماسية أخيرًا في إدخال طرف دولي، للمساهمة في التوصل إلى حل عادل للخلافات بين أطرافها الثلاثة..

وفات أصحاب التهديد والوعيد في الأزمة أنها تهديدات غير منطقية ولا تستقيم مع حقائق التاريخ وخطوط الجغرافيا، وتتغافل عن واقع أن مصر تترأس الاتحاد الإفريقي حاليًا، وساعدت تاريخيًا حركات التحرر الوطني الإفريقي خلال سنوات الخمسينيات والستينيات، وقدمت ولا تزال خبراتها ومساعداتها للدول الإفريقية..

ولا تنوي مصر الاكتفاء بهذا، إنما يترسخ في عقيدة الدولة المصرية مبدأ استمرار هذه المناهج والبرامج.. وهنا يكون من أشد الخطأ التفكير "عسكريا" في حل أزمة مع دولة إفريقية، ولا يمكن أن تندفع القاهرة، كما اندفعت قبل ست سنوات، في حديث عن الحرب السرية والعلنية ضد إثيوبيا لإثنائها عن استكمال مشروع سد النهضة.

ويتفق الرأي العام في مصر ومنذ وقت طويل على أن أديس أبابا استثمرت الحالة المصرية السائلة في أعقاب ثورة 25 يناير 2011 للبدء في مشروعها الضخم.. وهذا أكده الرئيس السيسي مرتين - على الأقل - في الأشهر الماضية.. وتتداول جلسات الرأي العام قصة تفيد بأن رئيس المخابرات العامة السابق اللواء عمر سليمان هدد أديس أبابا بضرب السد لحظة الشروع في حفر أساساته، في وقت استخدمت القاهرة شبكة علاقاتها الدولية في منع تمويل وبناء السد.. لكن قصة عمر سليمان ومثلها منع التمويل، تحتاجان إلى تدقيق وتأكيد، لكنهما متداولتان بقوة..

وضع الأساس والتمويل والبناء والتشييد أمور كلها حدثت وهي متواصلة، وما فعلته القاهرة أنها وقعت "إعلان مبادئ" وليس "إعلان موافقة" على بناء سد النهضة، وذلك الإعلان في الخرطوم في مارس 2015 يسجل في وثيقة رسمية للدول الثلاث حق إثيوبيا في التنمية والتحديث على أساس التفاهم والمنفعة المشتركة، وحقوق مصر والسودان التاريخية في مياه نهر النيل، واتفاق كل الأطراف علي التشاور وتبادل المعلومات في الدراسات الخاصة بعمل السد.. لذلك فهو "إعلان" مهم ولا يمثل أي تفريط أو تنازل من القاهرة عن حقوقها.. وواصلت مصر ضغطها لوضع الإعلان موضع التنفيذ، بينما واصلت أديس أبابا إضاعة الوقت وأصرت على الغموض وإطلاق تصريحات مطمئنة حينًا ومستفزة في كثير من الأحيان.

وبرغم وصول الأزمة إلى طريق مسدود، فإن الدبلوماسية المصرية صنفت الأزمة بأنها "فنية"، كما حددها وزير الخارجية سامح شكري، وأنها يجب ألا تسيس، وصارت تدفع نحو الحصول على طرف دولي مساعد..

وبينما تواصل الخارجية المصرية شرحها للأمر - وخصوصًا للأطراف الدولية التي تساهم في بناء السد - واستدعت سفراء دول ألمانيا والصين وإيطاليا، باسطة الأزمة وتفاصيلها، وعبرت عن استيائها من استمرار شركات هذه الدول في أعمال البناء من دون النظر إلى القواعد الدولية والأطراف المتضررة.

واستمرت الخارجية المصرية في تزويد عواصم العالم المؤثرة بكل المعلومات حول السد وخطورة حرمان مصر من حصتها التاريخية، أو إحداث ضرر جسيم لمصر؛ لأن مياه النيل بالنسبة لمصر هي مسألة حياة أو موت..

حتى جاء حديث الحشود بالملايين الذي طرحه رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد ضد مصر لو فكرت في حرب، وصحيح أن التصريح كان مرتبطًا بـ"لو فكرت" واقُتطع من سياقه، لكنه كان حديث حرب وليس حديث سلام.

وخطورة تصريحات تستهدف الاستهلاك المحلي أنها سلاح ذو حدين، فقد تجعل الداخل يغلي من دون مبرر، والخارج يقلق من دون داع، بينما لا ضرورة هنا لاستفزاز المتضررين. ولم أستغرب في ضوء سياسة العقل التي تمارسها الدولة المصرية قبول اعتذار أو توضيح آبي أحمد، فالمهم هو التوصل إلى أرضية مشتركة وتفاهمات..

ونعرف أن أديس أبابا رفضت وساطة خارجية من أي نوع.. لكن القاهرة استمرت في المطالبة بها، وأظن أن الخارجية المصرية نجحت في الحصول عليها؛ بدعوة أمريكية لوزراء الخارجية الثلاثة، وبحضور رئيس البنك الدولي .. وهذه خطوة كبيرة..

لن تسلم أديس أبابا بسهولة، فهي تريد بكل ما تستطيع إنهاء بناء السد وملء الخزان بأسرع ما يمكن، وتعتبر أي تدخل - خصوصًا من مصر - في تفاصيل البناء أو التخزين والتشغيل، تدخلًا في شئونها الوطنية..

وأظن أن مواصلة القاهرة النهج الدبلوماسي الرزين من الممكن أن يؤدي إلى تقارب في المسائل الفنية المتعلقة بفترة ملء الخزان، وبشيء من التفاهم في أعمال التشغيل.. ولكن ومع ممارسات وتشدد أديس أبابا في مفاوضات الأعوام السابقة، من الصعب التوصل إلى حد مقبول من التفاهمات من دون رعاية الطرف الدولي، وهو هنا الولايات المتحدة الأمريكية و البنك الدولي .. وهما الطرفان اللذان لا يعقل أن يوافقا على حرمان مصر من المياه للدرجة التي تجوع فيها وتعطش، مهما كانت المبررات.

ثم إن البنك الدولي صاحب الخبرات في البناء والتشييد منوط به أن يبدي رأيًا واضحًا في صحة أو خطأ ما يثار في الشارع المصري من أن عيوب التصميم في سد النهضة قد تجعله ينهار ويغرق السودان ومصر..

مقالات اخري للكاتب

أيام مع نجيب محفوظ (3)

لقد فرضت نوبل التزامات على الأستاذ نجيب محفوظ؛ شعر معها بأنه بات بالفعل موظفًا لدى جائزة نوبل، فقد اضطر إلى الارتباط بمواعيد مع عرب وأجانب وبإجراء حوارات

أيام مع نجيب محفوظ (2)

كنت أمتلك من القدرة أو الثقة في علاقتي بالأستاذ نجيب محفوظ ما يكفي لأنقل له هواجس - أو ما فهمت أنها هواجس - لدى مبدعين كبار شعروا بانجذاب النقاد على مختلف توجهاتهم من اليمين واليسار له، تاركين - إلا قليلًا - كبار الأدباء الآخرين، فضحك ضحكته المجلجلة، وقال لي: "أصل أنا نجيب محظوظ".

أيام مع نجيب محفوظ (1)

اتصلت بالأستاذ نجيب محفوظ على هاتف منزله لأخذ رأيه في تحقيق لمجلة "المصور".

نادية لطفي ودورها الوطني

تعرفت على الفنانة نادية لطفي وهي عائدة من بيروت، وكانت قد سافرت للمساهمة في كسر الحصار الإسرائيلي عن المقاومة الفلسطينية، ودعم صمود مخيمات اللاجئين الفلسطينيين ضد المذابح التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي وعملاؤه ضد المقاومة الفلسطينية، والتنديد بالاحتلال الإسرائيلي الغريب والمريب لعاصمة دولة عربية.

ضع حذاءك أمامك

ضع حذاءك أمامك

مرايا المدينة المنورة

يحتاج كاتب السيرة الذاتية إلى الكثير من الصدق والشجاعة والقدرة على التذكر، أو ذاكرة حديدية ترتقي لذاكرة صاحب "الأيام" الدكتور طه حسين.

[x]