احتفل النبي بيوم مولده وبنجاة موسى من فرعون .. فكيف لا نحتفل به في ذكراه؟!

7-11-2019 | 20:51

المسجد النبوي

 

تحقيق- حسـني كمـال:

هذا الموعد من كل عام يكثر الكلام عن حكم الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وهي قضية اختلف فيها كثير من العلماء، ولكن كيف لا نحتفل به وقد صلى الله عليه، ثم أمر الملائكة بالصلاة عليه، كما أمرنا بالصلاة عليه، وكيف لا نحتفل به، وقد كان صلى الله عليه وسلم يحتفل بيوم مولده يوم الإثنين من كل أسبوع، فسئل عن صيامه يوم الإثنين، فقال صلى الله عليه وسلم، يوم ولدت فيه، فكان يصوم هذا اليوم؛ لأنه يوم مولده، (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين).

 وبهذه المناسبة أكد العلماء أن الاحتفال بالمولد النبوي ، ليس بدعة؛ بل هو خير وبركة يجدد فينا حب النبي محمد "صلى الله عليه وسلم"، ويبث فينا الولاء للنبي، بل إنها سنة حسنة، وبعد أن صام النبي، يوم الإثنين على أنه يوم مولده، فقد احتفل أيضًا بيوم عاشوراء لما قدم المدينة، وقالوا هذا يوم أغرق الله فرعون ونصر موسى، فقال "صلى الله عليه وسلم": نحن أولى بموسى منكم، وأمر بصومه.

وكيف لا نحتفل بمن وصفه الله بأنه صاحب خلق عظيم، بقوله تعالى: (وإنك لعلى خلق عظيم)، ولكن الاحتفال يجب أن يكون منضبطًا، فنجعل هذا اليوم صلاة على النبي، وذكر له، وسماع المدائح التي تقال عنه، أو نطعم الطعام، لندخل السرور على قلوب الفقراء، ففي ذكر النبي تهدئة للنفوس وراحة للقلوب، وأيضًا الاحتفال بيوم مولده فرصة طيبة بأن يجتمع العلماء والدعاة لتذكير الأمة بهذا اليوم العظيم، الذي أضاء الله الكون بمولد النبي، صلى الله عليه وسلم، (فجعله رحمة للعالمين)، وقد جاء في البخاري أنه يخفف عن أبي لهب العذاب كل يوم إثنين، بسبب عتقه لثويبة جاريته لما بشّرته بولادة المصطفى صلّى الله عليه وسلّم.

تقديم حب الرسول صلى الله عليه وسلم

وأشار الدكتور عبدالغني الغريب طه، أستاذ العقيدة والفلسفة، بجامعة الأزهر، إلى أن الحب لسيدنا رسول الله "صلى الله عليه وسلم"، يعني التأسي به، والتخلق بأخلاقه، صلى الله عليه وسلم، والسير على طريقه، واتباع سنته، والإيمان يزداد بحب النبي، صلى الله عليه وسلم، فقد قال الله تعالى: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)، وقال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا)، ويقول المولى عز وجل، (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُم)، ومن هنا حب النبي، صلى الله عليه وسلم، من أصل الإيمان بالله ورسوله.

رسائل من النبي صلى الله عليه وسلم

وأوضح د. الغريب، أن النبي، صلى الله عليه وسلم، علمنا كيف نحب بيتنا، وزوجاتنا، وأولادنا، وأن الحب يوسع المنزل الضيق، فهذه حجرة عائشة رضي الله عنها، كانت، صغيرة، ولكنها كانت بمثابة بيت فسيح ومليئ بالحب الذي يوسع البيت الضيق، فلم تمنع النبي، صلى الله عليه وسلم، مشاغله عن اهتمامه بزوجاته، فكان صلى الله عليه وسلم، في الطريق من خيبر إلى مكة عندما جاءت زوجته صفية تصعد إلى الهودج احتاجت مساعدة حتى تصعد، ولكنه جثا على ركبتيه، صلى الله عليه وسلم، بجانب الجمل وساعد السيدة صفية، وجعلها تضع قدمها على ركبتيه، لتصعد إلى الهودج، وأيضًا في ختام حياته عليه السلام في حجة الوداع.

كانت صفية تركب على جمل ضعيف فتخلفت وتأخرت عن الركب، وكان من الممكن أن يرسل لها أحدًا يتفقدها، ولكن ذهب بنفسه، ولما رأته مقبلا عليها أجهشت بالبكاء، فإذا به صلى الله عليه وسلم، يلتقط دمعها بيديه الشريفة، فعل ذلك، وهو في الستين من عمره، ومع ذلك في قلبه جمال عاطفي يمارسه مع زوجته صفية، فيجب أن نتعلم منه كيف يكون المسلم في بيته وكيف يعامل زوجاته.

وسئلت عائشة، بعد وفاته كيف كان صلى الله عليه وسلم في بيته؟ قالت كان بشرًا من البشر، إلا أنه كان ضحوكًا بسامًا، وكان في خدمة أهله، يخصف نعلمه، ويجلي ثوبه، ثم يذهب إلى المسجد، فما أعظمه، وبعد سنوات وكان يقول لعائشة في البيت، ياعائش، وسابقها وسبقها، حينما زاد وزنها وكبر سنها، فكان بسيطًا رحيمًا في بيته، صلى الله عليه وسلم.

خلقه الكريم صلى الله عليه وسلم قبل الرسالة

وأشار، د. الغريب، إلى أن المحب لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، سيكون أقرب إليه يوم القيامة، فقال صلى الله عليه وسلم، (أقربكم مني منزلة أو مجلسًا يوم القيامة أحسنكم أخلاقًا) ومن أحب أن يكون مع النبي، "صلى الله عليه وسلم"، فكلما أكثر المسلم من الصلاة على رسول الله دنت رتبته منه يوم القيامة، فلا ينبغي أن يجري اسمه مجردًا من رتبته على ألسنتنا، ونخاطبه بكل أدب حيثما أدبنا الله في خطابنا له، (يا أيها الرسول) فهو سيد ولد آدم ولا فخر، وهو صاحب اللواء يوم القيامة، وصاحب الحوض المورود، وأول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة، أول شافع وأول مُشفع، وأول من يمسك بحلق الجنة فتفتح له أبوابها، فالاحتفال بذكرى مولده، صلى الله عليه وسلم، يجب أن يكون بالطاعة لله ولرسوله، والاستقامة على شريعة الله عز وجل، والإكثار من الصلاة على النبي، واتباع سنته الشريفة، وأن نترك المعاصي، وأن نكثر من الحسنات، وأيضًا رأيناه، صلى الله عليه وسلم، كيف عامل الأطفال، والأرامل، واليتامى، وشهدت له السيدة خديجة بكل ذلك قبل أن تأتيه الرسالة، فقالت له حينما جاءها من الغار فقال (لقد خشيت على نفسي)، أي مما حدث له في الغار من أمر الوحي، ورؤية جبريل عليه السلام، فقالت له: (كلَّا! والله ما يخزيك الله أبدًا؛ كلا لن يحزَن قلبُك، ما دام يحمل الخيرَ للناس، وما رأيتَه قد يكون فيه خيرٌ لك؛ فلن يخزيَك الله، فإنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتؤدي الأمانة، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق)، فكان للنبي، صلى الله عليه وسلم، كل هذه الصفات التي تميز بها عن سائر البشر، واجتمعت في النبي، محمد صلى الله عليه وسلم، قبل أن تأتيه الرسالة.

الجود والكرم

وأشار د. الغريب، إلى أهمية الصلاة على المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهي علامة من علامات الجود والكرم والسخاء، فقد قال المعصوم صلى الله عليه وسلم: (رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علىّ)، وهذا الحديث فيه إشارة إلى أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم واجبة عند ذكره، وعند سماع اسمه، صلى الله عليه وسلم، فإن الصلاة على المصطفى صلى الله عليه وسلم، علامة من علامات توقيره، صلى الله عليه وسلم، مصداقًا لقول الله عز وجل، (لِّتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا).. والتعزير: اسم لنصر الرسول وتأييده في كل ما أتى وأمر به، والتوقير: اسم لكل ما فيه طمأنينة وسكينة من الإجلال والإكرام. وتوقير المصطفى صلى الله عليه وسلم، إنما يكون بالتشريف والتكريم والتعظيم، عن كل ما يخرجه عن حد الوقار، ومن ثم فإن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم هي من علامات التوقير والتشريف، وهى من موارد الإصلاح التي يسعى بها المسلم أن يكون في زمرة المصلحين.

تكفير الذنوب

وأضاف د. الغريب، إن الصلاة على المصطفي صلي الله عليه وسلم فيه إزالة للهم، وتكفير للذنب، وقد رويت في ذلك قصص كثيرة عن أناس أصابهم الهم والغم في حياتهم، ثم دلوا على الصلاة على النبي ولزموها فتبدلت أحوالهم، وانكشفت همومهم. يذهب أبى بن كعب ويقول للرسول صلى الله عليه وسلم: إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟ فقال: ما شئت، قلت الربع؟ قال: ما شئت، فإن زدت فهو خير لك، قلت: النصف؟ قال: ما شئت فإن زدت فهو خير لك، قلت: الثلثين، قال: ما شئت فإن زدت فهو خير لك، فقال أجعل لك من صلاتي كلها، قال صلى الله عليه وسلم: إذا تكفى همك، ويكفر لك ذنبك. وللصلاة على النبي فضل عظيم ومن ذلك: أنها تجعل المسلم دائما تذكره الملائكة... وأنه ينال بالصلاة شفاعة الحبيب كما جاء في الحديث.. كما أنها تجعل المسلم يزداد رزقه ويبارك له في أولاده وأهله.

شراء الحلوى في المولد

ويقول الدكتور عبدالوارث عثمان، أستاذ الشريعة الإسلامية، بجامعة الأزهر، فهم البعض في بلادنا أن الاحتفال يعني شراء الحلوى فقط، ولا احتفال إلا بشراء هذه الحلوى، فقد أساءت الناس فهم معنى الاحتفال بمولد النبي، "صلى الله عليه وسلم"، مع أن الاحتفال والاحتفاء بمولد النبي، "صلى الله عليه وسلم"، إنما يكون بإحياء السنة النبوية الشريفة، والصلاة عليه، واتباع هذه السنن، وأن نعلمها لأطفالنا، خاصة في هذا الزمن الذي صار فيه الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، فكيف يحتفل والد مع أولاده ويعلمهم السنة النبوية الشريفة، ثم نجد عقوق للوالدين؟! أو قطع صلة الرحم، أو نهب وسرقة، أو رشوة، أو فساد، فلو اتبعنا النبي، صلى الله عليه وسلم، ما فعلنا ذلك أبدا، ولاشك سوف تختفي هذه المفاسد التي تؤرق أمن المجتمع وتنشر فيه القلق والتوتر. ولذا وجب علينا، حينما نحتفل بالنبي، صلى الله عليه وسلم، أن نتذكر أنه جاء رحمة للعالمين، وهذه الرحمة تعني تكريم الإنسان، (ولقد كرمنا بني آدم)، وأن رسالة النبي، صلى الله عليه وسلم، جاءت تكريما للبشرية، والاهتمام بحقوق الإنسان، فقد وقف النبي، لجنازة اليهودي، وحينما سئل، فقال: (أليست نفسا)، فأي تكريم بعد ذلك علمنا إيه النبي.

المغالاة والإفراط

وحذر د. عبدالوارث، من الإفراط والتفريط، فديننا (وسطي)، فالإفراط من المبتدعات التي تحدث في مولد النبي، "صلى الله عليه وسلم"، من المغالاة في الاحتفال به، بطرق تبعدك عن النبي، صلى الله عليه وسلم، ودون اتباع له "صلى الله عليه وسلم"، وحذر من إقامة سرادقات تقام وتمتلئ بالحلوى، ويصنع منها تماثيل، فلاشك أن هذا يدمر العقيدة الإسلامية، ويضعف من الإيمان بأن رسالة الإسلام الخالدة التي حمل لواءها رسول الله "صلى الله عليه وسلم"، ليست أهواء ولعبًا ولهوًا وتسلية، فقد قال "صلى الله عليه وسلم": (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، أي أن أمره مردود عليه غير مقبول، فقد سؤل "صلى الله عليه وسلم" عن صيام يوم الإثنين، فقال "صلى الله عليه وسلم"، (ذلك يوم ولدت فيه)، فكان النبي، "صلى الله عليه وسلم" يحتفي به بالصوم، والصوم من أرقى العبادات التي يتعبد بها المسلم لربه، فالاحتفال بمولد رسول الله، "صلى الله عليه وسلم" لا يكون إلا باتباع أوامره واجتناب نواهيه، "صلى الله عليه وسلم".