وبات وحيدا

7-11-2019 | 09:46

 

لم يكن يدري أنه سيفقد الترابط الأُسري ؛ بانفصال والده ووالدته؛ ثم يشاء القدر أن يرحل والده؛ وهو يتوسم في دنياه اللهو واللعب؛ فقد كان في مرحلة الطفولة؛ ليفقد وقتها سنداً قويا؛ فسخرت والدته نفسها له تماما؛ ووهبت حياته من أجله؛ و

رفضت الارتباط مرة أخرى؛ حتى لا تنشغل بغيره.

ودارت الحياة بحلوها ومرها؛ تارة تُسعدهم؛ لاسيما بعد تفوقه في مراحل الدراسة المختلفة؛ حتى من الله عليه بدخوله؛ إحدى كليات القمة؛ فقد كان متفوقا وسط أقرانه، وتارة تصيبهم مشاكلها المؤرقة؛ خاصة بعد تخلي أهل والده عنه وتملصهم من إعطائه حقه في ميراث والده؛ إلا أن أمه لم تدخر وسعا في الإنفاق عليه؛ حتى إن المرض اللعين أصابها؛ وكانت تعطي الأولوية لنفقات تعليمه؛ قبل نفقات علاجها.

وهكذا سارت الأيام؛ يوماً يجر الآخر؛ حتى تمكن المرض تمامًا من والدته؛ وجاء أجلها؛ وهكذا بين عشية و ضحاها؛ فقد السند والعزوة؛ فقد الأمان والونس؛ فقد الرحمة و المؤازرة؛ ويذهب مع المعزين ليواري جسدها التراب؛ ويعود لبيته؛ ويجد نفسه وحيداً، بلا مؤنس و لا رفيق.

ماتت أمه وبات وحيدًا؛ يبكيها؛ ينظر لجدران المنزل؛ يتحدث إليها؛ يقول لها؛ لم يبق إلا نحن؛ أنا وأنتم؛ وتبدأ الذكريات تتحرك رويدًا رويدًا؛ أمام عينيه؛ وهي كثيرة يصعب حصرها؛ يحاول جاهدًا أن يصمد أمام هذا الموقف الجلل؛ علها تؤنس ليلته وتخرجه من وحشتها، ولكن هيهات؛ فقد رحلت حبيبته إلى غير رجعة.

ومع انصراف آخر المعزين؛ تأكد المنكوب؛ أنه بات بلا حول ولا قوة؛ وأنه أمسى في رعاية الله وكنفه وحده؛ ويبادرني سؤال؛ هل تتحرك مشاعر أهل الوالد ليقوموا بدورهم الذي تملصوا منه؛ ليأخذ حقه في الميراث؛ هل يجد منهم بصيصًا من الرحمة؛ ليلتفوا حوله ليكمل حياته؛ فهو يحمل اسم عائلتهم؟

وأسئلة أخرى كثيرة؛ ولكني توقفت؛ وتذكرت رحمة الرحمن؛ فهو من خلقه؛ ودبر له أموره؛ وهو من يرزقه؛ ويسير له أحواله؛ وأثق أنه لن يتركه؛ وسيسخر له من يرعاه؛ سواء كان صديقًا أو جارًا؛ أو سيخلق له سببًا ليأخذ بيده.

وأتوجه بما هو آت لكل من انتزعت من قلوبهم الرحمة؛ وباتت قلوبهم حجرًا؛ أي منطق يسمح لكم بأكل مال اليتيم؛ وإذا كانت لكم القدرة على فعل ذلك؛ ألا تتذكرون قدرة الله عليكم؟!

فقصة هذا الشاب المنكوب؛ تكررت كثيرًا مع أُناس آخرين أعرفهم؛ فقدوا الأب والأم؛ وذاقوا كل أنواع المُر؛ في سعيهم للحصول علي ميراثهم الشرعي؛ وباءت محاولاتهم بالفشل!

تناسى آكلو مال اليتيم؛ ما حدث لوالد يتيمهم؛ فقد ترك الدنيا بدون شيء؛ إلا برداء أبيض يستر جسده؛ وذهب ليقابل ربه بأعماله؛ وأنه في يوم قادم سيكون مآلهم مثل مآل الفقيد؛ وسيذهبون لملاقاة الخالق؛ تاركين وراءهم كل شيء.

أفلا يتدبرون؟ أفلا يدركون؛ قبل مجيء يوم الحساب؛ وقتها لن ينفع الندم؛ كما لا ينفعهم كل ما اكتنزوه من مال؛ لأنه سيكون وبالاً عليهم.

فيقول القادرعلى كل شيء؛ "إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا".. سورة النساء الآية (10)؛ أتتخيلون ماذا يقول الله؛ عن أكل مال اليتامى!

يؤكد ربنا سبحانه وتعالي؛ أنهم يأكلون في بطونهم نارًا؛ كما يؤكد أنهم سيصلون سعيرًا؛ لذلك؛ أكتب تلك الكلمات؛ علها تكون تذكرة لمن نسي نفسه؛ كما نسي ربه؛ وأعتقد أن له من القوة ما يمكنه من قهر الضعيف وأكل ماله؛ وتغافل عن أن ربه عادل ومُقتص؛ وما هو بظلام للعبيد.

فإذا كنت قرأت ما سبق؛ أتمنى أن تكون معينًا في التذكرة به؛ علك تكون سببًا في رد الحق لصاحبه؛ و توعية الظالم؛ بأن ظلمه سيكون سببًا لدخوله النار؛ فهذا الشاب اليتيم الوحيد وأمثاله؛ ممكن أن يكون سبيلا لدخول أحدهم الجنة؛ إذا تمكنوا من أخذ الحقوق بما يرضي الله؛ وأيضًا هم سبيل لدخول النار لكل من أكل مالهم.

،،، والله من وراء القصد.

emadrohaim@yahoo.com

مقالات اخري للكاتب

البنوك المصرية.. وملاحظات تبدو مصيرية

تصادف استماعي لإحدى الإذاعات المصرية؛ أثناء توجهي للعمل؛ وكان المذيع يستضيف أحد الضيوف العاملين بأحد المناصب المتعلقة بخدمة العملاء في بنك ما؛ كان الحوار يدور في سياق عادي؛ حتى سأل المذيع الضيف عما يواجهه الضيف في عمله.

أريد حقي

المتابع الجيد لبلدنا في السنوات الخمس الماضية، يعي تماما، أن مصر حققت طفرات كبيرة للغاية، في كل المجالات دون استثناء، ولو عاد بنا الزمن لبدايات 2014، لنتذكر أحوالنا، وما كانت تمر به مصر آنذاك، ما كان يمكن لأكثر المتفائلين أن يأمل في تحقيق تقدم ملموس ولو بدرجة شبه مقبولة في خلال العقد الحالي.

ملائكة الرحمة.. يطلبون الرحمة

بعد سنوات كثيرة من الركود؛ بل قل الجمود؛ بلا مبالغة؛ تحركت مصر وبقوة وعزيمة من فولاذ صوب تحقيق إنجازات ملموسة في فترة زمنية قياسية؛ إنجازات ما كان لها أن تتحقق؛ إلا بوجود رئيس وطني مخلص محترم تولى قيادتنا؛ لتنتقل مصر في 5 سنوات لآفاق متميزة.

السيستم المُقدس!

اتفق الناس على وضع القوانين؛ لتنظيم أمور حياتهم؛ فمع وضوحها؛ وترسيخها؛ تتضح المعالم؛ وتنجلي المفاهيم؛ حتى يسود العدل بينهم؛ وكان حينما يظهر بعض العوار في أحد القوانين؛ تتسارع الخطى لتصويبه؛ فهي ليست مقدسة؛ لأنها من صنع الإنسان؛ ووضِعت لتستقيم حياته.

وبات وحيدا

لم يكن يدري أنه سيفقد الترابط الأُسري؛ بانفصال والده ووالدته؛ ثم يشاء القدر أن يرحل والده؛ وهو يتوسم في دنياه اللهو واللعب؛ فقد كان في مرحلة الطفولة؛ ليفقد وقتها سنداً قويا؛ فسخرت والدته نفسها له تماما؛ ووهبت حياته من أجله؛ ورفضت الارتباط مرة أخرى؛ حتى لا تنشغل بغيره.

الرحمة فوق العدل

جاء خبر مأساة القطار الخاص بمصرع شخص وإصابة آخر؛ صادمًا للناس؛ وكشف عن عدد من الملابسات؛ التي توجب وضعها في الحسبان؛ فقد بات هناك تباين واضح في سلوكياتنا؛ إلى نحو أفضى ببروز بعض التصرفات الغريبة على مجتمعنا المحافظ؛ ولا تقول لي إنها تصرفات فردية؛ لأن ما خفي كان أكثر.