"نار الحشيش" تحرق حرم الجامعة.. وسقوط هيبة الأستاذ تفجر أزمة التعليم.. خبراء: نعيش ظاهرة "أفول العقل"

9-11-2019 | 13:44

سيجارة الحشيش

 

داليا عطية

ما الذى أصاب العلاقة بين الطالب وأستاذه؟، ولماذا ضاعت هيبة الأستاذ؟، وكيف صارت الجامعات بلا حرمة؟، وقاعات العلم بلا قداسة؟.. إنها أزمة تعليم وقيم وأخلاق تضرب فى مجتمعنا وتنسف إرث حضارتنا ومبادئنا..

.. واقعتان حدثتا قبل أيام فى قاعة محاضرات كلية تجارة طنطا بين عميد كلية الحقوق الذى دخل ليلقى محاضرة فى القانون التجارى – كفيلتان بنسف أى حديث عن تطوير التعليم ويفرضان على الدولة التحرك اليوم قبل الغد لوقف هذه السلوكيات وضرب تلك التجاوزات.. طالب يدخن السجائر المحشوة بمخدر الحشيش أثناء محاضرة القانون التجارى وحين يكتشفه الأستاذ فما كان من الطالب سوى أن ينهر أستاذه ويتحداه بالقول: "أيوه بشرب وهشرب عشر سجائر أخرى، واللى معاك اعمله".. وطالبة فى نفس المحاضرة تتحدث فى التليفون وحين يطلب منها أستاذ القانون التوقف عن المحادثة أو أن تخرج من المحاضرة فما كان منها إلا أن تتطاول على أستاذها وتقول: "والله أنا هاوريك".

الجامعة اكتفت بإصدار بيان بالواقعتين بعد تداولهما بالصوت والصورة على مواقع التواصل الاجتماعى، وأكدت إحالة الطالب والطالبة للتحقيق، والذى أثبت صحة ما حدث وأحيل الأمر لرئيس الجامعة الذى لم يتخذ أى إجراء حتى كتابة هذه السطور.

هذه الوقائع التى تلطخ ثوب التعليم فى مصر لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة طالما غاب القانون وتوارت القيم تحت أقدام العابثين لكن يبقى ملف أزمة الأخلاق مفتوحا فى مجتمع يبحث عن تقدم لن يتحقق إلا عبر تعليم  يعلي قيم التربية قبل التعليم.

خبراء الاجتماع قالوا لـ"بوابة الأهرام"، إن مثل هذه الوقائع تعكس حالة من التوتر وعدم الاتزان في العلاقة بين الطالب والمعلم، حيث تراجع قيمة الأخير والاستهانة بما يقدمه مطالبين بحزمة من الإجراءات الرادعة لتنظيم العلاقة بين الطالب والمعلم، إضافة إلى حظر التدخين بالحرم الجامعي قائلين: "الجامعة ليست قهوة".

أفول العقل
الدكتور حسن الببلاوي، أستاذ علم الاجتماع التربوي، يقول إن المجتمع يعيش ظاهرة "أفول العقل" في الثقافة المصرية، حيث انكماش التفكير العقلاني وسيادة التفكير المناهض للعقل ما يترتب عليه فقدان للقيم الإنسانية التي تميز المجتمعات المتقدمة.


وحول أسباب وجود هذه الظاهرة "أفول العقل"، يشير أسباب انتشار العنف والقتل الذي استشرى في المنطقة العربية وظهور الفكر المتطرف والحركات الداعشية ما نتج عنه توتر لغة الحوار وسيادة لغة العنف وإقصاء الآخر، الأمر الذي ينعكس بالسلب على عقلية الناشئين من الأطفال والشباب واليافعين في تكوين رؤيتهم وإدراكهم ما يؤدي إلى "أفول كامل للعقل".


وبحسب رؤيته يتمثل العلاج في ضرورة إيقاظ العقل في مصر من خلال تنمية ثقافية تأخذ مسارًا جديدًا لتعزيز التفكير العقلاني المستنير: "ليس أمامنا إلا ثقافة التنوير"، لافتًا إلى حديث الرئيس السيسي الدائم عن بناء الإنسان والإصلاح الديني ومصر الجديدة، وأنه لابد من التفاف مثقفي مصر حول هذه القواعد الثلاث التي تؤسس لمجتمع متقدم على كافة الأصعدة.


ويشير إلى الأجهزة الثقافية الموجودة في المجتمع، وكذلك نخبة المثقفين كمسئول عن معالجة الظاهرة، مؤكدًا أن معظم هذه النخبة تركت مهمتها في القيادة الفكرية والثقافية للمجتمع وذهبت تتحدث في موضوعات أخرى بعيدة كل البعد عن احتياجاته الحقيقية بل إن هناك موضوعات تؤثر سلبًا على تقدم المجتمع أي تكون داعمة للتخلف الثقافي والفكري وبالتالي السلوكي قائلًا: "إذا تخلفت نخبة المثقفين عن بناء الإنسان ومصر الجديدة وإصلاح الخطاب الديني سوف يصبح المجتمع نهبًا تقتنصه الأصولية الظلامية والفكر المتخلف في كل المجالات".


ويصف أستاذ علم الاجتماع التربوي الجيل الحالي أنه يتنفس ثقافة غير جيدة، لافتًا إلى أنه بالرغم من أن الطلاب المتجاوزين أدب الحوار مع أساتذتهم يرتكبون خطأ يستوجب المعاقبة الرادعة إلا أنهم للأسف ضحايا نخبة المثقفين الذين أغفلوا المجتمع حقه في التنوير والتوعية ما نتج عنه انتشار العنف وتردي في السلوك والقيم وتطرف في أحيان كثيرة.

جذور المشكلة
ويذهب الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع بالجامعة الأمريكية إلى جذور ذلك السلوك السلبي فيشير إلى الأسرة باعتبارها المؤسسة الأولى التي يتخرج منها الطالب إلى جانب 4 مؤسسات أخرى، وهي الجامعة والإعلام والمؤسسات الدينية ثم الأمنية، ويقول إن السلوك السلبي انتشر نتيجة ضعف هذه المؤسسات وتأخر رد الفعل الحاسم كما يحدث في الخارج، لافتًا إلى أن مثل هذا الموقف لو حدث في جامعات أوروبا لجاءت العقوبة سريعة بفصل نهائي للطالب لكن مجتمعنا يعاني المحسوبية واستعطاف القانون تحت شعار "حرام نضيع مستقبله".


ويناشد الأسرة التي تعطي أبناءها المال دون حساب بألا تعطيهم أكثر من احتياجاتهم الضرورية فأسهل ما يلجأ إليه الشاب الآن هو التدخين، تلك العادة السيئة التي تبدأ بسيجارة تبغ وغالبًا ما تنتهي بالمخدرات التي تضع المتعاطي على أول طريق عالم الجريمة ما يدفع إلى المجتمع جرائم في سن مبكر لأن مرتكبوها لازالوا أطفالًا لم يتجاوزوا الـ 18 عامًا.


ويطالب بحظر التدخين داخل الجامعات لأنها مكانًا لتلقي العلم والمعرفة وليس للترفيه قائلًا: "أتمني تطبيق عقوبات حاسمة للمدخنين داخل الجامعات لأنها ليست قهوة".


وأعرب أستاذ علم الاجتماع بالجامعة الأمريكية، عن استيائه من توتر العلاقة بين الطلاب والمعلم، الأمر الذي وصفه بالمتكرر آلاف المرات يوميًا على مستوى مدارس وجامعات كثيرة ما يعطيه كأستاذ جامعي رسائل بالاستهانة بالعلم والاستهتار بدور المعلم ويترك أثرًا سيئًا على النفس.

تعديل قانون الجامعات

وتقول الدكتورة هالة يسري، أستاذ علم الاجتماع بمركز بحوث الصحراء، إن هناك قدسية للحرم الجامعي والعلم المقدم به، وكذلك الأستاذ الجامعي مستنكرة تراجع هذه القدسية في العديد من المواقف التي تدور بين الطلاب وأساتذتهم.

وتضيف أن التباسط مع الطلاب وتقاضي عضو هيئة التدريس المال مقابل الدروس الخصوصية أو تسهيلات إدارية وفنية يقدمها للطالب على غير حق كالتجاوز عن تقصيره؛ جعل قيمة المعلم تتراجع في نظر طلابه ودفع بالاستهانة بدوره وبما يقدمه.

وعلي ضوء ذلك تناشد بضرورة وجود كشف دوري على عينات عشوائية من الطلاب والطالبات للكشف عن تعاطي المواد المخدرة مع ضرورة التوعية الكاملة للطلبة لأخلاقيات التعليم العالي ولتكن أحد المحاضرات الأولى في كل عام كعملية تذكيرية على أن يكون الحضور مؤثرًا على درجاته الدراسية.

وتحذر من عدم وجود إجراءات تنظيمية قاسية تضمها لوائح وقانون تنظيم الجامعات لمواجهة ما يحدث من اعتداءات وخروج عن المألوف والمثل والقيم الجامعية سواء من الطلاب وفي بعض الأحيان من الأساتذة، مؤكدة أن غياب هذه الإجراءات التي من دورها تحقيق الردع يؤثر سلبًا على العملية التعليمية، حيث ستفقد الجامعة سيطرتها على الفساد ويصاب عضو هيئة التدريس بالإحباط وعدم الرغبة في ممارسة عمله الأكاديمي بشكله الصحيح.