القاهرة تكتب وبيروت تطبع.. ولا أحد يقرأ

3-11-2019 | 18:59

 

تتردد في ذهني من حين لآخر مقولة الراحل العظيم عميد الأدب العربي طه حسين: "القاهرة تكتب.. وبيروت تطبع.. وبغداد تقرأ".. وكان ذلك بالطبع في نهاية ستينيات القرن الماضي.. ولم يكن يعني وقتها أن بغداد لا تنشر ولا تكتب أو بيروت لا تكتب ولا تقرأ أو أن القاهرة لا تنشر ولا تقرأ.. وإنما كان ينقل صورة بلاغية عن حالة التكامل التي كانت بين عواصم العالم العربي على المستوى الثقافي.. وللأسف الشديد هذه الصورة البلاغية للتكامل الثقافي بين الحضارات الثلاث.. مصر والعراق والشام..

واليوم وبعد مرور أكثر من نصف قرن لم يعد هناك أحد يقرأ في العالم العربي.

وتشير إحصاءات معدلات القراءة في العالم العربي إلى تدهور كبير في الواقع الفكري والثقافي لدى الدول العربية، وللأسف الشديد فيما يتعلق الأمر بمعدلات القراءة وأرقام توزيع الكتب أصبحت تفتقر إلى الدقة؛ كونها غير مبنية على دراسات موثقة خصوصًا بعد تدهور الأوضاع الاقتصادية في عدد من الدول العربية، وتردي الأوضاع الأمنية وحالة عدم الاستقرار السياسي؛ سواء في لبنان أو سوريا ومن قبلهما العراق، وأصبحت تلبية الاحتياجات المعيشية أهم كثيرًا بالنسبة للمواطنين في تلك الدول من القراءة واقتناء الكتب.

ونعلم جميعًا ما للقراءة من دور مهم في تقدم الفرد والمجتمع؛ فهي دليل حضاري يٌقاس بها تقدم وتحضر الشعوب.. وتساعدهم في الحصول على المعرفة واكتساب المهارات الأخرى، كما أنها تسهم في تنشئة أجيال أكثر وعيًا وإبداعًا وقدرة على الابتكار والتطور من خلال تشكيل الفكر الناقد وتنمية الاهتمامات من أجل تشكيل عقل ناقد قادر على الفهم والتعبير..

لا أحد يستطيع أن ينكر أن وسائل التواصل والاتصال الحديثة وتكنولوجيا المعلومات قد سحبت البساط من تحت أقدام النشر والناشرين والكتاب المطبوع؛ من خلال ثورة المعلومات والتدفق المعرفي إلا أن قراءة الكتاب المطبوع لها مذاق خاص مختلف لا يعرفه الكثيرون من أجيال الإنترنت والتابلت والبي دي إف.

واقع الأمر أن القراءة في المجتمعات العربية تراجعت بشكل كبير، وتوزيع الكتاب المطبوع شهد انحسارًا وتراجعًا طال حتى الصحف الورقية، وها هي آخرهم على مستوى العالم صحيفة "إكسبريس" الأمريكية التي ودعت قراءها، وغادرت عالم الصحافة الورقية من دون رجعة، وختمت بعنوان مثير قالت فيه: نتمنى أن تستمتعوا بهواتفكم الحقيرة.. وذلك في إشارة إلى الدور الخطير الذي لعبته وسائل التكنولوجيا الحديثة وثورة المعلومات في تراجع مبيعات الصحف الورقية وكل ما هو مطبوع.. فالظاهرة عالمية وليست خاصة بالعالم العربي ولا بالقاهرة ولا ببيروت ولا ببغداد.

ولكن ما زال معدل القراءة وتوزيع ونشر الكتاب الورقي في أمريكا والغرب واليابان وأغلب الدول الصناعية الكبرى أعلى بكثير جدًا جدًا منه في عالمنا العربي.. معدلات القراءة تبلغ في المتوسط 200 ساعة سنويًا، وذلك في الدول الأوروبية والبعض يٌقدرها في عالمنا العربي بنحو 6 دقائق سنويًا..

 ووفقًا لإحدى الدراسات التي أجراها المجلس الأعلى للثقافة في مصر؛ جاء أن العالم العربي ترتيبه الأخير في معدلات القراءة العالمية؛ حيث بلغ متوسط معدل القراءة ربع صفحة للفرد سنويًا.. في حين أن معدلات القراءة في أمريكا وصلت إلى 11 كتابًا للفرد سنويًا وفي بريطانيا 7 كتب .

نعم هناك بعض المحاولات في بعض الدول العربية من أجل رفع مستوى المعرفة والتشجيع على القراءة بين طلبة المدارس والجامعات إلا أنها لا تكفي.

وفي رأيي الشخصي أن الاهتمام بالمكتبات العامة والإنفاق عليها لا يقل أهمية عن الإنفاق على البنية التحتية.. وأتمنى أن تهتم الدولة بذلك خاصة في المجتمعات العمرانية الجديدة والمدن الحديثة التي بدأت الدولة فيها وشارفت على الانتهاء منها، ويجب أن يكون في كل منها مكتبة عامة ضخمة مليئة بالكتب، وبآلاف العناوين من الكتب في مختلف العلوم ونواحي المعرفة، وفي الأدب والثقافة والفكر؛ فالمكتبة لا تقل أهمية في رأيي عن المسجد والكنيسة.

وفي سبعينيات القرن الماضي كانت مصر ذاخرة بالمكتبات العامة في كافة الأحياء، وكنا نذهب إليها نقرأ ونستعير منها.. وفيها قرأنا لكبار الكتاب والمفكرين والأدباء، وكانت نافذة لنا على العالم الخارجي الذي رأيناه فيما بعد يٌقدس الكتب والكتاب وتجولنا في أضخم مكتبات العالم، وصرنا نتحسر على عصر كانت فيه القاهرة تكتب وبيروت تنشر وبغداد تقرأ.. والله المستعان ..

مقالات اخري للكاتب

"مؤتمر برلين" .. ما أشبه الليلة بالبارحة

"مؤتمر برلين" وما أشبه الليلة بالبارحة

يوميات نيويورك 5.. حرب "لم يٌقتل فيها أحد"

المشهد الإعلامي والسياسي الأمريكي خلال الأسبوع الماضي صدق عليه القول الشهير "أسمعُ ضجيجًا ولا أرى طحنًا" وكان أيضًا مليئًا بالصواريخ الفارغة من الرؤوس الحربية وأيضًا مليئًا بصواريخ التغريدات والتويتات على تويتر..

يوميات نيويورك 4 .. ترامب يغرد بالعلم والنار

ترامب المُغرد دائما على تويتر .. نشر تغريدة تحتوي على العَلم الأمريكي فقط، دون أيّ تعليق؛ وذلك بعد إعلان الحشد الشعبي في العراق مقتل اللواء الإيراني قاسم سليماني قائد فيلق القدس، وأبومهدي المهندس نائب رئيس الحشد الشعبي.

يوميات نيويورك 3 .. تويتر أفضل ما حدث لترامب

قد يكون أفضل ماحدث لترامب هو تويتر .. وأفضل ما حدث لتويتر خلال السنوات الأخيرة هو ترامب نفسه .. وهو ما تأكد للقاصي والداني منذ تولي دونالد ترامب منصبه

يوميات نيويورك (2) ترامب .. وتمثيلية عزله

يوميات نيويورك رصدت أعلى نسبة مشاهدة للشاشات في العالم، وحصلت عليها تمثيلية عزل ترامب، وذروتها تصويت مجلس النواب الأمريكي بالموافقة على لائحة الاتهام ضد الرئيس دونالد ترامب، وإحالتها إلى مجلس الشيوخ لاستكمال الإجراءات الدستورية المتعلقة بمحاكمته وعزله من الرئاسة..

يوميات نيويورك (1) .. سيدة الصحافة الرمادية

من أهم الطقوس التي أحرص عليها عندما أصل إلى نيويورك وبعد الاطمئنان على "التايم اسكوير" و"الوول ستريت" وتريليوناته وملياراته، وعلى مانهاتن وتقاطعاته وبلوكاته