ريهام عبد الحكيم: هذا ما تعلمته من عبد الحليم حافظ.. وبرامج المواهب تفوت فرصة الخبرة على الفنان | حوار

6-11-2019 | 23:33

ريهام عبد الحكيم

 

سارة نعمة الله

قليلات هن النساء التي تترك بصمة في عالم الغناء خصوصًا في الوقت الذي أفسح فيه المجال للعديد من الأصوات واختلط فيه الردىء بالجيد، وفرضت التكنولوجيا ذاتها بقوة لتبقى هي المتحكمة في النغمات والأصوات، ولكن رغم هذه الحالة شديدة التأزم، هناك من يقفون على أرض صلبة كجذور الأشجار التي لا تتأثر بهبوب الأرباح والعواصف، وهو ما يختصر الوصف الفني للفنانة، بل المطربة ريهام عبد الحكيم، بالفعل "مطربة" لأنها تطرب وتسلطن من يستمع إليها ليس فقط على المستوى المحلي والعربي بل العالمي، عندما حاول الكثير من المطربين والفرق العالمية تقليد صوتها وطريقة غنائها في أغنيتها الشهيرة "فيها حاجة حلوة" بأكثر من لغة.

لا تتخلى ريهام عبد الحكيم، التي دخلت الأوبرا في سن السابعة عن هذا البيت الذي لا تحمل تجاهه فقط شعار المعلم والأستاذ، بل صاحب الفضل والخبرة في نضوج الموهبة واكتمالها، تلك المرحلة التي تحمل محطات فاصلة بين النضج والشهرة والتقدير، كما سيتضح في حوارها مع "بوابة الأهرام" بالسطور المقبلة، ويحمل الغد حالة خاصة في مشوار ريهام عبد الحكيم، ليس فقط لمشاركتها الدائمة بحفل مهرجان الموسيقى العربية، ولكن لأنها المرة الأولى التي تقف فيها على المسرح، لاحتفاء هذا المهرجان بتجربتها الفنية وذلك على هامش تكريمها به في دورته الحالية.

التكريم وذكريات الرحلة في الأوبرا
ترى الفنانة ريهام عبد الحكيم، أن تكريم الفنان في سن صغيرة، هو أمر يحمل كثير من الفخر والامتنان لدار الأوبرا المصرية، هذا الصرح الثقافي الذي نبتت منه موهبتها ونضجت واكتملت بمرور سنوات العمل والخبرة ومنحتها نجاح وشهرة، وهنا سألت "بوابة الأهرام" الفنانة التي لم تستطع تحديد وصف دقيق لحالة السعادة التي أنتابتها في لحظة التكريم عن ما تذكرته في شريط هذه الرحلة، لتؤكد أنها لم تسقط من ذاكرتها أي لحظة منذ دخولها هذا المكان حتى رغم اعتقاد البعض بأنها سوف تغادره كلما قدمت بصمة خارجه وهو ما نفته جملة وتفصيلاً، مؤكدة أن هناك علاقة خاصة تجمع بينها وبين دار الأوبرا وجمهورها الذي تلتقي به كثيرا وتستمع معه.

وتتحدث ريهام، عن التكريم الذي لم تتوقع أن يأتي في سن مبكر وهو ما تشكر القائمين عليه من إدارة المهرجان، مؤكدة أن الحسبة لديهم كانت مختلفة غير مرتبطة بالمرحلة العمرية، بل بما قدمته على مدار رحلتها بل أنه تكريم يأتي في موعده بحسب ما تشير إليه، لأنه يمثل نوعًا من التشجيع والتحفيز والمسئولية الأكبر خصوصًا لما يتسم به مسرح الأوبرا من إضفائه حالة فريدة تحتفي بالتراث والتجارب الجديدة في الموسيقى فلا يوجد مسرح له رهبة، مثل هذا المكان.

تستكمل ريهام ذكرياتها عن الرحلة، وتقول: عاصرت مراحل كثيرة في الأوبرا ومهرجان الموسيقى تحديدًا الذي أجده يحمل مكانة خاصة وسط المهرجانات العربية، ففي كل عام يزداد تطوره واختلافه، والحقيقة أن مصر صاحبة ريادة في هذه المسألة وهي التي جعلت دولا أخرى عربية تفكر في إقامة أوبرات ومهرجانات غنائية لها، والحقيقة أن الأوبرا نجحت في السنوات الأخيرة في تحقيق فكرة التواصل بين الأجيال، فقديمًا كانت هناك فئة محدودة من الجمهور هي التي تحضر للأوبرا حتى أننا كنّا نعرفهم بالشكل في حفلتين، لكن حاليًا هناك تنوع كبير في الحضور من مختلف الفئات العمرية عندما بدأ التوجه في اجتذاب الشباب وهو ما يحرص عليه رئيس الأوبرا ومدير المهرجان في التجديد والدفع بدماء شابة تقف بالتوازي مع أصحاب التجارب الكبيرة وعمالقة الغناء في مهرجان واحد.

وأتذكر أنه قديمًا عندما كنت أمر من أمام شباك الحجز قبل أن يصبح إلكترونيًّا كنت أجد الكثيرين يقومون بحجز الحفلات كاملة دفعة واحدة، ما يدل على النجاح والرواج الذي يعيشه المهرجان ورغم الارتفاع الطفيف لأسعار التذاكر، إلا أن مسارح الأوبرا المتعددة تعمل بكامل طاقتها في المهرجان مما يدل على رواج الحدث والإقبال عليه، فقد بات مثل العيد السنوي لدى الجمهور، وهذا العام بحفلي سأحضر مفاجأة بحفلي وهو أنني سأقدم أغنية تحية لكل فناني ونجوم الدورة الحالية والعاملين عليها تحية وإهداء مني لهم.

نقلات فنية وإحباطات
تؤكد الفنانة التي بدأت محطات النضج من خلال تقديمها لدور "أم كلثوم" ضمن أحداث المسلسل الشهير أن هناك كثيرين أصحاب الفضل عليها في رحلتها الفنية، بداية من الموسيقار سليم سحاب الذي تبنى موهبتها منذ الصغر يليها الموسيقار عمار الشريعي والمخرجة أنعام محمد علي من خلال عملها معه، في مسلسل "أم كلثوم"، ويلّي ذلك رحلة ثرية من المهرجانات التي شاركت فيها وكان من بين حكامها الموسيقار حلمي بكر وجمال سلامة، لتأتي بعد ذلك مرحلة الأفلام والمسلسلات التي قابلت فيها الكثير من العظماء في مقدمتهم الموسيقار عمر خيرت، وهنا تتحدث ريهام عن مرحلة النقلات الفنية في حياتها.

وتضيف: النقلات الحقيقة لدي بدأت مع مسلسل أم كلثوم يليها محطة أغنية "فيها في حاجة حلوة" من فيلم "عسل أسود" ثم مسلسل "خاتم سليمان" ولكن الحقيقة أن الأولى منحتني شهرة كبيرة وأتذكر عندما سمعتا للمرة الاولى كانت بغناء كورال الأطفال وتعلقت بها لأن مزيكتها في منطقة مختلفة، مما جعلها تطوف في كثير من بلدان العالم الذين حاولوا غناءها بلغات مختلفة.

وهنا قاطعت ريهام عبد الحكيم، متساءلة، لكن ما الذي يمكن أن يتركه الفنان لجمهوره من رصيده الفني وأقصد من ذلك أن عصر الألبومات انتهى وحل بدلًا منه السينجل؟ وتجيب ريهام مؤكدة أنها عندما أقدمت على فكرة الألبوم كانت تريد أن تقدم "ربتوار" في رصيدها، لأنها كانت دائمًا تسأل عن هذا الأمر لماذا لا تقدم ألبوما خاصا بها، وتضيف: كانتربانج لتقديم أغانٍ خاصة بي بها تعددية في شكل الآلوان الغنائية المقدمة وأنا حاليًا أفضل السينجل لأن الأغاني فيه تطرح بأريحية وبشكل يأخذ حقه في الاستماع خصوصًا في ظل أزمة الإنتاج التي لا ينكرها أحد.

وهناك مسألة مهمة في هذا الأمر هو أنه "لا يوجد فنان سينجح بأغاني التراث التي يقدمها" والحقيقة هذه العبارة استمعت إليها في أحد حوارات العندليب ووضعتها أمام عيني، وعندما بدأت في الأوبرا كنت طفلة في السابعة ما يعني أنه كان من المستحيل أن أقدم أغاني رومانسية مثلًا وعندما كبرت بدأت أغني من التراث لذلك كان لابد أن يكون لدي رصيدي الخاص بي وأنا في محاولة مستمرة للموازنة بين الاثنين، أي الجمع بين التراث والتقرب لحالة الذوق العام مع الشباب بالشكل الذي لا يهدم ما أسست له منذ سنوات.

وفي مقاطعة أخرى، ل ريهام عبد الحكيم سألتها عن فترات الإحباط التي يمكن أن تصيب الفنان في ظل هذه الحالة التي يتصارع فيها بين الحفاظ على الهوية والتجديد في الشكل الغنائي، وهنا تشير ريهام إلى أن هناك الكثير من فترات الإحباط التي تمر عليها لهذا الأمر، لتؤكد أن الأغنية على مدار تاريخها تعرضت لكثير من الهزات وبالنهاية هي انعكاس لحالة المجتمع ولكن تحاول هي وعدد من الفنانين المخضرمين مقاومة ذلك وتذكر من هؤلاء أصالة، أنغام، شيرين عبد الوهاب، وائل جسار، كاظم الساهر على سبيل المثال.

المرأة والغناء
ترى ريهام عبد الحكيم، أن المرأة أخذت حقها في الفن منذ الماضي وذاك ردًّا على تساؤل عما إذا كانت حصلت على حقوقها فنيًّا من الشهرة والدعم أم لا، حيث ترى أن خير دليل على ذلك وجود سيدة الغناء أم كلثوم وتصنيفها كأهم مطربة عربية أنجبتها التاريخ، والحقيقة أن لهذه الفنانة تأثيرا كبيرا في ثقافتي الفنية ومنها تعلمت القوة والتمكن في الأداء وبعدها تطرقت إلى عدد آخر من الفنانات التي لكل منهن بصماتها أيضًا.

لماذا لم تلجأ ريهام عبد الحكيم لبرامج اكتشاف المواهب لدعم موهبتها، وهل توافق عليها أم لا؟ تجيب الفنانة أن مثل هذه البرامج تؤثر كثيرًا وتقصر المسافات في مسألة التعارف بين الفنان وجمهوره ولكنها ترى أنها أيضًا تجعل الفنان يضيع عليه سنوات كثيرة من خبرة العمل والاحتكاك بصناع الأغنية بشكل أكبر، فهي سلاح ذو حدين وربما إذا كانت هذه البرامج فتحت أبوابها لها مبكرًا لكانت تفكر في ذلك الأمر.

صعوبات الرحلة
تشير ريهام إلى أن أصعب ما مرت به في حياتها هو الجمع بين الدراسة في كلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية والتدريبات الصوتية اليومية حتى أنها تنوه هنا في هذا الصدد أنه ليس لديها مانع في الغناء بلهجات مختلفة وليس الإنجليزية فقط، يليها مرحلة تكوين الأسرة والتي تتطلب ضرورة الحفاظ على هذه الحياة والشكل العام والخاص لحياة الفنان وتضحك متذكرة أنها كانت تسجل ألبومها الأول وهي حاملة لطفلها مما كان يحملها الكثير من الجهد والصعوبات.


مسئولية فنية
تتحدث ريهام عن تجربتها في الغناء بجدة بالسعودية، مؤكدة اعتزازها بحفاوة الاستقبال والتقدير من هذا الشعب الذي شعرت معه بمدى القرب والوصال بيننا وبينهم نظرًا لأنهم قريبون منا في التكوين خصوصًا عندما تستمع إليهم في عبارات الاحتفاء بالفن المصري، وهنا سألت ريهام عما إذا كانت من الممكن أن تحمل جرأة كثير من المطربات أخيرًا لتقدم بعض الكلمات الجريئة وغير المألوفة، لترد قائلة: أعتقد أن هذا الأمر يعود للذوق الجماهيري العام ومن الطبيعي أن يكون الموضوعات المختارة بها تنوع وتجديد والفيصل هنا هو نجاح العمل خصوصًا الأغنية "الإفيه" وهذا يظهر بوضوح على مر العصور فجميع الأغاني التي حققت نجاحًا كانت بالأساس تحمل فكرة.

تشعر ريهام التي أهدت تكريمها بمهرجان الموسيقى العربية لوالديها التي تصفهم بأنهم قدما لها الكثير والكثير، أنها حتى الآن ترى أن المشوار صعب وأن المشوار لا يزال طويلًا وأنها لم تقدم سوى خطوات بسيطة، حيث تتمنى أن تحافظ على مكانتها الدائمة مع جمهورها الذي تريد أن يشعر بما تريد تقديمه إليه.