الصين .. وأستاذ الجغرافيا السياسية

10-11-2019 | 19:43

 

في هذه الأيام المباركة، التي نحتفل فيها بالمولد النبوي الشريف، غمرني معلم الأجيال القدير - الأستاذ العلامة الدكتور عمر الفاروق وهو أستاذ كرسي الجغرافيا السياسية بكلية الآداب جامعة عين شمس - بفيض من كرمه، بتعليق مكتوب بخط يده، بعد قراءته لكتاب، صدر لي الشهر الماضي، بعنوان: "70 عامًا من المعجزات"، كان لـ "

الأهرام.aspx'> بوابة الأهرام " الموقرة السبق في نشر فصوله على مدار أكثر من عام.

ولما كان تعقيب الدكتور الفاروق على الكتاب يعتبر حجة يعتد بها، وإضافة لإسهاماته العلمية والأكاديمية القيمة، فإنني أستأذن القارئ الكريم في نشر أهم ما جاء فيه:

سمعت منذ طفولتي عبارة: "اطلبوا العلم ولو في الصين "، وسمعتها بعد ذلك في مناسبات شتى طوال عشرات السنين...

نعم .. اطلبوا العلم ولو في الصين ، وطلب العلم ليس دعوة طارئة في الإسلام، بل في لبه تمامًا، مثل الفروض، بمثابة طاقة تبطن كل مثال وجميل.. طاقة سمحة حلوة..

اطلبوا العلم.. في كل زمان ومكان وصلت بالدعوة إلى سور الصين ، وتجاوزت بها الجبال والهضاب من المدينة المنورة.. إلى التركستان وبحر الصين .. إنها ليست تجارة هذه العصور، وليست الخيول والرماح والدروع.. بل هي في طلب العلم من أقصى مكان معروف؟!!

2- ثم وجدتني منغمسًا بعد ذلك بحكم تخصصي في قراءات واسعة عن طريق الحرير، شملت مناطق العالم ودروبه جميعًا تقريبًا.. طوال العصور الوسطى وفي القلب منه جغرافيا العالم الإسلامي العريض، وفي لبه مصر المماليك.

ويمكن القول إن هذا الطريق قد بات عالميًا بمقياس وقته، وأنه بمثابة الثورة التجارية الأولى في التاريخ.. هذه التي سبقت الثورة التجارية الثانية، التي أعقبت الكشوف الجغرافية بعد ماجلان، وبها اكتملت صورة العالمين القديم والجديد.

ومن يراجع خرائط الطريق وشعابه يتبين بوضوح أنها تتوزع بصفة أساسية.. بين بحر الصين والبحر المتوسط ثم أوروبا الوسطى.. وكأنها أسهم تدل على اتجاهات الامتداد والترامي.. وأن الخليج العربي والبحر الأحمر مثل علامات الإرشاد تتوسطها المواني والأسواق مثل منارات لهداية السفن عبر المحيطات والبحار..

بداية من مجموعة المواني الصين ية على المحيط ، ثم وفي الخاصرة تمامًا مواني بحر العرب والمحيط الهندي والخليج العربي/ الفارسي إلى بحار بيكال وبالكاش وقزوين، وفي الوسط الصحراوي دروب صحراوات شبه الجزيرة والعراق والشام.. تتلألأ في هوامشها مدن العصور الوسطى الإسلامية وأسواقها العامرة بين عمان وعدن والسويس.. متواصلة بعد ذلك إلى مواني جنوب أوروبا والبرتغال..

وتداعبها أمواج المحيط الأطلسي قبل اكتشاف العالم الجديد، وقبل أن يكشف الستار عما تخبئه الأقدار من تراجيديات الصراع بين القوى المتنافسة، والصراع خلف الأفق وراء الستار والغيب المتواري.. يغبى بالبخار والآلات والمخترعات، منذرًا بمستقبل نعانيه بأنفسنا الآن.

كان ذلك كافيًا في نظري لأن تطوى صفحة العصور الوسطى.. وتستهل فصول العصر الحديث، هذا الذي أفصحت ظواهره.. بعد مؤتمر برلين عام 1882، عن رأسمالية أوروبية- أمريكية يتكون قاموسه من مفردات السلاح والبنوك والاستعمار والحروب، وتدمير الأيكولوجيات، والمنافسات المتوحشة مما نعيشه ونعانيه.. وأسدل الستار على حلم الحرير .

3- وفي سياق البحث عن الصين .. وجدتها ومعها العالم الإسلامي في غاية من الإنهاك، من بعد هيمنة حضارية طوال العصور الوسطى على العالم القديم.. تجلت خلالها الدولة العباسية المترامية، كما سيطرت الصين على تجارته بواسطة ما عرف بطريق الحرير، الذي كانت مفاتيحه في قبضة الصين بفضل تضافر مجموعة من المقومات الطبيعية تهيأت لها في دلتاوات أنهارها وشبكاتها المنتهية جنوبًا في المحيط، متمثلة في شبكات أنهار: الهووانج هو واليانج تسي كيانج والسي كيانج، وغيرها، بدلتاواتها المهولة، وما منحته هذه الأيكولوجية الفريدة (المياه – الدلتاوات المناخ) لازدهار الغابات الكثيفة لشجرة التوت.

وما توافر لها من عشرات الملايين من الفلاحين من سكان قرى هذا الريف، وتوثقت العرى بين شجرة التوت والفلاح لعشرات الآلاف من السنين.. عكفوا على تحسين الإنتاج في البيوت، وسرعان ما تدفقت فوائضها إلى بقية أنحاء الريف في علاقات عضوية ميسرة وقليلة التكاليف عابرة الجبال والهضاب والسهول بواسطة قوافل الدواب والملاحة النهرية بما يعد أكبر أيكولوجية طبيعية بشرية (الدلتاوات – الفلاحين- القرون) ولم يكن هناك أشد توفيقًا من هذه التوليفة العضوية في مناطق الإنتاج، وبينها وبين الظهير التسويقي القريب والبعيد.

هذا الذي ترامت أبعاده المكانية إلى كل مكان متاح.. في هذا الزمان، فقد صادف ثورة إنتاج الحرير فترات من السلام والرفاهية في كل أنحاء العالم المعروف.. في مرحلة غير مسبوقة ولا ملحوقة في العالمين الإسلامي والمسيحي، فضلا عن تطور وسائل النقل والمواصلات (القوافل والبوصلات)، وتكاملت الأيكولوجيات الطبيعية والبشرية والحضارية فيما يشبه حالة تاريخية نادرة قوامها التكامل والتعاون والسلام.

4- على أن هذه القراءة السريعة.. ليست لما تضمنه الكتاب من فصول.. بل هي فقط من وحي متنه الزاخر بالتفصيلات عن الصين في عصرها الحديث.

فكما يدل عنوانه: "70 عامًا من المعجزات".. فإن سطوره تتوجه إلى الكشف عن أسرار التجربة التي تجري تحت عيون العالم من ثورة الصين وتحررها داخليًا وخارجيًا، وصعودها المشهود إلى ذروة مرحلة ما بعد الاستعمار.. وتسنمها قمة العالم النامي منذ عدة عقود، وبروزها كنموذج مجابه لقوى الاستعمار منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية.. وصعوده الوطيد من بعد وهذه حرب الأفيون 1841.. إلى مرتبة القوة الاقتصادية العالمية الثانية.. دون تردد أو تراجع.

وقد قدر لي منذ الخمسينيات أن أطالع في شغف لا يزال يشحن وجداني، كتابًا عن المسيرة الكبرى التي استهلت بها الصين عصرها الحديث.. ومؤلفه الأستاذ محمد عودة.. وقد فقدته للأسف من كثرة ما أهديته للأصدقاء والزملاء طوال هذه السنين، وأرجو من قلبي وعقلي أن تعاد طباعته ونشره من جهة ما؛ حيث لا يزال صدى حنيني إليه يتردد في حنايا صدري، ويروي فيه الأستاذ عودة سيرة الثورة الصين ية من خلال هذه المسيرة التي تشمم فيها الصين شبرًا شبرًا أو على وجه التحديد قرية من بعد قرية في طول الصين وعرضها.

قبل أن يعلن قيام الصين الحديثة في سنة 1949، ومن بعدها عاصرت في صباي المتفتح تتابع حركات التحرير.. والخروج الكبير للدول الإفريقية والعربية من ربقة الاستعمار.. ويا لها من سنوات توجها مؤتمر باندونج، وما زلت أذكر زيارة شواين لاي لمصر عبدالناصر.. وإقامته الطويلة في القاهرة.. التي لا تزال محلًا للتساؤلات حتى الآن..

وهذه الأيام التي تأججت خلالها أساطير لومومبا وجيفارا ونهرو وناصر ونكروما التي عطرت هذه السنوات بما لا ينسى مدى الحياة.

وأعود فأذكر أن كتاب  "70 عامًا من المعجزات" قد أعادني إلى هذه الأيام التي طويت ولن تعود وذكرني بما يمكن أن تثمره ثورات الشعوب في ظل القيادات المخلصة لها وللفقراء.

شكرا للأستاذ الدكتور العلامة الجليل الدكتورعمر الفاروق على هذه الإطلالة القيمة وعلى هذا التعقيب الفريد.

Kgaballa@ahram.org.eg

مقالات اخري للكاتب

"رييوا" في المرصدين الياباني والمصري

أتوقف اليوم عند ثلاثة من الآراء القيمة، التي تلقيتها، وسمعتها، بنفسي، تعقيبًا على المقالتين السابقتين، قبل الاسترسال في كتابة مشاهدات ومعطيات، رصدتها -

مؤشرات قوية لاعتلاء امرأة عرش اليابان

مهما كتبت من أوصاف خيالية، وعبرت عن مشاعر فياضة، لن أوفى اليابان حقها المشروع، في التفرد الجغرافي، والتميز الإنساني،والرقي الحضاري، الذي يتخطى- في معانيه- أقصى درجات الإبهار، المعروفة، في عالمنا المعاصر.

إطلالة على عصر جديد في اليابان

ماذا تخبئ الأقدار لليابان في عصر"رييوا" الجديد؟ هذا السؤال ظل يطاردني، ورددته، بإلحاح، على كل من صادفته طوال الأسبوع، الذي أمضيته في اليابان أوائل شهر نوفمبر الحالي.

الصين .. وأستاذ الجغرافيا السياسية

في هذه الأيام المباركة، التي نحتفل فيها بالمولد النبوي الشريف، غمرني معلم الأجيال القدير - الأستاذ العلامة الدكتور عمر الفاروق هو أستاذ كرسي الجغرافيا

العاصمة الإدارية.. ليلة صينية بألف ليلة

في ختام سلسلة من المقالات، كتبتها ـ هنا - عن النهضة العمرانية الهائلة، التى تشهدها العاصمة الإدارية، وقدمت فيها مشاهداتى الميدانية والشخصية، عن حجم الإنجاز

العاصمة الإدارية هي الحل

بشهادة الأستاذ مكرم محمد أحمد، رئيس المجلس الأعلى للإعلام، فقد غرقت قاهرة المعز "في شبر ميه"، ولم تعد مؤهلة لاستقبال حفنة من الأمطار.. بالتالي، لم يعد أمامنا أي مفر سوى الامتثال لقرار بناء عاصمة إدارية جديدة، والإسراع في تشييدها وتسليمها، مهما تعددت الرؤى، وتباينت الاجتهادات حول الأولويات.