في اليوم العالمي للعمران.. صيد السمان يحول رأس البر لمصيف | صور

8-11-2019 | 16:23

رأس البر

 

محمود الدسوقي

الزمن: 1902م، المكان: منطقة يطلق عليها الصيادين "المصب في دمياط". في ذلك المكان والزمان كان ينصب صيادو السمان أفخاخهم لصيد الطائر الذي يهاجر شتاءا لإفريقيا، والذي يطلق عليه في بعض الأحيان "السلوى" لعذوبة صوته، ولم تكن ظهرت بعد الأدوات الحديثة في الصيد، إلا أن صائدي السمان المحنكين يعرفون كيف ينصبون المصدات للطائر القادم من بلاد بعيدة، والمصاب بالإنهاك والتعب في رحلته الطويلة، ويعرفون أنواعه وأجناسه جيدًا مثل السمان الأوروبي وغيره، بل ويعرفون ألوانه المتنوعة ما بين الأبيض والبني.

ويحتفل العالم اليوم الجمعة، ب اليوم العالمي للعمران ، حيث تحتفل به 30 دولة مختلفة في أربع قارات من العالم، في مثل هذا اليوم 8 من شهر نوفمبر من كل عام لتشجيع وتعزيز دور التخطيط في خلق مجتمعات صالحة للعيش في كوكبنا، وذلك بعد تحذيرات الأمم المتحدة أنه بحلول عام 2030 سيعيش ستة من كل 10 أشخاص بالمدن، ولكن سوء التخطيط جعل التوزيع السكاني عشوائي بالدول، فانتشرت الأحياء الفقيرة وأصبح الحصول على الخدمات شاقا وتدهورت البيئة، وتزايد التفاوت الطبقي والفصل العنصري، وهو ما يسعى يوم العمران لمحوه بخطط تدريجيًا.

وأطلق  اليوم العالمي للعمران "كارلوس ماريا"، في جامعة بينوس عندما تأمل الخراب الذي حل بالعالم جراء تطاحن القوى الكبرى، وما خلفه ذلك من دمار للحجر والبشر إبان الحرب العالمية الثانية ويعد "يوم التخطيط العمراني" فرصة لتسليط الضوء على الإسهامات القيمة للتخطيط السليم الذي قدمه المخططون، ومشاريع التخطيط لتنمية وتحفيز التنمية المستدامة للمستوطنات البشرية.

وتنشر "بوابة الأهرام" قصة التخطيط الشعبي لمصيف رأس البر تزامنا مع هذا اليوم، ففي عام 1902م كان الصيادون للسمان يقومون بتربيته لإنتاج البيض الوفير ولحمه الوفي، وبعضهم يقومون ببيعه في الأسواق، وعلى الجانب الآخر كان صيادو سمك السردين في منطقة المصب يلقون بشباكهم على البحر أيضًا وبمرور الوقت اخترع أحدهم في البقعة الجغرافية التي تعرف في زماننا برأس البر، أن يضع أكواخًا في المكان وقاية له من الشمس الحارقة وهو ينصب الفخ والمصدات للصيد ويراقب الطيور المهاجرة ثم تبعه عشرات من الصيادين.

كانت الأكواخ هي البداية الحقيقية لأن تتحول رأس البر لمكان يذهب له الأهالي في أعياد شم النسيم وقررت عائلات معروفة بدمياط فجأة في عام 1902م أن يمضوا وقت الصيف في المصب ليس ل صيد السمان فقط والسردين، ولكن للإقامة حيث قامت كل عائلة بتأسيس كوخ لها في المنطقة مما حدا بالحكومة أن تقوم بتعيين حراسة لراحة المصطافين الذين يقبعون أمام البحر من أبناء عائلات دمياط الذين قاموا بدفع أجرة 20 قرشا لكل جندي يقوم بحراسة الأكواخ.

انشأت في البداية 10 أكواخ مزود منها كل كوخ بزير من الفخار، وكان المصطافون يقومون بترويق وتطهير مياه الزير بمسحوق لباب المشمش المحمص، واستمر الوضع علي ذلك ما بين صيد للسمان وللسردين ومابين ترفيه ومصيف حتي لاحظ الأجانب جمالية المكان الذي يرتادوه صيادي السمان " السلوي " فقرروا الاهتداء بالمصريين.

الأجانب كانوا يقضون عطلة الأسبوع في المصب هم ونساؤهم وأطفالهم ، وقد حملوا معهم معدات الطعام فإذا مالت الشمس للغروب عادوا للقوارب إلى دمياط واشتهرت البقعة وموقعها الفريد حتي زاعت شهرتها في عموم مصر.

الصياد أبوخليل عام 1950 أجرى حوارًا صحفيًا مع مجلة "الإثنين والدنيا" عام 1950م حيث تولى أبوخليل منصب عمدة رأس البر ليس بالانتخاب ولا بالتعيين، ولكن بطول مدة بقائه كصياد في المنطقة مما جعله يحوز لقب مؤرخ رأس البر التي حولها الصيادين للسمان لأهم مصيف في مصر.

أبوخليل الصياد والمؤرخ، أكد للصحف أن في مذكراته الكثير من تاريخ منطقة المصب "رأس البر" حيث عدد الأكواخ تضاعف بمرور الوقت في منطقة المصب منذ عام 1902م وتطور شكل الأكواخ أيضاً لتصير عبارة عن عشعش متكاملة تشيد بالرمال وتضاء بمصابيح البترول الصغيرة ، وكانت دورات المياه فيها بدائية ما جعل الناموس والذباب والهوام يتوالدون فيها بكثرة فيتقيه المصطافون بالناموسيات ينصوبونها فوق السراير.

وأكد أبوخليل أنه حين بلغ عدد العشعش نحو 80 عشة قررت بلدية دمياط إلي إعادة تنظيم رأس البر وتزويدها بوابور للمطافى ونقطة للشرطة، وفكر أحد الفرنسيين وهو المسيو كورتيل في إنشاء فندق في رأس البر وكان هو بداية ازدهار لرأس البر.

حتى إذا أعلنت الحرب العالمية الأولي عام 1914-1918م وتوقف السفر في أنحاء العالم ازداد إقبال الأهالي علي رأس البر وتزايد أعداد العشعش حتى أصبحت تتسع لنحو 50 ألف مصطاف ليتحول المصب من مكان ل صيد السمان والطيور المهاجرة لتاريخ محفور في التخطيط الشعبي لتعمير المناطق.