ثقافة الطفل المصري.. وتكنولوجيا المعلومات

31-10-2019 | 18:10

 

أعرف منذ البداية في الحديث عن عالم الطفل الآن، أنني أدخل إلى عالم سحري مليء بكل المتناقضات والمفارقات التي لا تخطرعلى بال أحد، فأطفال اليوم ذو طبيعة شديدة الخصوصية، عكس الأجيال التي استمدت ثقافتها وعلومها المعرفية من حواديت "الجدَّة" في ليالي ائتلاف والتفاف الأسرة المصرية عن "الشاطر حسن" و" ست الحُسن والجمال " و"حذاء سندريلا"، ناهيك عن حواديت "الجد" عن "أبوزيد الهلالي" و"عنترة بن شداد" و"سيف بن ذي يزن"، فلم يعُد هذا الجيل "الحكَّاء" موجودًا في واقعنا المعاصر؛ لانشغالهن وانشغالهم في ميادين العمل ومحاولة انتصارهم في صراعات معارك الحياة اليومية، من أجل اكتساب المزيد من "النقود" لسداد ثمن احتياجات المتطلبات الحياتية اليومية من المأكل والمشرب والملبس ونفقات التعليم الرسمي في مقاعد ومدرجات مدارس وجامعات الدولة، الذي يتطلب الكثيرمن الأعباء لمواجهة المتغيرات المتسارعة في المجتمع، فضلًا عن اجتياح عواصف التكنولوجيا المتقدمة التي لا تعبأ بحواديت الشاطر حسن، ولا غزوات أبو زيد الهلالي في أعماق ال

صحراء، من أجل الحصول على السطوة والهيبة والنفوذ بين أبناء القبائل والعشائر والعصبيات.

لقد قفزت التكنولوجيا بحياتنا وحياة أطفالنا إلى آفاق أرحب وأوسع من مدارك الأجيال القديمة، وأصبح لزامًا علينا ـ نحن الآباء والأمهات ـ الانصياع إلى احترام هذا العالم الجديد الذي يخطف عقول وأبصار أطفالنا، تاركين خلف ظهورهم حواديت "الجدَّة" التي لم تعُد "حكَّاءة" تخطف في أحضانها الأحفاد والحفيدات إلى عالمهن الذي لم يعُد سحريًا ولا مبهرًا للأجيال الصاعدة في عالم الطفولة.

فكيف إذن نستطيع أن نحقق التقارب المنشود إلى عالم الطفل والطفولة، للقضاء على الفجوة التي اتسعت بيننا وبينهم هذه الآونة؟

إننا نعرف أن أدب الطفل هو غصن من أغصان شجرة الفن الأدبي الذي يشتمل على أساليب القصة والرواية والشعر التي يعكف الأدباء على كتابتها بشكل خاص للأطفال والأولاد تحت سن المراهقة، لمنحهم أدبًا راقيًا يحمل في طياته كل المعاني الأخلاقية السامية، ليخطو بهم خطوات واثقة مع بداية سن الشباب والرجولة.

ففي الأزمنة القديمة ومرحلة القرون الوسطى، اجتهد الشيوخ والقساوسة في محاولة تلخيص المبادئ العقائدية والتركيز على تفسير ما جاء في القصص بمتن نصوص الكتب السماوية، ولكنها لم تستطع أن تخلق إنسانًا متفاعلاً مع البيئة والمجتمع من حوله بإعمال ملكة التفكير واستخدام العقل، بل صنعت أجيالاً تكاد تجعل من تلك التفاسير الجامدة دستورًا لحياتهم ومعاملاتهم، فاتسعت الفجوة وانقسمت المجتمعات بين مؤيد ومعارض، وتاه "الطفل" بين هؤلاء وهؤلاء، لا يجد المرفأ والملاذ لأفكاره وتطلعاته.

وسرعان ما ظهر مصطلح (أدب الطفل) قبيل بدايات القرن التاسع عشر في الدوريات العربية وفي عناوين المقالات، وهذا بالطبع لا ينفي وجود أدب الطفل قبل ذلك، ولكنه كان فقيرًا جدًا ويقتصر فقط على الأغراض التعليمية البحتة، ويقول بعض المؤرخين: إن "ميلاد هذا الجنس الأدبي مر بعدة مراحل: الترجمة والاقتباس ثم الدعوة النظرية فالتجريب الفني ثم التأصيل، ودعا أمير الشعراء أحمد شوقي في مقدمة ديوانه "الشوقيات" عام 1898م إلى قيام أدب الطفل مقرونًا بالحكايات والقصص الشعرية للأطفال، وأخرج أحمد شوقي نماذج لهذا الأدب متأثرًا بحكايات (لافونتين)، إلا أن هذه النماذج حفلت بكثير من الجانب الرمزي، ولا يفوتني في هذا الصدد أهمية الإشارة إلى كتاب "إميل" الذي كتبه الأديب الفرنسي "جان جاك روسو" عن تربية الطفل وطبيعته، وهو الذي لقي اهتمامًا واسعًا في أوساط علماء التربية، ليس لأهمية محتوى أفكار الكتاب فحسب، ولكن للإحساس بصدق مقولات وآراء"روسو" الذي أتي عبر طفولة معذبة منذ وفاة والدته وعمره لم يكتمل أسبوعه الأول!

ومع تأثرالأدباء في كل أنحاء العالم بأدب وثقافة الطفل، ظهر على الساحة الثقافية المصرية الأديب الروائي كامل الكيلاني، وهو كاتب وأديب مصري اشتهر بأعماله الموجهة للأطفال، وأطلق عليه النقاد لقب رائد أدب الطفل وترجمت قصصه إلى عديد من اللغات، ابتداءً من قصته الأولى (السندباد البحري) 1927م، مرورًا بقصصه التي استقاها من التراث العربي والعالمي أيضًا، وكانت قصص الكيلاني تهدف إلى تغذية روح الطفل وخياله، كما كان يحرص في كتاباته على أن يجنبهم الخطأ اللفظي ويحثهم على القراءة والاطلاع، وكان يضبط الكلمات ضبطًا كاملاً؛ لذلك كان له أكبر الأثر في تشكيل وجدان وأحاسيس ومشاعر المصريين في حقبة تاريخية فارقة تتقاذفها رياح وأعاصير الاحتلال البغيض، فكانت لمؤلفاته الفضل الأكبر في غرس روح الانتماء والوطنية الحقة في نفوس الأجيال التي عاشت مع قصصه المتفردة باللغة الرصينة، وهي من صنعت الأجيال الواعية بقيمة ومقدرات الوطن، تلك الأجيال التي قضت على الاحتلال والإقطاع وانتزعت الحرية للوطن كي يستكمل مسيرته التقدمية إلى يومنا هذا.

ولكننا الآن ــ وللأمانة الوطنية والعلمية ــ لا نستطيع أن نخفي رءوسنا في الرمال، أو بين أكداس الكتب الصفراء لمدعي العلم والسلطة الكهنوتية من خوارج العصر، التي ازدحمت بها أرفف المكتبات العتيقة وأرصفة المساجد والزوايا في كل أنحاءالبلاد، الأمر الذي توارت معه الكتب والقصص ذات القيمة الجمالية والمعرفية، وهوما يستدعي وقفة حازمة من الدولة لإعادة توجيه البوصلة في الثقافة ـ وثقافة الطفل على وجه الخصوص ـ إلى الوجهة الصحيحة، وضرورة رصد الجوائز المادية والمعنوية لكتاب أدب الأطفال والفنانين من الرسامين الذين تخصصوا في تجسيد القصص برسم أبطالها ليعيشوا في خيال الطفل مدى الحياة.

وتبقى بعد كل تلك الأمنيات والأحلام المشروعة لمستقبل أدب الأطفال في مصرنا المحروسة ودائرتنا العربية التي نُطل عليها وتطل علينا، بصفتنا روادًا في كل الفنون والآداب، أن ننجح في أن ننتزع الطفل من الجلوس أمام الشاشات الزرقاء، ليعود إلى احتضان "الكتاب الورقي" ليعيش بين طياته ويستنشق رائحته، بدلاً من التعامل مع الآلات الجامدة والشاشات التي تخطف البصر والبصيرة، فقد أثبتت الأبحاث أن أثر التكنولوجيا على قدرة الأطفال على التفكير أظهرت العديد من الآثار الإيجابية والسلبية من حيث قدرة الأطفال عليه، فهي لا تؤثر فقط على طريقة تفكيرهم بل تؤثر أيضًا على طريقة نمو أدمغتهم وتطورها، حيث يؤكد الكاتب التكنولوجي ( نيكولاس كار) قدرة القراءة على رفع مستوى التركيز والخيال في الدماغ، وبالمقابل على قدرة التكنولوجيا على تحفيز الدماغ على تفحص المعلومات وتخزينها بسرعة وكفاءة عاليتين، مع التركيز على أن نوعية التكنولوجيا التي تقدم للأطفال وطريقة تقديمها لهم هي ما تجعلها ضارة أو نافعة لعملية تطور التفكير لدى الأطفال، خاصةً في السنوات الأولى من حياتهم ..." .

إذن نحن نقع في المسافة بين المطرقة والسندان، تتنازعنا ضرورة اللحاق بمتطلبات العصر واختراعاته التي لا تتوقف لحظة، فأثر التكنولوجيا خطيرعلى سلوكيات الأطفال؛ لأن العلماء ربطوا بين الاستخدام المفرط للتكنولوجيا مع رفع احتمال حدوث السلوكيات الخطيرة لدى الأطفال وغيرها من التقلبات المزاجية، كما ربطوا بين الاستخدام المعتدل للتكنولوجيا وقدرتها على تنمية عدد من المهارات المعرفية والاجتماعية والسلوكية، فالإفراط في استخدام التكنولوجيا تتسبب في تشقق وانهيار جدران الروابط العاطفية بين أهل البيت الواحد، خاصة بين الآباء والأمهات والأطفال، علاوة على ـ بحسب رأي العلماء ـ زيادة احتمالات الوقوع في براثن التدخين وإدمان المخدرات لمجابهة ساعات التحديق في الشاشات التي قد تعرض الموضوعات التي قد تؤذي الذوق العام والأخلاقيات.

إننا بصدد ما يشبه معركة تنظيمية في حقل تحصيل المعارف المهمة لحياتنا، لإمكان تحقيق المعادلة الصعبة للمزاوجة بين الاستفادة من مخرجات التكنولوجيا المتقدمة، والاندماج - في الوقت نفسه - مع تحليق الروح بين دفتي "الكتاب الورقي" بين أيدينا، خاصة في الريف والبيئة الصحراوية التي تشكل مساحة كبيرة من خريطة الوطن، التي قد لا يتوافر لها الكثير من وسائل المعدات التكنولوجية الحديثة، والمسئولية هُنا تقع على عاتق وزارتي التعليم والثقافة؛ المنوط بهما تحقيق وانتشار وجهي عملة النجاح والتقدم والرفاهية للأمم والشعوب: التعليم والثقافة.

مقالات اخري للكاتب

إفريقيا.. المنجم الزاخر بالإنسان

حديثنا اليوم عن إفريقيا؛ المنجم الزاخرالذي لاينضب ـ ولن ينضب ـ من وجود المعادن النفيسة في أعماق تربتها السمراء من الماس والذهب والفضة والذهب الأسود؛ ولكن يظل على أرضها باعث نهضتها التحررية والفكرية أثمن المعادن في الوجود : الإنسان!

البقع السوداء على ثوب الجمال المصري

أعتقد أنه بعد انتشار "ثقافة الغُطْرة والجلباب القصير والشبشب أبو إصبع وأكياس البلاستيك السوداء، ودعاء دخول الحمام؛ وكتب الثعبان الأقرع، وأحجبة السحر لعودة الحبيب بعد ثلاث ساعات على بوز أمُّه".. فهل نعتقد أو نأمل في صمود "ثقافة الجمال" ــ التي تربت عليها أجيال الزمن الجميل ــ أمام كل هذا القُبح؟

حب الوطن

مازال صوت موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب يداعب أذني وأتمايل معه طربًا حين أتذكر تغنيه بالوطن ناشدًا لحنه الرائع.. حب الوطن فرض عليا.. أفديه بروحي وعنيا..

الثقافة.. لُحمة في نسيج التنمية المستدامة!

بات لزامًا علينا نحن أهل اللغة المشتغلين بها، أن ننشغل بقضايا تطورها ككائن حي يتطور دومًا بملاحقة كل المستجدات في عالم التكنولوجيا، ومتابعة تعريب كل المصطلحات

منظومة المجتمع الأخلاقية .. وموقف القوة الناعمة المصرية

تتنازعني عدة اتجاهات عند ضرورة الحديث عن "الأخلاق" في المجتمع، وتغلب على كتاباتي الطبيعة الأكاديمية بحكم اشتغالي في مجال البحث في الأدب واللغة العربية، ولكني أجد أنه لزامًا على قلمي ألا يكتب عن نظريات الأخلاق عند "سقراط" أو "أفلاطون" وحلم المدينة الفاضلة، أو عند "كانط" في علم الجمال،

القوة الناعمة مغناطيس الجذب.. وحماية الأمن القومي المصري

يبدو أنه لا مفر من مجاراة لغة العصر ومستحدثاتها شئنا أم أبينا!

مادة إعلانية