جنون "السيلفي"!

30-10-2019 | 19:53

 

في الأساطير القديمة يروى أن شابًا وسيمًا اسمه نرسيس كانت تحبه جميع الفتيات، ولم يكن يعرف لماذا كل هذا الحب المهووس به، وكان كل ما يرجوه أن يتركه الجميع وشأنه؛ إلى أن رأى صورته ذات يوم منعكسة على مياه البحيرة، فأحب نفسه كثيرًا، ولم يعد يرغب في أي شيء سوى النظر إلى نفسه في المياه، وذات يوم حاول نرسيس أن يلمس صورته المنعكسة في الماء، فسقط ومات ونبتت مكانه زهرة سميت زهرة النرجس، والتي اشتقت من اسمها كلمة النرجسية..

ومن يومها، صارت النرجسية عنوانًا للإعجاب بالذات، ولعل أبرز صور تجليها اليوم صور السيلفي؛ التي تكاد تُغرق صفحات التواصل الاجتماعي، ولا يترك الناس مناسبة، مهما علت مناصبهم من دون التقاط "سيلفى"!

واليوم، معظم الدراسات التي بحثت موضوع السيلفي عبر الهواتف الذكية لا تخلو من الإشارة لارتباطه بالشخصية النرجسية "نارسيسيزم" المعجبة بذاتها والمدفوعة برغبة مُلحة في الاستحواذ على إعجاب الآخرين.

كثير من الناس بلغ بهم التقاط صور "السيلفي" حد الهوس، وربما ترى الكثيرين حريصين على "السيلفي" وتغيير "بروفايلاتهم" ربما أكثر من مرة في اليوم.. إنه هوس "عيش اللحظة" من باب التسلية أو سعيًا لنيل إعجاب الآخرين..

وهكذا صار السيلفي هو الأكثر شهرة على مواقع التواصل الاجتماعي، وطبيعي أن انتشاره استجابة طبيعية للتطور التكنولوجي في طرق التواصل؛ فمع انتشار فيسبوك، وتويتر، وإنستجرام وسناب شات طور الناس من طرقهم في التعبير عن أنفسهم وشخصياتهم، وكان تصوير السيلفي أحدها.

اهتمام العلماء بهذه الظاهرة، لم يتوقف عند حد الرصد، بل هناك ما هو أعمق، فمدمنو "السيلفي" يحسبونه هينًا، وهو عند مراكز الأبحاث عظيم، ففي الوقت الذي نراه نحن تسلية، يراها علماء الغرب ومراكز أبحاثه نافذة عظيمة لهم لتحليل الشخصيات، ورصد طباع الشعوب، وخاصة شبابها.

ومن بين أدلة رصدهم، يقولون إن نحو 55% من صور جيل الشباب المنتشرة على مواقع التواصل التقطت بطريقة السيلفي، وأن ما يزيد على ألف صورة سيلفي تنشر على موقع إنستجرام كل 10 ثوانٍ!.

حد الهوس جعل البعض يبحث عن أي مكان غير معتاد لالتقاط صورة "سيلفي"، وربما فقد "مهووسين" حياتهم سعيا وراء لقطة "سيلفى" انفرادية، حتى ولو كان في الفضاء!

وكالة الطيران والفضاء الأمريكية "ناسا"، عاشت اللحظة هي الأخرى، وترشح لمدمني السيلفي أماكن كثيرة "خارج الأرض"، دون أن يغادروا أماكنهم، مثلما فعل بنا نحن المصريين فنان الجرافيك محمود سرور، وصعد بنا جملة واحدة إلى سطح القمر، وهو ما كان حديث المقالة السابقة.

مع تطبيق وكالة ناسا "NASA Selfies" الجديد، الذي أصدرته على "جوجل" و"آبل"، يمكنك التقاط صور سيلفي في بدلة فضائية افتراضية، تظهر أمام مواقع كونية رائعة، مثل السديم الجبار، أو وسط مجرة درب التبانة؛ حيث يمكنك اختيار الخلفية الملائمة من بين 30 خلفية متنوعة، وكلها صور حقيقية للفضاء، والتقاط الصورة قبل مشاركتها على مواقع التواصل الاجتماعي.

السؤال الذي يفرض نفسه.. لماذا يلتقط الناس السيلفي؟

لخصت دراسة أجراها مجموعة من العلماء عام 2016، أربعة أسباب ساقها ملتقطو السيلفي في نشر صورهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أولها لفت الانتباه وحمل الآخرين على رؤيتهم والاعتراف بوجودهم وتقييمهم بالإعجاب، ثانيًا التواصل مع الآخرين، عن طريق التعليقات والإعجابات، وثالثًا الأرشفة، وهي الوظيفة المعروفة للصور بشكل عام، والتي تعتبر وسيلة أخرى لحفظ الذكريات؛ ورابعًا التسلية.

أما علماء الكمبيوتر في مدرسة "دونالد برين" لعلوم الحاسب والمعلومات بجامعة كاليفورنيا فوجدوا أن التقاط المزيد من صور السيلفي، وتبادل هذه الصور مع الأصدقاء عبر وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن يجعل الشخص أكثر سعادة، وأكثر قدرة على مكافحة الاكتئاب.

لكن جمعية الطب النفسي الأمريكية كان لها رأي آخر في السليفي، فبعد سلسلة من الأبحاث والدراسات صنفته ضمن قائمة الاضطرابات النفسية، وأطلقت عليه اضطراب "وسواس السيلفي" "Selfitis"، وعرفته بأنه "أحد أشكال اضطراب الوسواس القهري الذي ينعكس في التقاط الفرد صورًا لنفسه، ويشاركها على التواصل الاجتماعي بشكل قهري.

هذه الجمعية صنفت السيلفي إلى ثلاثة أنواع محددة بحسب شدة الاضطراب هي:

وسواس السيلفي الحدي، وفيه يأخذ الفرد صورًا لنفسه ثلاث مرات على الأقل يوميًا، لكنه لا يشاركهم على مواقع التواصل.

وسواس السيلفي الحاد، وفيه يأخذ الفرد صورًا لنفسه ثلاث مرات على الأقل يوميًا، ويشاركهم على مواقع التواصل.

وسواس السيلفي المزمن، ويعرف بأنه رغبة مُلحة لا يمكن السيطرة عليها لالتقاط الفرد صورًا لنفسه على مدار الساعة، ونشرها على مواقع التواصل لأكثر من 6 مرات في اليوم.

أيًا كان الغرض من السيلفي، تسلية، أو رغبة في جمع "لايكات" الآخرين والتفاعل معهم، فهي تسلية مجانية، لكن هناك مشاهير يجنون الملايين من وراء ذلك، فلاعب الكرة رونالدو يجني سنويا 47 مليون دولار من مشاركة صوره على تطبيق إنستجرام وحده، في حين أن راتبه السنوي من ناديه يوفنتوس 34 مليون دولار!

مقالات اخري للكاتب

آفة هذا الزمان؟!

قديمًا قال أمير الشعراء أحمد شوقي، يوم افتتاح نقابة الصحفيين في مصر في مارس من عام 1941: لكل زمان مضى آية .. وآية هذا الزمان الصحف .. لسان البلاد ونبض العباد.

انحطاط غربي باسم الحرية!

في تحدٍ سافر لكل تعاليم الرسالات السماوية والسنن الكونية وللفطرة والنفوس السوية، تداولت إحدى وسائل الميديا الغربية قبل أيام فيديو يجب أن يستوقف كل ذي عقل ودين، رافضًا ومستنكرًا، بل ومحذرًا، حتى يبرئ ساحته ويمتلك حجته حين يسأل عن منكر لم ينكره..

الخطر القادم في "طائرة درون"!

ما أقسى أن تنهض من نومك فزعًا على صراخ سيدة في الشارع؛ وقد تعرضت للتو لخطف حقيبة يدها من مجرم مر بسيارته مسرعًا إلى جوارها..

خلُى الدماغ صاحي!

إن من أعظم النعم التي اختص الله عز وجل بها الإنسان نعمة العقل، وميزه بها عن سائر المخلوقات، ومن الإعجاز العلمي أنه حتى اليوم عرف العلماء كيف يعمل المخ، لكنهم لم يتوصلوا إلى مكان وجود العقل!

ممنوع دخول البشر!

لقرون طويلة ظلت الأسرة والمدرسة تلعبان دورًا أساسيًا فى تكوين مدارك الإنسان وثقافته، وفى تشكيل القيم والأخلاق التى يتمسك بها، أما اليوم فقد تلاشى دورهما وانتقل جزء كبير من هذا الدور إلى شبكات الإنترنت والهواتف المحمولة..

مصريون على سطح القمر!!

"رافضك يا زماني.. يا مكاني.. أنا عايز أعيش في كوكب تاني"، جزء من أغنية الفنان مدحت صالح، يتحول إلى لوحات جرافيك خيالية، كما لو كانت فيلمًا من أفلام الخيال العلمي.