الرحمة فوق العدل

30-10-2019 | 19:53

 

جاء خبر مأساة القطار الخاص بمصرع شخص وإصابة آخر؛ صادمًا للناس؛ وكشف عن عدد من الملابسات؛ التي توجب وضعها في الحسبان؛ فقد بات هناك تباين واضح في سلوكياتنا؛ إلى نحو أفضى ببروز بعض التصرفات الغريبة على مجتمعنا المحافظ؛ ولا تقول لي إنها تصرفات فردية؛ لأن ما خفي كان أكثر.

فبعد قراءة كل ما تم نشره أو إذاعته عن حادثة القطار؛ يظهر بجلاء شديد انعدام مفهوم الرحمة في التعامل مع الواقعة؛ نعم ليس من حق الشابين ركوب القطار بدون دفع الأجر المقابل؛ لاسيما ونحن بشكل أو بآخر نحارب ظاهرة الباعة الجائلين ؛ ونمقتها؛ رغم وجود من يرى في هؤلاء الباعة سبيلًا شريفًا لنيل لقمة العيش؛ إلا أن الأمر لا يمكن أن يصل لحد نزولهم من القطار أثناء سيره!

فهذا أمر لا يقبله عقل ولا منطق على الإطلاق؛ إنما الغريب والمثير للتعجب؛ ليس فقط تصرف المسئولين عن القطار؛ ولكنه سلوك الركاب؛ فلم يمتعض أحد منهم لوقف تلك المهزلة؛ وحال دون حدوثها؛ حتى صار الندم عنوانًا براقًا لتلك الحادثة.

الأمر أكبر من ذلك بكثير؛ فما حدث ينبئ عن غياب العقل وانزوائه وراء تطبيق العدل؛ وهنا المبرر واهٍ؛ فليس من العدل إزهاق روح لأنها تعثرت في سداد بضعة جنيهات؛ ولا يمكن مقارنة الحياة بأي قدر من المال؛ فلا توجد شريعة دينية تقول ذلك.

بل دعونا نتذكر ما حدث مع رجل رأى كلبًا كاد يموت من العطش؛ فجاهد نفسه ونزل بئرًا؛ ملأ خفه بالماء؛ وعاد ليرويه؛ فأنقذ حياة الكلب؛ ذلك الحيوان الضعيف؛ الذي لا يملك من أمره شيئًا؛ فكافأه الرحمن الرحيم بدخوله الجنة؛ وكذلك مع المرأة التي حبست هرة؛ لا أطعمتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض؛ فكان جزاؤها دخول النار؛ عقابًا على غلظة قلبها؛ برغم تدينها.

فما بالنا من التعامل برحمة مع بني آدم؛ ولا توجد مبالغة حينما نقول إن الرحمة فوق العدل لما لها من مكانة عظيمة عند الرحمن الرحيم؛ الذي كتب الرحمة على نفسه.

ما حدث مع واقعة القطار يكاد يتكرر يوميًا؛ في أبعاد أخرى؛ وبات علينا أن ندق ناقوس الخطر توضيحًا؛ حتى لا تكرر تلك الواقعة مرة ثانية ولكن بشكل مختلف؛ فللأسف؛ يكاد يكون منطق البلطجة سائدًا بدرجة ما في مجتمعنا؛ بعد أن أسهبت الدراما التليفزيونية في التمجيد لها؛ ومعها كثير ممن يُطلق عليها أغان شعبية؛ تمجد في البلطجة وتحض عليها؛ وبتنا نشاهد معارك طاحنة لأشخاص يستعملون الأسلحة البيضاء وما شابه؛ لتكون نتيجتها إزهاق أرواح الأبرياء؛ والوقائع المؤكدة على ذلك كثيرة؛ أشهرها حادث المنوفية الشهير؛ الذي راح ضحيته الشاب محمود البنا ؛ سواء كان السبب غياب التربية؛ أو التنمر ؛ أو أشياء أخرى منها تمجيد البلطجة كما ذكرنا سابقًا؛ سيظل غياب مفهوم الرحمة مؤلمًا ومحزنًا للغاية.

أضف إلى ذلك طريقة التعامل مع الضعفاء؛ باتت مهينة ومقيتة؛ فإن لم تستطع أن تكون معينًا؛ فلا داعي لأن تكون فجًا غليظًا؛ وهذا أمر آخذ في الانتشار بدرجة مخيفة؛ وبات علينا التحدث عن هذا الأمر بوضوح لمحاولة إيجاد حل سريع.

وأنهي بحوار دار مع أحد المعارف حول طريقة تربيته لنجله؛ فهو يرى ضرورة إلمامه بكل آليات التنمر ؛ بل وبمعرفة طرق التعامل الجديدة؛ وضرورة أن يكون ذلك منهجه في حياته؛ وأن الأفضل لنجله أن ينزع الرحمة من قلبه؛ فهذا زمن الأقوياء - بحسب زعمه - وعندما عددت له فوائد التعامل الرحيم ومزاياه وفضله الذي ذكره الله سبحانه وتعالى؛ كاد أن ينهرني؛ فأنهيت النقاش؛ دون أن تتغير مفاهيمي.

وهذا قد يكون كفيلًا بتفسير ما نعانيه في واقعنا؛ من تغوُل بعض العادات السيئة داخل مجتمعنا الذي تربى على قيم فاضلة؛ فهل السبب ما فعلته بنا الدراما الحديثة؛ من بث سموم أدت لما سوف نعانيه؟

وهل علينا تدارك تلك الأخطاء؛ قبل أن تصل لمدى يصعُب علاجه؟ أم نتركها؛ لتنهش من قيمنا الجميلة؛ لنستدعي الندم لينال منا وقت لن يفيد استدعاؤه؟

سؤال ستجيب عنه الأيام المقبلة!!

emadrohaim@yahoo.com

مقالات اخري للكاتب

السيستم المُقدس!

اتفق الناس على وضع القوانين؛ لتنظيم أمور حياتهم؛ فمع وضوحها؛ وترسيخها؛ تتضح المعالم؛ وتنجلي المفاهيم؛ حتى يسود العدل بينهم؛ وكان حينما يظهر بعض العوار في أحد القوانين؛ تتسارع الخطى لتصويبه؛ فهي ليست مقدسة؛ لأنها من صنع الإنسان؛ ووضِعت لتستقيم حياته.

الرحمة فوق العدل

جاء خبر مأساة القطار الخاص بمصرع شخص وإصابة آخر؛ صادمًا للناس؛ وكشف عن عدد من الملابسات؛ التي توجب وضعها في الحسبان؛ فقد بات هناك تباين واضح في سلوكياتنا؛ إلى نحو أفضى ببروز بعض التصرفات الغريبة على مجتمعنا المحافظ؛ ولا تقول لي إنها تصرفات فردية؛ لأن ما خفي كان أكثر.

مشاهد مؤلمة!

ما حدث يوم الثلاثاء الماضي صادم ومؤلم لكثير من المواطنين، ولا يمكن المرور عليه بهدوء، ولابد من وقفة حازمة، تعيد لنا الانضباط المفقود بسبب الرعونة والتسيب اللذين لمسهما المواطنون وعانوا منه بشكل لا يُحتمل.

الضمير!

الحديث عن الضمير شيق ومثير؛ ودائمًا ما يطرب الآذان؛ ولما لا وهو حديث ذو شجون؛ يأخذ من الأبعاد ما يجعله رنانًا؛ فدائما حينما ينجرف الحوار إلى الضمير؛ تجد ما يثير شهية النفس لتدلي بدلوها في مفهومه وأهميته.

ضريبة العمل العام

حكى لي صديقي المُقرب عن أزمة يعانيها؛ نتيجة توليه مسئولية إدارة شئون عمارته التي يقطن بها؛ بعدد سكانها الكبير للغاية؛ فمنذ تولي المسئولية هو وبعض من جيرانه؛ وهو يُواجه بسيل كبير من الانتقادات والإيحاءات غير اللطيفة؛ عن كيفية إدارته لأحوال العقار القاطن به.

ضرورة وجود آلية لضبط الأسعار

لا خلاف على أن ارتفاع الأسعار من العوامل المؤثرة على قطاع كبير من المواطنين، لاسيما بعد وصولها لمستوى يفوق قدرات الكثير من الناس، وبات حديث الأسعار قاسمًا مشتركًا للناس، ودائمًا ما ينتهي هذا الحديث بتمنياتهم بنزولها.