الصين تفتح أسواقها للعالم وتخطط لزيادة حجم الواردات إلى 30 تريليون دولار وإنشاء 6 مناطق تجارة حرة | صور

4-11-2019 | 13:43

الرئيس شي جين بينج يتابع استعدادات معرض شانغهاي

 

شانغهاي – محمود سعد دياب

على الرغم من التقدم الاقتصادي الذي وضعها في المرتبة الثانية عالميًا، إلا أن الصين في إطار إصرارها على توصيف نفسها على أنها دولة نامية، قررت تغيير سياستها بغزو منتجاتها لأسواق العالم القائمة منذ بداية عصر الإصلاح والانفتاح، إلى فتح أسواقها للاستيراد من الخارج، في إطار رغبتها لمشاركة المنفعة مع الجميع، تلك الرغبة هي لب فكرة معرض الصين للاستيراد الذي انطلقت نسخته الأولى العام الماضي وتنطلق نسخته الثانية خلال ساعات في مدينة شانغهاي عاصمة البلاد الاقتصادية.


موجة جديدة من الإصلاح والانفتاح
في عام 1979، أطلق الرئيس الصين ي دينج شياو بينج سياسة الإصلاح والانفتاح، وفي عام 2018، قرر الرئيس الحالي شي جين بينج إطلاق موجة جديدة من تلك السياسة تتوافق مع مبادرة الحزام والطريق التي أطلقها عام 2013، وتستهدف إعادة التوازن للميزان التجاري مع الدول النامية بزيادة الاستيراد من الخارج، وتشجيع الشركات الأجنبية على اختراق السوق الصين ي الأضخم في العالم "1.4 مليار نسمة"، وتخفيف القيود على المستثمرين الأجانب، وإحداث تحول جذري في القائمة السلبية للاستثمار الأجنبي لعام 2019 التي طبقت بمناطق التجارة الحرة التجريبية، فضلا عن خفض مستوى التعريفة الجمركية الإجمالي إلى 7.5 ٪، وهو أقل بكثير من معظم البلدان النامية، وقريب من مستوى أسواق الدول المتقدمة.

النسخة الأولى
نسخة المعرض الأولى التي أقيمت في نفس التوقيت العام الماضي حققت نجاحًا كبيرًا؛ حيث كانت مصر ضيف الشرف، وشهدت مشاركة كبيرة من الشركات الأجنبية وحضور أكثر من 800 ألف زائر، وحققت صفقات تراكمية قدرت بـ 57.83 مليار دولار أمريكي، ما جعل المعرض لأول مرة، يتحول إلى واحد من أكبر عشرة معارض تجارية في العالم، ومنصة مهمة للتعرف على السوق الصين ي والنفاذ إليه.

وقد وجد العارضون خلال الدورة الأولى تشجيعًا واسعًا، وتشير التقارير إلى أن عدد الدول والمناطق والمنظمات والمؤسسات الدولية المشاركة في الدورة الثانية سيتجاوز الدورة الأولى، كما زادت مساحة المعرض بشكل كبير، من 300 ألف إلى 360 ألف متر مربع، كما ستشارك أكثر من 250 شركة مدرجة في قائمة أقوى 500 شركة وقائمة الشركات الرائدة، وسيكون هناك المزيد من المنتجات والتكنولوجيات والخدمات الجديدة التي ستعرض لأول مرة في العالم أو في الصين .

وعقب نسخة المعرض الحالي، يتوقع أن يتم دمج السلع المستوردة بشكل أكبر في حياة المستهلكين الصين يين واشتراك الشركات والتجار الأجانب في أرباح تحول السوق الصين ية وتحديثها، بهدف تعزيز رفع كفاءة المنتجات المحلية، حيث تشير إحصاءات إدارة الجمارك إلى أنه خلال أخر 10 سنوات، نمت تجارة المنتجات الغذائية المستوردة بمعدل سنوي قدره 17.4٪، وللمرة الأولى في عام 2018، تجاوزت 70 مليار دولار أمريكي، وأنه في العام الحالي، تم تضمين 2283 نوعًا من المنتجات الغذائية المستوردة من 176 دولة ومنطقة، وتمت الموافقة على تسجيل 18295 شركة أغذية خارجية، و33059 من وكلاء الاستيراد والتصدير في الجمارك.

6 مناطق تجارة حرة جديدة
ويأتي المعرض في إطار جهود الصين الرامية إلى زيادة الواردات، وإنشاء 6 مناطق جديدة للتجارة الحرة في مقاطعات شاندونج وجيانجسو وقوانجشي وخبي ويوننان وهيلونغجيانج، وبذلك يرتفع عدد المناطق الحرة بالبلاد إلى 18 منطقة، وأثمرت هذه السياسة عن زيادة حجم الواردات بمعدل 8.25% سنويًا خلال الفترة من 2016 حتى 2018، مع توقعات بتجاوزه حاجز 2 تريليون دولار أمريكي بنهاية عام 2019 الحالي، وفقًا للبيانات الرسمية، التي قدرت إجمالي واردات السلع والخدمات خلال الـ 15 سنة القادمة بمقدار يترواح بين 10: 30 تريليون دولار على التوالي.

قناة خضراء
ويمثل المعرض للشركات الأجنبية، "قناة خضراء" لدخول السوق الصين ية، حيث عملت شركات التجارة الإليكترونية الصين ية مع الماركات العالمية خلال العام الماضي بعد نسخة المعرض الأولي على استكشاف السوق، ودخلت لأول مرة منتجات العناية بالبشرة الغير منتشرة في الصين ، وشركات تصنيع الأجهزة المنزلية، والفواكه الطازجة من جزر هاواي الأمريكية، كما تسارعت وتيرة دخول الأجهزة الطبية الأجنبية المتقدمة إلى الصين ، تلك الخطوات سمحت للمواطنين العاديين في الصين والذين يعيشون في مناطق نائية، الوصول إلى منتجات العلامات التجارية العالمية الشهيرة بسهولة.

شركات ليس لها مكان
وبرغم أن ما يزيد على 3000 شركة من قرابة 150 دولة ومنطقة، مشاركين في المعرض، إلا أن وانج بينج نان نائب وزير التجارة الصين ي قال إن هناك شركات فشلت في الحصول على مكان لها هذا العام، مضيفًا أن المعرض يتكون من 3 أجزاء هي المعرض الوطني ومعرض الأعمال ومنتدى هونجتشياو الاقتصادي الدولي الثاني، وأن هناك 15 دولة تشارك كضيف شرف هي الأردن وروسيا وكازاخستان وفرنسا وإيطاليا واليونان وأوزبكستان والهند واليونان وماليزيا وزامبيا وبيرو وجاميكا.

المشاركة المصرية
في مؤتمر صحفي عقد بمقر السفارة، أكد السفير الصين ي بالقاهرة لياو لي تشيانج، أن المعرض منصة ممتازة للبلدين للارتقاء بمستوى التبادلات التجارية، ونافذة جديدة للترويج لتاريخ وثقافة والإنجازات الاقتصادية والاجتماعية لمصر على الساحة الدولية، متوقعًا أن يكون قناة جديدة لجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية وتعزير النمو الاقتصادي وتوسيع فرص التوظيف في مصر.

وكشف السفير عن أن 23 شركة مصرية تشارك في الجناج المصري بالمعرض البالغ 360 متر مربع وتقدم منتجات زراعية وخدمات وحرف يدوية، مشيرا إلى مشاركة بعض المؤسسات المالية مثل البنك الأهلي وبنك مصر، موضحًا أن حجم الصفقات المبدئية التي أبرمتها الشركات المصرية ونظيرتها الصين ية خلال الدورة الأولى للمعرض وصل إلى نحو 42 مليون دولار أمريكي، مؤكدًا أن الشراكة الإستراتيجية الشاملة بين بلاده ومصر وصلت إلى قمة جديدة في التاريخ، وأن التبادلات رفيعة المستوى بين البلدين تخلق صفحة تعاون جديدة باستمرار، مدللا على ذلك بالنتائج الملحوظة التى أحرزها الجانبان في التعاون الاقتصادي والتجاري.

وتعتبر الصين أرض الكنانة أهم الدول العربية والإسلامية والإفريقية، التي تمتلك سوق ناشئ ومتنامي، حيث أكد السفير أن بلاده بصفتها أكبر شريك تجاري لمصر لا تستهدف تحقيق فائض تجاري لصالحها، وأنها "مستعدة للعمل مع الجانب المصري من أجل زيادة الصادرات المصرية للصين، وإحداث توازن في الميزان التجاري، خصوصًا الحاصلات الزراعية المصرية، لاسيما البرتقال الطازج والعنب والتمر والبنجر، وهناك خطط لاستيراد الرمان أيضا".

شركات أمريكية تتحدى الحرب التجارية
وعلى الرغم من الاحتكاكات التجارية القائمة بين الولايات المتحدة و الصين ، إلا أن عددًا كبيرًا من الشركات الأمريكية قررت أن تتحدى تلك الحرب المستعرة منذ قرابة عامين، وتشارك بقوة في المعرض، حيث تعتبر مساحة جناح الشركات الأمريكية الأكبر بين أجنحة الدول الأجنبية المشاركة، وبلغت 47500 متر مربع، بعدد شركات وصل إلى 192 شركة بزيادة 18% عن العام الماضي.

ورغم تلك المشاركة الكبيرة، إلا أن الإدارة الأمريكية خرجت بتصريحات رسمية، أكدت فيها أنها لن ترسل أي ممثلين رفيعي المستوى إلى المعرض، ما جعل جينج شوانج المتحدث الرسمي باسم الخارجية الصين ية يقول إن " الصين دعت واشنطن لحضور المعرض وإذا لم تحضر فهي ليست مشكلة كبيرة"، موضحا أن حجم مشاركة الشركات الأمريكية يؤكد أنها "متفائلة بشأن الآفاق الاقتصادية للصين وإمكانات السوق"، مشيرًا إلى "أنهم على استعداد لزيادة الاستثمار في الصين وتعميق التعاون معها.

وقال المتحدث باسم الخارجية الصين ية: "أود أن أكرر التأكيد على أن التعاون التجاري والاقتصادي بين الصين والولايات المتحدة هو أمر مفيد للجانبين. من الطبيعي فقط مواجهة بعض المشاكل في هذه العملية ، ولكن المفتاح هو حلها بشكل صحيح مع الاحترام المتبادل والمساواة. أحادية الجانب أو الحمائية وممارسة التنمر لن تساعد على الإطلاق ولن تحل بأي حال من الأحوال أي مشكلة".

كما حث جينج شوانج الولايات المتحدة على التوقف عن تعميم مبدأ الأمن الوطني وقمع شركات صينية محددة بشكل غير مقبول، وقال موضحًا "إننا نعارض بشدة استغلال الولايات المتحدة لسلطتها وقمع شركات صينية محددة من دون دليل. إن سلوك التنمر الاقتصادي هذا يتناقض مع مبدأ اقتصاد السوق الذي تدعي الولايات المتحدة دائما أنها تؤيده، ولا يجب أن يحصل على دعم المجتمع الدولي".

وجاءت تلك التصريحات تعليقًا على تصويت لجنة الاتصالات الاتحادية الأمريكية المتوقع هذا الشهر، على تصنيف شركتي هواوي وزي تي إيه بأنهما خطر على الأمن الوطني الأمريكي، حيث أكد أنه لو جاء التصويت إيجابي فإنه على الحكومة الأمريكية تمويل شركات الاتصالات المحلية بـ 8.5 مليار دولار تعويضًا عن منعها من شراء منتجات هواوي وزي تي إيه، مضيفًا أن "حظر الشركتين الصين يتين سيضر بمصالح الشركات والمستهلكين الأمريكيين، مطالبًا واشنطن بتهيئة بيئة عادلة ومنصفة وغير تمييزية للشركات الصين ية التي تعمل في الولايات المتحدة والقيام بالمزيد لدعم الثقة المتبادلة والتعاون بين البلدين.

تداعيات الحرب التجارية ستدفع في حالة استمرارها، الاقتصاد العالمي للانهيار، فضلا عن التعافي البطيء بعد ذلك، فتأثيراتها قد تمتد خارج البلدين إلى بلدان أخرى، ومنها إلى الساحة التجارية ومجالات أخرى تتجاوز التجارة.

ووفقا للخبراء والمحللين الاقتصاديين، يمكن للصراع التجاري أن يخلق اضطرابات في سلاسل التوريد العالمية، وقد يتعين على المستهلك الأمريكي دفع مبالغ أكبر نظير الحصول على المنتجات بسبب اضطراب سلسلة الإمدادات، كما يمكن أن تؤثر هذه المواجهة التجارية بين خصمين في القرن الحادي والعشرين على نظام التجارة العالمي، وقد تكون حربا تجارية باردة بين البلدين، تشبه الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي في القرن العشرين.

ويراهن ترامب على أن سياسته تجاه الصين ستحقق ربحا سياسيا على المدى الطويل، لكن المؤكد أن الطرفين سيخسران بسبب رفع أسعار الواردات وتقلص الصادرات وعرقلة النمو الاقتصادي، وإن كانت الصين هي الطرف الأقل خسارة، فهي في نهاية المطاف لا تتجاوز وارداتها من السلع الأمريكية 130 مليار دولار سنويًا، في حين تصدر لأمريكا سلع بـ 500 مليار دولار.

كما تمتلك بكين مجموعة من الأسلحة التي يمكنها استخدامها مثل إجراء مبادلاتها التجارية بعملتها المحلية، لا سيما بعد مقترح رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان إجراء المبادلات التجارية بواسطة اليوان بدلا من الدولار، وهي الخطوة التي ستمثل ضربة مباشرة وغير مباشرة للولايات المتحدة وحلفائها وعملة الدولار ككل، خاصة وأن الصين تعتبر مصدرًا رئيسيًا للتعامل بها حيث تبلغ قيمة معاملاتها 2263 تريليون دولار سنويًا.


جانب من فعاليات النسخة الماضية من معرض شانغهاي