"حسين فتح الله".. الصحفي الكبير الذي لم يأخذ حقه

4-11-2019 | 18:41

 

في زحمة الحياة، وفي مصر بالذات تذوب رفقة العمر، وتضيع معالم أيام الشباب، تغيب تلك الذكريات الجميلة خلف غيوم وضباب مشكلات المعيشة اليومية، التي لا تسمح باستعادة لحظات الصداقة البريئة، وشقاوة أيام الدراسة والزمالة، إلا كشريط سينمائي عابر، حتى بين الزملاء والأصدقاء الذين جمعهم مكان واحد، ولكن باعدت بينهم عجلة المهنة التي لا ترحم، وقسوة الظروف التي فُرضت عليهم، وهذا هو حالي أنا وزملاء دفعتي من قسم الصحافة بكلية الآداب جامعة القاهرة "1974"، الذين عملنا ب مؤسسة الأهرام ، الذين استيقظوا من دوامة الحياة على صدمة وفاة زميل وصديق العمر الأستاذ " حسين فتح الله " مدير تحرير الأهرام ، ورئيس

h/القسم العسكري.aspx'> القسم العسكري ، الذي لقي وجه ربه الكريم في أول مايو 2010، بعد رحلة عطاء صحفي طويلة ومؤثرة، تاركًا بصماته الرائعة في العديد من التلاميذ الذين تعلموا منه.

في مدرسة الأهرام العريقة تزاملنا: أنا وعبدالعظيم درويش مدير تحرير الأهرام الراحل، وحسن عاشور مدير التحرير وعضو الديسك المركزي الأسبق، وعادل إبراهيم مدير التحرير ورئيس القسم الاقتصادي الأسبق، ومحمد طعيمة مدير التحرير الأسبق في الطبعة الدولية للأهرام، ومي زكريا نيل، وعبدالجواد علي رئيس القسم البرلماني الأسبق وغيرهم.

نعم كان يجمعنا مكان واحد، وزمالة في أعرق صحف الوطن العربي، وتشربنا قواعد المهنة في ظل هذه المدرسة وأساطينها الكبار، ولكن باعدت بيننا قسوة الحياة ومادياتها، التي يعانيها كل المصريين البسطاء، حتى ولو كانوا من كبار الصحفيين أمثالنا، تعرفت على " حسين فتح الله " منذ أن التحقنا بقسم الصحافة، من اليوم الأول للدراسة، ربطت بيننا كيمياء الكفاح، وجينات التحدي والإصرار، والتمرد، والرغبة في أن نكون سطورًا في كتاب مهنة الصحافة .

أذكر أول يوم التقيته، كان وثيق الصلة ومرتبطًا بزميلنا "حسن عاشور" لدرجة أنني اعتقدت أنهما أقارب، فقد كانا لا يفترقان، وكانا متشابهين حتى في الملابس التي يرتديانها، المهم حدثت بيننا ألفة واتفاق في أشياء كثيرة، كان من أهمها الحرص الشديد على حضور المحاضرات، وفي الصفوف الأولى، كنت دائمًا أرى في عيني حسين فتح الله "التحدي" مع الطيبة المتناهية، والبساطة والقلب الذي يسع الجميع.

كنت مغتربًا، ومحرومًا من دفء الأسرة، وقد وجدت في حسين فتح الله وحسن عاشور محبة الأشقاء، وأصالة الريف، برغم أنهما من قلب القاهرة، ومن أعرق أحيائها الشعبية، وقد أصرا ذات يوم أن يصحبانني إلى حيث العراقة والتاريخ في درب شغلان، بالضرب الأحمر، وهناك شعرت أنني وسط أهلي وأسرتي؛ حيث أحاطتنا والدة حسين، رحمها ورحمه الله، بفيض أمومتها، وقالت لنا إننا إخوات حسين.

منذ هذا اليوم، ونحن لم نفترق، كنا في المحاضرات معًا، نذاكر، نلهو أحيانًا، نجري في شوارع القاهرة، التي لم تكن عرفت الزحام، نتشعلق في الترماي، أو الترولي، ندخل السينما في السيدة زينب "سينما الأهلي" و"سينما الشروق".

كان حسين بسيطًا، غير متكلف، سخيًا "إللي في جيبه، لينا كلنا" وهكذا كنا جميعًا، كنا شلة "الحريتة" كما كان يطلق علينا "عبد العظيم درويش"؛ لأننا لم نكن "نفوت" ولا محاضرة واحدة، وكنا نكتب المحاضرات وراء الدكاترة، وإن كان الأمر لم يخلُ من بعض المعاكسات، خاصة بيننا وبين الدكتورة "إجلال خليفة" التي كنا "واخدين عليها شوية"، وكان حسين يحب القراءة، وكثيرًا ما كان يناقشنا في أفكار وموضوعات الكتب التي يقرأها، وكان محبًا للغناء، خاصة أغاني الست أم كلثوم وعبدالحليم حافظ، وكنا نلتف أنا وهو وحسن عاشور، وحنفي المحلاوي، ومحمد عبد الغني، و"بيومي" حول زميلنا حسن سلامة، الذي كان مغرمًا بتقليد عبدالحليم حافظ، كنا نغلق باب مدرج "48" في قسم الصحافة، ونستمع بهيام إلى حسن وهو يغني.

ومضت أيام الدراسة، وما زلت أذكر حفل التخرج الذي تجمعنا فيه بالمبنى القديم بنقابة الصحفيين، والتقينا نودع بعضنا بعضًا، ونتحدث عن آمالنا العريضة، وما زلت أذكر رغبة حسين فتح الله وإصراره أن يكون صحفيًا في الأهرام، يومها قلت له: "ياعم حسين إحنا غلابة وما لناش واسطة"، فقال: "يا أبوالسباع وسطتنا ربنا"، وتحقق الحلم، والتقينا ثانية أنا وهو وحسن عاشور، وعبد العظيم درويش، وطعيمة، وعادل وعبدالجواد ومضت بنا مركب الحياة، تتقاذفها الأمواج، كان حسين فتح الله ، صحفيًا مميزًا، صاحب قلم يجيد الصياغة، أستاذ في فن التحقيق الصحفي، علم أجيالاً كيف يحصلون على فكرة التحقيق، وكيف يكتبونه بشياكة، وفي أقل عدد من الكلمات، ولن أنسى أنه حفر معي في الصخر، عندما خضنا معا تجربة "الأهرام المسائي" مع الأستاذ مرسي عطاالله.

ثم عدنا إلى بيتنا الكبير "الأهرام"، وأصبح حسين رئيسًا للقسم العسكري، ولو كانت الصحافة في بلدنا منصفة، لكان حسين فتح الله من كبار الصحفيين، المسموعين والمعروفين، ولكنه كان متواضعًا، مكافحًا، فلم يأخذ حقه، سوى يوم وفاته؛ حيث التفت حول جثمانه، وفي سرادق العزاء قيادات العمل الصحفي في مصر، جاءوا يعترفون بقلمه، وبأخلاقه الحميدة، وكفاحه ورحلته الشريفة، ويعطونه صك الاعتراف بمهنيته وعبقريته الصحفية، الذي جاهد طوال حياته ليكونه بعد مماته، وهكذا هي الصحافة، تعطي بعد أن يفوت الأوان، ويرحل الفرسان.

نم حبيبي وصديقي قرير العين، فقد أديت رسالتك على أكمل وجه، جاهدت وتعبت وعرقت، وشقيت وعانيت ومرضت، وظللت مرفوع الرأس، وكان الله في عون بنتيك وابنك، الذين لم تترك لهم سوى حب الناس، وأعتقد أن هذا يكفي، ولن يضيعهم الله أبدًا، فقد أرضيته وأديت ما عليك، يا "سحس" ففي جنة الخلد يارفيق العمر إلى أن نلقاك.

Dr.ismail52@gmail.com

مقالات اخري للكاتب

صلاح منتصر .. حلواني الصحافة المصرية

من الصحفيين الكبار الذين تشرفت بالعمل معهم والتعلم منهم خلال رحلتي الصحفية بجريدة الأهرام، الكاتب الصحفي الكبير الأستاذ صلاح منتصر، الذي يظل أحد الأسماء

عبدالعليم المهدي.. الصحفي الصوفي الزاهد

ليس الأستاذ هو من علمك مهنة أو حرفة أو أضاف إليك معلومة فقط، فالأستاذية معنى كبير وواسع ويمتد أثره ومفعوله بامتداد حياتنا، فكل لحظة في حياتك تكتسب فيها

جلال الجويلي.. ملك الصحافة الخفيفة

خلال مسيرتي الصحفية الطويلة التي بدأتها عمليًا بجريدة الأهرام منذ يناير 1976، تعلمت من كثيرين، أضافوا إلىَّ الكثير، من هؤلاء الصحفي الراحل "جلال الجويلي" الذي يُعد بحق أحد تلامذة العبقري "كمال الملاخ"، وكان هو الوحيد الذي يستطيع تقليد خط الملاخ، خاصة عنوان مانشيت الصفحة الأخيرة "بدون عنوان".

صابر عيد.. جواهرجي الصحافة

قليلون هم من يضعهم الله في طريقنا، ويكون وجودهم نعيمًا وبشرة خير وطاقة نور وجرعة تفاؤل، ومن هؤلاء الأستاذ "صابر عيد"؛ هذا الرجل صاحب أسلوب أدبي لا يقل

"صبري سويلم".. الصحفي والإنسان الطيب الخلوق

الطيبون يرحلون في صمت وبلا ضجيج، يأخذون قلوبنا معهم في رحلة أبدية، يتركون لنا الذكريات الحلوة الجميلة، التي تبقى أملاً في الحياة، ونورًا يضيء لنا الطريق، ومهما شغلتنا الدنيا بالسعي من أجل الرزق ومشاق الحياة، يبقى في الذاكرة رائحة هؤلاء الطيبين، الذين عطروا الأجواء برحيق أحاديثهم وأفعالهم الطيبة.

"حسين فتح الله".. الصحفي الكبير الذي لم يأخذ حقه

في زحمة الحياة، وفي مصر بالذات تذوب رفقة العمر، وتضيع معالم أيام الشباب، تغيب تلك الذكريات الجميلة خلف غيوم وضباب مشكلات المعيشة اليومية، التي لا تسمح باستعادة لحظات الصداقة البريئة، وشقاوة أيام الدراسة والزمالة، إلا كشريط سينمائي عابر، حتى بين الزملاء والأصدقاء الذين جمعهم مكان واحد،