الإصلاح الاجتماعي والبيئي الشامل لمواجهة الفوضى الخلاقة (5)

10-11-2019 | 16:30

 

انتهت المقالات السابقة إلى أن الفوضى الخلاقة ظاهرة موجودة منذ خلق البشرية، وفي العصر

الحديث تعود جذورها إلى الفكر الماسوني، وهى تعتمد في نجاحها على نقاط ضعف داخلية.

وتؤكد أحداث التاريخ أن الوطن العربي بوجه عام، ومصر بوجه خاص، هدف لهذه المؤامرات، وتؤكد ذلك أحداث التاريخ المعاصر - منذ عدوان 1956 للآن - سلسلة مستمرة للفوضى الخلاقة لإسقاط العديد من النظم العربية، فشل بعضها ونجح البعض الآخر.

وكان العامل الحاسم في النجاح أو الفشل هو الرصيد الشعبي للنظام وهو نتيجة طرح إيجابيات النظام من سلبياته من وجهة نظر الشعب؛ لأن الرضا الشعبي هو العامل الأول والأخير في مواجهة الفوضى الخلاقة وإفشالها، وغياب الرضا الشعبي سيؤدي حتما لانهيار النظام ونجاح مؤامرات الفوضى الخلاقة ومن هنا أهمية المصارحة والمكاشفة المستمرة والحوار الجاد داخل كل النظم العربية لدراسة المشكلات الجماهيرية ونقاط الضعف، وكيفية مواجهتها على مراحل أو سنوات.

والمهم هنا إتاحة الفرصة وحرية التعبير للمعارض قبل المؤيد، وعلى نطاق شعبي يشمل جميع الطوائف والفئات، ودراسة كل هذه المشكلات من خلال حوار مجتمعي يناقش الأسباب وسبل ومراحل العلاج مع تحديد الأولويات وترتيبها بدقة وشفافية؛ لأن ما يحدث الآن ويشهده العالم العربي من أحداث في لبنان والعراق والسودان والجزائر؛ بل ما يحدث في العالم مثل أحداث فرنسا وغيرها يعكس وجود متغيرات هيكليه في العالم؛ فنحن نعيش عصرًا جديدًا هو عصر ما بعد الحداثة، وهو يختلف كثيرًا عما سبق في مختلف جوانب الحياة؛ حيث فقدت معظم الأحزاب السياسية مصداقيتها لدى كثير من الشعوب حتى الدول العريقة في الديمقراطية مثل فرنسا؛ ولذلك ظهرت الشعبوية متمثلة في نجاح ترامب ؛ وهو ليس رجل سياسة أو حزبيًا قديمًا، كما أن نجاح الرئيس التونسي بدون وجود حزب سياسي يعني أن هذه ظاهرة عالمية آخذة في الانتشار، كما تراجعت أهمية الإعلام التقليدي بكافة صوره، وتراجع تأثيره، وزادت أهمية وسائل التواصل الاجتماعي وأثارها السياسية على الرأي العام؛ وخاصة الشباب، وأصبحت لهذه الوسائل دورها المهم في إثارة الفتن و الفوضى الخلاقة بوجه عام.

باختصار تراجعت قوة الدولة التقليدية وسيطرتها على الموقف في كافة البلدان، وعلى الجميع التعامل مع مستجدات عصر ما بعد الحداثة، وإلا سقط وأصبح خارج العصر والأحداث، وخاصة في ظل ظروف صعبة من مشكلات اقتصادية عالمية وإقليمية وإرهاب وفتن وتراكمات عهود سابقة.

كل هذه دروس من المهم سرعة استيعابها والتعامل معها بالأساليب الحديثة، فلم تعد تصلح كافة الأساليب التقليدية في المواجهة صالحة اليوم، وليس هناك بديل في عالم ما بعد الحداثة إلا المصارحة والمكاشفة والشفافية والإصلاح الجذري لكافة المشكلات الشعبية.

وقبل أن تتفاقم الأوضاع والمشكلات هذه مهام عاجلة لكافة البلدان العربية، وبالنسبة لمصرنا الحبيبة تحديدًا فقد خطت خطوات في طريق الإصلاح الاقتصادي، وقد انتهى هذا البرنامج.

وأعتقد أنه قد حان وقت الإصلاح الاجتماعي والبيئي الشامل لمواجهة المشكلات الاجتماعية والبيئية الأخرى، خاصة أن مسيرة الإصلاح الاقتصادية قد ترتب عليها تداعيات اجتماعية مهمة مثل تزايد أعداد ونسب الفقر طبقًا للإحصاءات الرسمية وانحصار الطبقة الوسطى وغيرها من مشكلات؛ وهذا يتطلب نقاشًا مجتمعيًا كبيرًا وإتاحة الفرصة للجميع للمشاركة في تشخيص المشكلات والعلاج والأولويات ويستدعي الأمر الدعوة لعقد مؤتمر قومي كبير لقضايا المجتمع والبيئة، يضم جميع المسئولين والعلماء وممثلين عن كافة الطبقات والفئات؛ لوضع خطة إصلاح اجتماعي وبيئي شاملة على مدار خمس سنوات وتحدد فيه أهداف سنوية ومرحلية دقيقة للعديد من القضايا أتصور أن يكون من بين هذه القضايا ما يلي:

1- خطة قومية لمواجهة مشكلة الفقر.

2- خطة قومية للقضاء على الأمية.

3- خطة قومية لحل مشكلات الطبقة الوسطى.

4- خطة قومية لتصحيح الأخطاء الهيكلية في نظام. الأجور لجميع العاملين بالدولة.

5- خطة قومية لمواجهة مشكلات المرور والازدحام.

6- خطة قومية لمواجهة مشكلة تلوث نهر النيل وهدر المياه.

7- خطة قومية لمواجهة مشكلات العشوائيات وتلوث الهواء، وكافة صور التلوث.

8- وأخيرًا إعادة النظر في منظومة الضرائب.

لشعور كثير من المواطنين بأن تكاليف الإصلاح الاقتصادي تحملتها الطبقة الوسطى والدنيا فقط، وأن الطبقة العليا لم تتحمل أعباء في الإصلاح مثل بقية الطبقات، وضرورة إعادة النظر في الضرائب التصاعدية وضريبة البورصة والمنظومة الضريبية بوجه عام، وهذه مجرد اقتراحات مبدئية لفتح باب الحوار للجميع، ودون حساسية، خاصة والجميع يعلم أن كثيرًا من هذه المشكلات ترجع لعقود سابقة، وقبل تولى الحكومة الحالية عملها؛ ولكنها أصبحت الآن من صميم أعمالها، ويجب عليها سرعة الدراسة والتحرك؛ لأن الوقت ليس في صالح الجميع.. والله الموفق..

مقالات اخري للكاتب

ما بعد الحداثة والصحافة الورقية (2)

تؤكد المؤشرات والإحصاءات - سواء على مستوى العالم بوجه عام أو على مستوى الوطن العربي أو داخليًا بمصر - أن هناك تراجعًا كبيرًا؛ سواء في أعداد توزيع الصحف

نظرية ما بعد الحداثة وتفسيراتها لمتغيرات العصر

نظرية ما بعد الحداثة هي تيار فكري جديد، ظهر كرد فعل لعصر الحداثة، وهو عصر الثورة الصناعية وما نتج عنه من مشكلات متعددة في كافة المجالات؛ بداية من تعاظم مشكلات التلوث، واستنزاف الموارد بمعدلات تفوق كل ما نتج من تلوث أو استنزاف منذ بدء الخليقة وحتى الثورة الصناعية؛

الفوضى الخلاقة في الشرق الأوسط (6)

​ما يحدث في الشرق الأوسط في العقود الأخيرة من مؤامرات الفوضى الخلاقة يجب أن يدرس بدقة لاستخلاص الدروس والاستفادة؛ لكيفية التعامل المستقبلي مع هذه الظاهرة

صحة المصريين في خطر

صحة الإنسان هي من أهم النعم التي وهبها الله سبحانه وتعالى للبشر، وليس هناك سعادة أو تنمية أو إنتاج بدون صحة جيدة للشعب، واليوم تتعرض قطاعات عديدة من الشعب المصري لإخطار صحية عديدة ومتنوعة؛ مما يستلزم سرعة البحث والدراسة والمواجهة.

الفوضى الخلاقة ومصر (4)

مصر تحديدًا هدف للفوضى الخلاقة عبر تاريخها إلى الآن، لعدة أسباب متكاملة، بداية نهضة مصر وتقدمها؛ يعني نهضة عربية وإسلامية كبرى تهدد مصالح القوى العظمى في أي عصر، ثم إن لمصر- تحديدًا - تاريخًا كبيرًا في الحضارة وموقعًا متميزًا، فهي حجر الزاوية في خريطة العالم.

التغيرات المناخية وأمطار القاهرة المشكلة والحلول

تزايد الأنشطة الصناعية الملوثة للبيئة وتزايد استخدامات الطاقة بصورها المختلفة من بترول إلى غاز إلى فحم وخلاف ذلك من ملوثات صناعية عديدة وبشكل متزايد وخطير