حضارة نبينا.. نموذج عملي لحياتنا

7-11-2019 | 18:43

 

بسيرته العطرة، ومواقفه العظيمة، المعلمة، المشهودة لنا، وللبشرية جمعاء، نعيش ونستظل الآن بذكرى ميلاده "صلى الله عليه وسلم"، الطاهر الشريف، نبينا اليتيم الذي شاء له ربه - سبحانه وتعالى - إحياءه أمة من العدم، أمة كان يسود فيها عبادة الأصنام من الحجارة والأخشاب والعجوة، وشرب الخمر، وتفشى الربا، ووأد البنات، والعصبية الجاهلية التي تشتعل بها الحروب لأتفه الأسباب، والرايات الحمر التي ترتكب بها المعاصي، وشريعة الغاب، التي بها القوي يأكل الضعيف، وغيرها من العادات الجاهلية العديدة الأخرى.

في ظل هذه البيئة سابقة الذكر، ولد، وعاش، وتربى، وبعث نبينا محمد "صلى الله عليه وسلم"، محفوظًا ومحصنًا بعين الله وعنايته، فكان مثالا للأخلاق العالية، الراقية، الحضارية، التي اجتباه بها ربه عز وجل، وأضحت أنموذجًا لحياته "صلى الله عليه وسلم"، ولدعوته ولدينه الإسلامي، فبذر بأخلاقه الحضارية، ما شرع الغرب في أخذه وتطبيقه، مثالًا حيًا رائعًا على كمال أخلاقه، وتمام وعظيم حضارة وسمو أخلاقه.

ومن ثم رأينا عددًا كبيرًا من شهادات المستشرقين المنصفين، تبين وتجلي هذه الجوانب الحضارية العظيمة التي أرساها قدوتنا ومعلمنا "صلى الله عليه وسلم" للبشرية جمعاء - وليس لأمته فحسب - إجلاء لشخصه الزكي وقدره العالي، فيقول "سنرستن الآسوجي" أستاذ اللغات السامية، في كتابه "تاريخ حياة محمد": "إننا لم ننصف محمدا إذا أنكرنا ما هو عليه من عظيم الصفات وحميد المزايا، فلقد خاض محمد معركة الحياة الصحيحة في وجه الجهل والهمجية، مصرًا على مبدئه، وما زال يحارب الطغاة حتى انتهى به المطاف إلى النصر المبين، فأصبحت شريعته أكمل الشرائع، وهو فوق عظماء التاريخ".

ويشهد لنبينا الأديب العالمي "ليف تولستوي" بالرقي والتقدم، مقرًا بسواد شريعة الإسلام لكمال وتمام توافقها مع العقل والحكمة فيقول: "يكفي محمدًا فخرًا أنّه خلّص أمة ذليلة دموية من مخالب شياطين العادات الذميمة، وفتح على وجوههم طريق الرُّقي والتقدم، وأن شريعة محمد، ستسود العالم لانسجامها مع العقل والحكمة"، بل يفتخر بنبينا المفكر الدكتور "شبرك" النمساوي، متمنيًا أخذ بني جلدته - العالم الأوروبي - بشريعة نبينا، والوصول الى قمته، قائلا: "إنّ البشرية لتفتخر بانتساب رجل كمحمد إليها، إذ إنّه برغم أمّيته، استطاع قبل بضعة عشر قرنًا أن يأتي بتشريع، سنكون نحن الأوروبيين أسعد ما نكون، إذا توصلنا إلى قمّته".

لقد جمعت وحوت حضارته، وإنسانيته، وأخلاقه "صلى الله عليه وسلم"، الإنس، والجن، والحيوان، والجماد، فاجتمعوا جميعًا على محبته صدقًا، وفعلا، ولما لا وهو "صلى الله عليه وسلم" الداعي والمقرر لمكارم الأخلاق، كما في قوله: "ما من شيء في الميزان أثقل من حسن الخلق"، وقوله: "خياركم أحسنكم أخلاقا"، الناهي عن ذميم الأخلاق، قائلا "صلى الله عليه وسلم": "ليس المؤمن بالطعّان، ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا البذيء"، بل كان - مع أعدائه - رحيمًا، عندما قيل يا رسول الله: ادع الله على المشركين، قال: " إني لم أبعث لعّانا، ولكن بعثت رحمة".

من بديع، وجميل حضارته صلى الله عليه وسلم، ما تمثل أيضًا في طهارته ونظافته الشخصية، وإقراره وتعليمه لنا وللبشرية جمعاء، صور ومظاهر هذه النظافة لتكون عنوانًا سادرًا لديننا، ولهيئة المسلم الخلقية والسلوكية والمظهرية، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "خمس من الفطرة: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وقلم الظفر، ونتف الآباط".

كما كان من عظيم حضارته رحمته بالأطفال والحث على ذلك قولا وعملا، مصداقا لما رواه البراء قال: رأيت النبي "صلى الله عليه وسلم"، والحسن على عاتقه وهو يقول: "اللهم إني أحبه فأحبه"، وكما جاء أعرابي إلى النبي "صلى الله عليه وسلم"، فقال: أتقبّلون صبيانكم؟! فما نقبلهم، فقال النبي "صلى الله عليه وسلم": "أو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة؟!".

وهكذا تعددت جوانب حضارته فبلغت الحيوان، فكانت دعوته وأمره بالرفق به، يقول النبي "صلى الله عليه وسلم": "بينما رجل يمشى بطريق اشتد به العطش فوجد بئرًا، فنزل فيها فشرب، ثم خرج فإذا كلب يلهث، يأكل من الثرى من العطش فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغني، فنزل البئر فملأ خفه ثم أمسكها بفيه، فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفر له، "قالوا: يا رسول الله وإن لنا في البهائم لأجرًا؟ قال: "في كـل ذات كبـد رطبـة أجر".

من ثمة كانت محبته التي ملأت القلوب وفاضت لكل من رآه وتعامل معه - وأولهم الصحابة - حتى من سمع به من أعدائه، ولمس أثره "صلى الله عليه وسلم" ودعوته على البشرية جميعًا، فرأينا جوتة أمير الشعراء الألمان يقول: "ولقد بحثت في التاريخ عن مثل أعلى لهذا الإنسان فوجدته في النبي العربي محمد، إننا أهل أوروبا بجميع مفاهيمنا لم نصل بعد إلى ما وصل إليه محمد، وسوف لا يتقدم عليه أحد".

وأختتم بقول "جوستاف لوبون" في كتابه "حضارة العرب": إذا ما قيست قيمة الرجال بجليل أعمالهم كان محمد من أعظم من عرفهم التاريخ، وقد أخذ علماء الغرب ينصفون محمدًا مع أن التعصّب أعمى بصائر مؤرخين كثيرين عن الاعتراف بفضله".. "صلى الله عليه وآله وسلم"..

amnt4@yahoo.com

مقالات اخري للكاتب

ملتقى القاهرة الدولي الخامس للخط العربي

بادئ ذي بدء، أسجل عشقي وهيامي بفن الخط العربي كفن إسلامي أصيل يأخذ بالأفئدة والألباب قبل أخذ الأبصار، ذلك أنه حاضن رئيس لوعاء هويتنا العربية والإسلامية

عمارة.. ونشر علمه وفكره

عمارة.. ونشر علمه وفكره

صناعة التطرف والعنف .. بفيلم كارتون

أثار انتباهي هذا التقرير المنشور للزميلة إيمان عباس بـ"بوابة الأهرام" تحت عنوان (صناعة التطرف والعنف تبدأ بـ"قصة وفيلم كارتون".. والبرلمان يفتح الملف)،

تعلموا الحب الحقيقي

لا حديث الأمس واليوم وغدًا، يسيطر على عقول الكثير منا، إلا الحديث عن "عيد الحب"، "الفلانتين" والترتيب لإحياء ذكراه، لينعم فيه كل محب بحبيبه - حالمًا وواهمًا - وكأن هذا الحب الماسخ، المشوه، الفلانتيني التافه، هو رمز الحب وأيقونته، ليس فحسب عند من صدروه لنا، بل لدى الكثير منا للأسف الشديد.

القاهرة عاصمة للثقافة الإسلامية

في خبر سار يضاهي واقع ومكانة قاهرتنا وتاريخها الإسلامي التليد، أعلن في التاسع عشر من الشهر الماضي - وعبر المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة "إيسيسكو"-

الطيب.. والخشت.. وأهل الفتن

الطيب.. والخشت.. وأهل الفتن

مادة إعلانية

[x]