عودة الوعي للأمة المصرية

7-11-2019 | 19:12

 

كانت مصر أمام اختيارين أحلاهما مر، ولم يكن أمام مصر أي بديل آخر سوى تجرع أعنف برنامج للإصلاح الاقتصادي، وكان الخيار بينه وبين إعلان الإفلاس، وكان الاختيار الثاني للرئيس السيسي بين تأجيل الإصلاح حرصًا علي شعبيته أو التضحية بمجد زائف، واختار الرجل الرهان الصعب، وكان المصريون عند العشم بالتحمل فوق طاقتهم، وكانت حكومة شريف إسماعيل على مستوى المسئولية باتخاذ القرارات الصعبة التي لم تكن تجرؤ أي حكومة على مجرد التفكير في تحرير سعر الصرف.

وبالمثل كان مجلس النواب بالإجماع على قدر كبير من الوعي بالموافقة على القرارات الاقتصادية المؤلمة، وبدت تلك الأيام من أيام الوعي للمصريين في لحظة توحد نادرة كعادتهم في الإبداع تحت الضغط، وكان غريبًا على معظم المراقبين تقبل جموع المصريين تلك القرارات، وهم نفس الشعب الذي خرج للشوارع بعد زيادات طفيفة لا تتجاوز القروش عام ١٩٧٧؛ فيما عرف بانتفاضة الخبز؛ فيما يعكس عودة الوعي للأمة المصرية، وكانت بداية تلك الملحمة عام 2014، عندما بدا الاقتصاد المصري منهكًا بعد فوضى يناير وحماقة الإخوان، ما أدى إلى تعطيل وإرباك موارد الدولة مثل السياحة والاستثمار الأجنبي، وإغلاق آلاف المصانع.

وفي الثالث من نوفمبر 2016 أعلن البنك المركزي المصري تعويم الجنيه، وترك حرية تسعيره للمصارف بهدف القضاء على السوق السوداء التي انتعشت، وخلال خمس سنوات تمكنت مصر من استعادة بريق اقتصادها فيما يشبه المعجزة، وتحولت من "حافة الهاوية" إلى "ملاذ آمن للمستثمرين الأجانب"، وما حققته مصر كان أفضل قصة إصلاح في الشرق الأوسط، وربما في أي سوق ناشئة، كما يقول روشير شارما، كبير الإستراتيجيين العالميين في مورجان ستانلي، وتبدو الأرقام مجرد نقطة انطلاق للاقتصاد المصري، في ظل إعلان الحكومة عن العديد من المشروعات القومية الضخمة التي تخدم بالأساس البنية التحتية للدولة؛ سواء في الطرق أو الطاقة أو اللوجستيات أو إنشاء المدن الجديدة أو تعزيز البنية التكنولوجية والتحول الرقمي والشمول المالي، وهي جميعًا قواعد تعزز بناء اقتصاد قوي ومتماسك ومتنوع.

وقد ارتفع سعر الدولار من 8.8 جنيه ليصبح 16.19 جنيه، واحتياطي النقد الأجنبي: ارتفع من 19 مليار دولار ليصبح 45.97 مليار دولار، وارتفع معدل النمو: من 4.3% ليصبح 5.6%، وعجز الموازنة: انخفض من 12.5% ليصبح 8.2%، ومعدل البطالة: انخفض من 12.5% ليصبح 7.2 %، ونسبة الدين العام من الناتج المحلي انخفضت من 102.8% لتصل لـ 90.2%، كما أن معدل التضخم: انخفض من 14% ليصل لـ 4.3%، ومعدل الفقر: ارتفع من 27.8% ليصبح 32.5%، و سعر فائدة الاقتراض ارتفع من 7 % إلى نحو 19% ، وحدثت 4 زيادات في أسعار الكهرباء، وزيادتان في مياه الشرب.

والأمر هكذا نحتاج لبرنامج مصري جديد للإصلاح وللاستثمار الأجنبي؛ لأن معدل زيادة السكان بلغ نحو 2.5%، وصرنا ننتج أطفالًا أكثر من إنتاج السندويتشات.

ولهذا مطلوب زيادة معدلات نمو الناتج لتتخطى 3 أضعاف معدل نمو السكان، ويلزم لذلك أن ندخر 30% من الناتج القومي ونستثمرها في مشروعات جديدة؛ لأن معدل الادخار في مصر حاليًا لا يتعدى 15%، ولسد الفجوة بين الادخار المحقق، والاستثمار المستهدف نحتاج لمصدر أجنبي: إما بجذب استثمارات المصريين في الخارج والعرب والأجانب ونسهل ذلك بكل السبل، أو نقترض، والاقتراض له مشاغله، ويعتبره البعض رجسًا من عمل الشيطان.

فلنبذل كل الجهود لتسهيل تدفق الأموال من الخارج للاستثمار في الداخل، وذلك كبداية للسنوات السمان بعد سنين عجاف كان البطل فيها الأمة المصرية.

مقالات اخري للكاتب

البورصة تحارب الاستثمار بملاليم الضرائب

لا يمكن أن تكون البورصة في هذا البلد معبرة عن التطور والتنمية والمشروعات العملاقة؛ حتى إن قيمة الجنيه المصري واصلت الارتفاع أمام الدولار، في نفس الوقت الذي كانت مؤشرات البورصة سلبية.

الوعي الغائب في تسويق الكمين للحرب

يحتار المرء في الوصف الأنسب للمرحلة الحالية، هل هو؛ الفوضى الخلاقة؟، أو الشرق الأوسط الجديد؟، أو الحرب بالوكالة؟، أو حرب سنية – شيعية؟، أم هو ترتيب موازين القوى بشكل جديد تعتبر الفوضى إحدى وسائله؟، أو كل ما سبق؟!

الوجه القبيح لتركيا وأردوغان

حاربت مصر 4 مرات من أجل فلسطين؛ بينما لم تطلق تركيا رصاصة واحدة على إسرائيل فهل يستويان، ويخطئ من يتصور أن الرئيس التركي رجب أردوغان يسعى من وراء عربدته

الحياة اليومية للمصريين على "فيسبوك"

يمكن لأي باحث أن يرصد الحياة اليومية للمصريين بتتبع ما يكتبون على الفيسبوك؛ بل ويمكن القول إنه ساحة الطبقة المتوسطة على كل لون وغالبًا ما يكون (الشير) بلا منطق؛ وبالتالي لا يصبح (الترافك) معيارًا للقياس على السخط أو الرضى بالكتابة.

بدء حرب الدراما الناعمة

مسلسل (ممالك النار) أول عمل حقيقي، وأول خطوة في الطريق الصحيح؛ لمقاومة العدوان التركي، ويوثق المسلسل الحقبة الأخيرة من دولة المماليك، وسقوطها على يد العثمانيين

الكبير

ليست صدفة أن المرء حينما يتوجع أول ما ينطق به (أخ)؛ بحثًا عن ملاذ آمن للأخ أو الأخت، وهما الأقرب بصلة الدم والعشرة ولفظ الأخ يطلق في العموم على المذكر