تطور مُبشِّر في مفاوضات سد النهضة

6-11-2019 | 00:09

 

تأكيد الرئيس الأمريكي ترامب خلال اتصال هاتفي مع الرئيس السيسي اهتمامه شخصيًا بنجاح مفاوضات سد النهضة ، وخروجها بنتائج إيجابية وعادلة تحفظ حقوق كل الأطراف، واستقباله وزراء خارجية مصر وإثيوبيا والسودان قبل أن يبدأوا مباحثاتهم في واشنطن اليوم (الأربعاء)، وكذلك مشاركة ممثل عن البنك الدولي للمرة الأولى فيها يُعدّان تطورين مهمين يشيعان جوًا من ال

تفاؤل بخروج المفاوضات من الطريق المسدود الذي دخلت فيه، فضلًا عن أنه يمكن اعتبارهما استجابةً ضمنية لمطلب القاهرة الذي رفضته أديس أبابا من قبل بأن يشارك البنك أو أي طرف رابع في المباحثات.

كما تكتسب الرعاية الأمريكية للاجتماع أهميتها أيضًا من قدرة الولايات المتحدة بعلاقاتها القوية مع إثيوبيا ومصر، ونفوذها القوي ومصالح البلدين الحيوية معها على أن تساعد في تقريب وجهات النظر بينهما.

ولخبراء البنك الدولي أيضًا خبرة كبيرة في حل النزاعات بين الدول المتشاركة في نهر واحد، ويعملون وفق قواعد - وضعها البنك نفسه - تنظم عملية استخدام مياه الأنهار المشتركة، خلاصتها أنه لا يجوز لأي دولة في حوض نهر أن تقيم على النهر أو فروعه أو روافده سدودًا أو منشآت لتوليد الكهرباء أو لاستخدامات الري من شأنها قطع أو إنقاص كمية المياه الواردة إلى دولة مصب (مثل مصر) أو دولة ممر (مثل السودان) أو تؤدي إلى تأخير وصولها إلَّا بعد موافقة تلك الدول.

هناك خلافات بين مصر وإثيوبيا حول عدد سنوات ملء بحيرة سد النهضة، وضرورة التنسيق في تشغيله مع السد العالي وسدود السودان؛ بما يراعي كمية المياه المنصرفة اللازمة لتشغيلها طوال فترة ملء البحيرة، وخلال فترات الفيضان المنخفض والجفاف الممتد، وأن يكون هناك توازن يحقق هدف إثيوبيا بإنتاج الكهرباء اللازمة للتنمية، وبين احتياجات مصر المائية المتزايدة لمياه النيل؛ حيث لا تتحمل أي اقتطاع كبير من حصتها التاريخية من مياه النهر البالغة 55,5 مليار م3 سنويًا؛ فهي أقل بالفعل من احتياجاتها المائية؛ بعد أن دخلت في حزام الفقر المائي ؛ بسبب ثباتها وزيادة عدد السكان، ويمكنها فقط أن تتحمل نقصًا معقولا خلال فترة ملء البحيرة، بانتظار عودة مستوى المياه المتدفقة إلى سابق حجمه، ومن هنا تصر القاهرة على عدم تشغيل السد قبل الاتفاق على عدد سنوات ملء بحيرته وحجم المياه المُقتطِعة سنويًا، والإجراءات التي سيتم اتخاذها وقت حدوث جفاف أو فيضان منخفض حتى لا يكون الضرر بالغًا.

خبراء البنك الدولي يعرفون هذه الأمور الفنية جيدًا، ومن المتوقع أن يدلوا برأيهم في قانونيتها، وكيفية معالجتها بوضوح وبلا مجاملة، الأمر الذي يقوي موقف مصر، ويكون شاهدًا على مَن هو الطرف الذي يعرقل التوصل لاتفاق، ويجعل إثيوبيا في موقف أكثر حرجًا وعرضةً للظهور بمظهر الطرف المتعنت، والمخالف لقواعد القانون الدولي المنظمة لاستغلال مياه الأنهار المشتركة؛ حتى ولو كان من حقها قانونًا أن ترفض اقتراحات الوسيط أو الوساطة من بابها.

وفى الوقت نفسه يمكن أن توفر مشاركة البنك في المباحثات مَخرجًا مشرفًا للحكومة الإثيوبية إذا قبلت اقتراحات خبرائه، دون أن تظهر بمظهر التي قبلت مطلب مصر بأن ينضم للمباحثات طرف رابع.

وعن نتائج الاجتماع المحتملة فهي إما الاتفاق على تفعيل اتفاقية 2015، واستئناف مباحثات اللجنة السداسية (وزراء الخارجية والري، بحضور خبراء البنك الدولي كوسيط) على أساسها، أو الاتفاق على عقد اجتماع ثانٍ في واشنطن لوزراء الخارجية، أو انعقاد اللجنة السداسية، بحضور البنك الدولي ، بعد أن يكون الوزراء قد عرضوا نتائج اجتماعهم على قياداتهم، وتم بحث ما يمكن تقديمه من تنازلات أو مواقف مرنة استعدادًا لاجتماع تالِ، وإذا حدث اتفاق ستتبعه قمة مصرية-إثيوبية-سودانية لإقراره بصفة نهائية.

أما أضعف الاحتمالات فهو استئناف عمل لجنة الخبراء المستقلين المشتركة على أساس أكثر انفتاحًا وإيجابية للاتفاق على تصور نهائي لقواعد ملء البحيرة وتشغيل السد، كما هو متفق عليه بين الرئيس السيسي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، على هامش القمة الروسية-الإفريقية في سوتشي قبل نحو أسبوعين، يليه اجتماع وزاري ثلاثي أو سداسي، ثم قمة ثلاثية إذا تم الاتفاق، وفى كل الأحوال من المرجح أن تتلقى المفاوضات دفعة تخرجها من تعثرها.

وسوف تدخل مصر اجتماع واشنطن مدعومةً بترسانة من الاتفاقيات الحافظة لحقوقها التاريخية في مياه النيل تجعل موقفها قويًا، في مقدمتها معاهدة 1902 التي وقّعت عليها الحبشة (إثيوبيا) مع بريطانيا التي كانت تحتل مصر والسودان والتي تحظر إقامة سدود على النيل الأزرق أو بحيرة تانا (منبعه) أو نهر السوباط (الرافد الإثيوبي الجنوبي للنيل) دون موافقة القاهرة، ومعاهدة 1891 بين بريطانيا وإيطاليا التي كانت تستعمر الحبشة، والتي تحظر أي مشروع أو منشأة على نهر عطبرة (الرافد الشمالي للنيل)، يمكن أن تؤثر في مياهه، ومعاهدة 1929 الموقعة بين مصر وبريطانيا نيابةً عن مستعمراتها (تنزانيا وكينيا وأوغندا والسودان)، وتعطى القاهرة حق الفيتو على أي مشروع تقيمه دول المنابع يُنقص من حصتها أو يؤخر وصولها، واتفاقية 1992 الموقعة بين مصر وإثيوبيا، وتنظم التعاون في استخدام مياه النيل وفقًا لقواعد القانون الدولي وتقضي بعدم إضرار أي منهما بالأخرى.

كما ينص إعلان المبادئ الموقع بين مصر وإثيوبيا والسودان عام 2015 على عدم البدء في ملء بحيرة السد إلاَّ بالتوافق بين الدول الثلاث، وينظم أسلوب الملء الأول للبحيرة والتخزين والتشغيل، بالتشاور والتنسيق مع تشغيل سدود مصر والسودان، ويُشرِك القاهرة والخرطوم في وضع قواعد تشغيل السد وملء بحيرته؛ لمنع حدوث نقص في المياه أو تأخير وصولها بقدر لا تحتمله أي منهما، ومراعاة مستوى المياه في بحيرات السدود المصرية والسودانية؛ من خلال إنشاء آلية تنسيق دائمة بين الدول الثلاث حتى لا ينخفض بالقدر الذي يقلل من كفاءتها في توليد الكهرباء.

ونصّ على تنفيذ توصيات لجنة الخبراء الدوليين بشأن الآثار السلبية التي قد تُثبتها الدراسات المقررة على البيئة المحيطة، وعلى تدفق مياه النيل الأزرق نحو مصر والسودان، والعمل على معالجتها، وعلى أن تتعاون الدول الثلاث في استغلال مياه النيل؛ وفقًا لمبادئ القانون الدولي وعلى أساس تفهم الاحتياجات المائية لدول المصب والمنبع معًا، والالتزام بمبدأ عدم التسبب في إلحاق ضرر ذي شأن بأي طرف، وأن تتخذ الدول الثلاث كل الإجراءات المناسبة لتفادي حدوثه وللتخفيف منه؛ بل والبحث في مسألة تعويض الطرف المتضرر.

وبهذه الاتفاقية المفصلة حصلت القاهرة على تعهد كتابي إثيوبي قوى بعدم الإضرار المحسوس بحقوقها التاريخية المكتسبة في مياه النيل.

مقالات اخري للكاتب

تحرك مصري جديد لدعم اقتصادات إفريقيا

في أحدث جهوده المتواصلة للحصول على أكبر قدر من مساعدات التنمية لدول إفريقيا ورفع مستويات معيشة شعوبها وتوفير فرص عمل لملايين العاطلين من شبابها خلال رئاسة

أفضل مما توقَّعنا في مفاوضات سد النهضة

أسفر اجتماع واشنطن - بين وزراء خارجية مصر والسودان وإثيوبيا - عن نتائج إيجابية فاقت ما توقعناه بخصوص مفاوضات سد النهضة، الأمر الذي عزَّز أكثر الآمال في

قمة سوتشي وفوائدها المنتظرة

فوائد كبيرة من المتوقع أن تسفر عنها القمة الروسية-الإفريقية الأولى في سوتشي غدًا وبعد غدٍ، وما يُعقد على هامشها من اجتماعات جانبية أبرزها لقاء الرئيس السيسي

فرصة ثمينة قد لا تتكرر

أتاح تغيير نظام الحكم في السودان فرصة ثمينة - وربما ذهبية - يجب أن تنتهزها الحركات المسلحة في دارفور، وجنوب كردفان، والنيل الأزرق والحكومة؛ لإحلال السلام