"صبري سويلم".. الصحفي والإنسان الطيب الخلوق

11-11-2019 | 20:35

 

الطيبون يرحلون في صمت وبلا ضجيج، يأخذون قلوبنا معهم في رحلة أبدية، يتركون لنا الذكريات الحلوة الجميلة، التي تبقى أملاً في الحياة، ونورًا يضيء لنا الطريق، ومهما شغلتنا الدنيا بالسعي من أجل الرزق ومشاق الحياة، يبقى في الذاكرة رائحة هؤلاء الطيبين، الذين عطروا الأجواء برحيق أحاديثهم وأفعالهم الطيبة.

من هؤلاء صديقي وزميلي الكاتب الصحفي صبري سويلم، الذي رحل إلى رحاب الله العلي القدير، بعد أن أدى رسالته صحفيًا مهنيًا، نزيه اليد عف اللسان، طوال سنوات عمله في رحاب جريدة الأهرام العريقة.

صبري سويلم - لمن لا يعرفه من الزملاء بالأهرام وغيرها من مؤسساتنا الصحفية - كان - رحمه الله - على درجة عالية من المهنية والخُلق الطيب، زاملته في "الأهرام" واقتربنا أكثر وعملنا معًا في مجلة "زهرة الخليج" بأبوظبي في دولة الإمارات العربية المتحدة، عندما استدعانا للعمل هناك الصحفي الكبير الراحل "جلال الجويلي" فعرفته عن قرب، عرفت فيه الإنسان المحب للناس، والزملاء، الغيور على مهنيته، الساعي دائمًا إلى التجويد في عمله.

تخرج صبري سويلم في قسم الصحافة بكلية الآداب جامعة القاهرة، وهو من الدفعات الأولى التي تعلمت على أيدي أساتذة كبار، والتحق ب جريدة الأهرام فور تخرجه، حيث عمل بقسم سكرتارية التحرير الفنية مع أساتذة الإخراج الصحفي  في مصر "ماهر الدهبي"- رحمه الله، و"سمير صبحي" متعه الله بالصحة، عندما كان هذا القسم من الأقسام التي لها شأنها، ويحترم الجميع دوره كعصب للجريدة.

ثم انتقل إلى قسم التحقيقات الصحفية، ليعمل مع أساتذة التحقيق الصحفي في مصر "صلاح هلال"، ثم "محمد زايد"، واستمر يجري تحقيقاته التي تميزت بتناولها لمشكلات وقضايا الناس وهمومهم، إلى أن اختاره الأستاذ " إبراهيم نافع " رئيسًا لقسم المحافظات، فأحدث في هذه الصفحات نقلة نوعية تحسب له، كما عمل فترة بالشئون العربية.

وطوال رحلته الصحفية في الأهرام لم أر "صبري سويلم" محتدًا أو غاضبًا من أحد، كان يواجه المصاعب والمشكلات بابتسامة وقلب أبيض، كان متسامحًا إلى حد كبير، وهذا سر محبة الجميع له.

عندما تزاملنا أنا وهو في "زهرة الخليج" وصل هو قبلي إلى هناك بنحو أسبوعين، وأقمنا معًا في استراحة واحدة، إلى أن خُصصت شقة لكل منا، منذ أن عملنا معًا في المجلة النسائية الأولى في الخليج والجزيرة العربية حتى عاد إلى القاهرة، كان نعم الأخ والصديق، نعم تنافسنا في إجراء التحقيقات الصحفية، ولكنه كان تنافسًا شريفًا في مجتمع كان وقتها مغلقًا كان العمل الصحفي فيه شاقًا، كان يفرح جدًا ويبادرني متهلل الوجه عندما أكتب تحقيقًا أو حوارًا جيدًا، ويقول لي: أنت أصغر منى عمرًا، ولكنك صحفي حقيقي، وأنا سعيد جدًا بك، وهذه شيمة الصحفي المهني الذي لا يعرف قلبه الحقد أو الغل أو الحسد، ومن إنجازاته الصحفية في "زهرة الخليج" إصدار أول صفحات تعليمية بها بالتعاون مع تليفزيون أبوظبي، وتغطياته لعدد من المؤتمرات الخليجية، وإصداره صفحات خاصة بها؛ سواء في المجلة أو في الصفحة التي كنا نتولى في زهرة الخليج تحريرها بإشراف السيدة "عبلة النويس" رئيسة تحرير "زهرة الخليج" في ذلك الوقت.

كان وافر الجهد غزير العطاء مدة عمله بالمجلة، كان يعرف حق الزمالة، ولا يتحدث عن أحد بالسوء، وفجأة قرر العودة إلى مصر، إلى "الأهرام" التي كان هو أحد عشاقها، وعندما عدت أنا الآخر بعده بنحو ثلاث سنوات، وجدته على نفس الهمة والنشاط في العمل الصحفي، يعمل بنفس روح الشباب وخبرة الكبار، ولكن زحمة الحياة، منعتنا أن نتواصل أسريًا كما كنا في "أبوظبي"، خاصة مع انشغالي في عملي بالأهرام المسائي؛ حيث انقلبت حياتي، فقد كنت أعمل ليلاً إلا أننا كنا نكتفي بالاتصالات الهاتفية، ونطمئن على بعضنا، فقد كانت تجمعنا علاقة صداقة أسرية توثقت في "الإمارات"، كنت أتابع تحقيقاته وحواراته ومقالاته؛ حيث كان يكتب مقالًا أسبوعيًا" بعنوان "بالعربي" على صفحات الأهرام، وكنت أراه عندما أجد فرصة لزيارة الزملاء بجريدتي الأم إلى أن تمت إحالته إلى التقاعد.

ولأنه كان إنسانًا حييًا، متواضعًا قلت زياراته إلى "الأهرام" وقلت رؤيتي له، وفي السنوات الأخيرة من مسيرته، كان عندما يراني في نقابة الصحفيين، كان يلقاني مرحبًا مُهَلِّلاً، ويُصر على أن أجلس معه في ركن الرواد نستعيد ذكريات الماضي الجميل، وأيام عملنا في الأهرام وفي زهرة الخليج، ونترحم على المهنية التي غابت، ونتمنى عودة الأيام لنعوض ما فاتنا من عطاء.. رحم الله "صبري سويلم" الصحفي والإنسان الطيب الخلوق.

Dr.ismail52@gmail.com

مقالات اخري للكاتب

صلاح منتصر .. حلواني الصحافة المصرية

من الصحفيين الكبار الذين تشرفت بالعمل معهم والتعلم منهم خلال رحلتي الصحفية بجريدة الأهرام، الكاتب الصحفي الكبير الأستاذ صلاح منتصر، الذي يظل أحد الأسماء

عبدالعليم المهدي.. الصحفي الصوفي الزاهد

ليس الأستاذ هو من علمك مهنة أو حرفة أو أضاف إليك معلومة فقط، فالأستاذية معنى كبير وواسع ويمتد أثره ومفعوله بامتداد حياتنا، فكل لحظة في حياتك تكتسب فيها

جلال الجويلي.. ملك الصحافة الخفيفة

خلال مسيرتي الصحفية الطويلة التي بدأتها عمليًا بجريدة الأهرام منذ يناير 1976، تعلمت من كثيرين، أضافوا إلىَّ الكثير، من هؤلاء الصحفي الراحل "جلال الجويلي" الذي يُعد بحق أحد تلامذة العبقري "كمال الملاخ"، وكان هو الوحيد الذي يستطيع تقليد خط الملاخ، خاصة عنوان مانشيت الصفحة الأخيرة "بدون عنوان".

صابر عيد.. جواهرجي الصحافة

قليلون هم من يضعهم الله في طريقنا، ويكون وجودهم نعيمًا وبشرة خير وطاقة نور وجرعة تفاؤل، ومن هؤلاء الأستاذ "صابر عيد"؛ هذا الرجل صاحب أسلوب أدبي لا يقل

"حسين فتح الله".. الصحفي الكبير الذي لم يأخذ حقه

في زحمة الحياة، وفي مصر بالذات تذوب رفقة العمر، وتضيع معالم أيام الشباب، تغيب تلك الذكريات الجميلة خلف غيوم وضباب مشكلات المعيشة اليومية، التي لا تسمح باستعادة لحظات الصداقة البريئة، وشقاوة أيام الدراسة والزمالة، إلا كشريط سينمائي عابر، حتى بين الزملاء والأصدقاء الذين جمعهم مكان واحد،

سامي دياب.. ودروس في مهنة القلم

في زمننا كان هناك أساتذة يحبون تلامذتهم، ويعاملونهم معاملة الأبناء، يتعهدونهم بالرعاية والتوجيه، ولا يبخلون عليهم أو يضنون بما تعلّـموه، لأنهم كانوا يرون

الأكثر قراءة