متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟

31-10-2019 | 16:33

 

عطفًا على حديثي بمقالي السابق " هذا هو الإسلام "، الذي تحدثت فيه عن حملة وزارة الأوقاف العالمية الدعوية " هذا هو الإسلام "، التي أطلقتها لهذا العام بأكثر من عشرين لغة، بيانًا لصحيح صورة ديننا للدنيا بأسرها، ووفاء لصفحته النقية التي شوهت نقاءه ووجهه المشرق الجماعات المتطرفة، وقربًا لاحتفالنا بمولد نبينا - الرحمة المهداة للبشرية جمعاء - صلى الله عليه وسلم، أذكر أنه كما ثمة عدد من المستشرقين الذين أرادوا تشويه إسلامنا بما ليس فيه، زورًا وبهتانًا، - وما زالوا - فإن ثمة عددًا كبيرًا من المنصفين منهم أعطوا

الإسلام حقه، بيانًا وردًا مقنعًا، مفحمًا لمشوهيه، ومزوري تاريخ صفحاته الناصعة الزاهرة.

وإذا كان ثناء التابعين على متبوعهم أمرًا طبيعيًا، فإن اللافت للانتباه ثناء الأعداء والمخالفين لنا في العقيدة، لديننا ونبينا الحبيب صلى الله عليه وسلم، قولًا وتصديقًا لحقائق لا مفر لهم منها، ولا جدال عليها، فلم يستطيعوا إخفاءها، أو طمسها، رأوها ببصيرتهم وأفئدتهم قبل أعينهم، فكان القول الفصل "الفضل أو الحق ما شهد به الأعداء"، حقائق نطقت بها ألسنتهم لتكون حجة على المكابرين والمعاندين، وممن يأبى إلا الكذب والتزوير، وقلب الحقائق من بني جلدتهم.

من هؤلاء المستشرقين المنصفين، المستشرقة الألمانية " زيغريد هونكه " التي تؤكد في كتابها " شمس العرب تسطع على الغرب " قائلة: " العرب لم يفرضوا على الشعوب المغلوبة الدخول في الإسلام، فالمسيحيون والزرادشتية واليهود الذين لاقوا قبل الإسلام أبشع أمثلة للتعصب الديني وأفظعها، سمح لهم جميعًا - دون أي عائق يمنعهم - بممارسة شعائر دينهم، وترك المسلمون لهم بيوت عباداتهم وأديرتهم وكهنتهم وأحبارهم دون أن يمسوهم بأدنى أذى"، ثم تتساءل مستنكرة من يتهم إسلامنا بالوحشية والإرهاب ومعاداة الآخر: "أو ليس هذا منتهى التسامح؟ أين روى التاريخ مثل تلك الأعمال؟ ومتى؟!".

المؤرخ الإنجليزي " السير توماس أرنولد " أيضًا في مؤلفه " الدعوة إلى الإسلام "، يصف كيف عامل المسلمون المسيحيين بتسامح جم، وكيف كان رد فعل هؤلاء المسيحيين، إذ يقول: "لقد عامل المسلمون الظافرون العرب المسيحيين بتسامح عظيم منذ القرن الأول للهجرة، واستمر هذا التسامح في القرون المتعاقبة، ونستطيع أن نحكم بحق أن القبائل المسيحية التي اعتنقت الإسلام، قد اعتنقته عن اختيار وإرادة حرة، وأن العرب المسيحيين الذين يعيشون في وقتنا هذا بين جماعات المسلمين لشاهد على هذا التسامح".

كما يقر بالحق المؤرخ الفرنسي " غوستاف لوبون " في مؤلفه " حضارة العرب "، فيؤكد أن القوة والسيف لم يكونا البتة سببا لانتشار وتوسع رقعة الإسلام بالعالم، بل العدل والتسامح والرحمة، فيقول: "إن القوة لم تكن عاملًا في انتشار القرآن، فقد ترك العرب المغلوبين أحرارًا في أديانهم، فإذا حدث أن انتحل بعض الشعوب النصرانية الإسلام واتخذوا العربية لغة لهم، فلذلك لما كان يتصف به العرب الغالبون من ضروب العدل الذي لم يكن للناس عهد بمثله، ولما كان عليه السلام من السهولة التي لم تعرفها الأديان الأخرى"، مستطردًا: "ما جهله المؤرخون من حلم العرب الفاتحين وتسامحهم، كان من الأسباب السريعة في اتساع فتوحاتهم، وفي سهولة اقتناع كثير من الأمم بدينهم ولغتهم، والحق أن الأمم لم تعرف فاتحين رحماء متسامحين مثل العرب ولا دينًا سمحًا مثل دينهم".

بل أدرك المؤرخ والمفكر الأمريكي "وول ديورانت" في كتابه "قصة الحضارة"، تسامح ورحمة إسلامنا، فرأى هذه الحقيقة الواضحة وضوح الشمس في كبد الظهيرة، فاتفق مع جاء به سلفًا غوستاف لوبون ، مقررًا: "وعلى الرغم من خطة التسامح الديني التي كان ينتهجها المسلمون الأولون، أو بسبب هذه الخطة اعتنق الدين الجديد معظم المسيحيين وجميع الزرادشتيين والوثنيين إلا عددًا قليلاً منهم، واستحوذ الدين الإسلامي على قلوب مئات الشعوب في البلدان الممتدة من الصين وإندونيسيا إلى مراكش والأندلس وتملك خيالهم وسيطر على أخلاقهم، وصاغ حياتهم، وبعث آمالا تخفف عنهم بؤس الحياة ومتاعبها".

وإن كنت اختلف معه كلية في لفظته – خطة التسامح – حيث إن هذا الخلق سمت أصيل من طباع نبينا الهادي صلى الله عليه وسلم ومعه صحابته الكرام (رضوان الله عليهم جميعا) وسلفنا الصالح الفاتحون، وليس سمتا مصطنعا أو متكلفا أو مبتذلا، وربنا –عز وجل -، يبين ذلك في قوله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (الممتحنة 8).

فأي عدل هذا الذي لا تجده إلا في ديننا الإسلامي وعند أتباعه ومعتنقيه، وأمثال هذه المواقف الرائعة، دفعت بطريرك بيت المقدس في القرن التاسع للقول عن العرب في كتابه إلى بطريرك القسطنطينية: "إنهم يمتازون بالعدل، ولا يظلموننا البتة، وهم لا يستخدمون معنا أي عنف".

صفوة قولي إن دلالات عدل الإسلام والمسلمين مع أهل ذمتهم كثيرة، وتاريخنا الإسلامي وغيره خير شهود عيان على ذلك، ومنه قصة القبطي مع عمرو بن العاص وابنه، وكيف اقتص الخليفة عمر بن الخطاب للقبطي في مظلمته من أمير مصر وابنه، قائلا كلمته التي أضحت شعارًا وحجة للناس: "يا عمروُ متى استعبدتُم الناسَ وقد ولدتهُم أمهاتُهم أحرارًا ".

amnt4@yahoo.com

مقالات اخري للكاتب

حضارة نبينا.. نموذج عملي لحياتنا

عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خمس من الفطرة: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وقلم الظفر، ونتف الآباط

هذا هو الإسلام

جميل، وبديع، ومثمن، صنيع وزارة الأوقاف حين أطلقت حملتها العالمية الدعوية لهذا العام "هذا هو الإسلام" بأكثر من عشرين لغة، بيانا لصحيح الإسلام للدنيا بأسرها،

نعم.. تستطيع الدراما

بحكم طبيعة عملي الصحفي، وركضي الحثيث للبحث عن المعلومة الموثقة الهادفة التي أقدمها لقارئي الحبيب، أجدني مقلا في متابعة الأعمال الدرامية على مختلف أنواعها،

الممر.. تحية إجلال وتقدير

توثيق، وطني، عالمي، عظيم، كنا في أمسِّ وأعظم الحاجة إليه في الوقت الراهن، يأخذ بأيدينا الى شاطئ وبر أمان الوطنية المتجذرة في قلوبنا نحو وطننا وجيشنا وأرضنا،

في ذكرى النصر والعبور.. معركتنا مازالت مستمرة!

كنت قد نوهت في مقالي السابق عن تكملة حديثي عن ديننا الحنيف، ويوم السلام العالمي، بيد أن حلول ذكرى نصر أكتوبر العظيم، جعلتني لزامًا علىّ مشاركة أبطالنا ومصرنا الحبيبة تلك الذكرى المباركة.

ديننا الحنيف.. واليوم العالمي للسلام (1)

في عام 1981 أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب قرارها 36/67 تعيين الاحتفال باليوم العالمي للسلام، يومًا مكرسًا لتعزيز مُثل وقيم السلام في أوساط الأمم