كلام في الميزان

28-10-2019 | 18:31

 

قالوا زمان: "إللي يحسب الحسابات في الهنا يبات"، واليوم يستطيع الإنسان قياس عدد أنفاسه وهو يجلس على المقهى، ويعرف كيف يحسب درجة سعادته بالضبط، ويتاح له حاليًا شراء سوار من البلاستيك يرتديه حول معصمه، يحتوي على تقنيات متقدمة، تقيس مؤشرات أجهزة جسده كنبضات القلب وإشارات المخ، وتحدد له نسبة الأكسجين في الدم وغيرها من القياسات، وذاع صيت هذا السوار حين كان يرتديه الرئيس الأمريكي السابق أوباما، وتداولت صورته وسائل التواصل الاجتماعي.


وصار الميزان من بين المقتنيات الرئيسية والضرورية للإنسان، وأحيانا كثيرة يرافقه كظله أو يلتصق به، ولا يمكنه الاستغناء عنه، ويستطيع قياس درجة غضبه ونسبة توتره، ويوجد الميزان في هاتفه المحمول وفي مركبته على هيئة بوصلة تحدد وجهته، ويرادف البوصلة حديثًا بعض استخداماتها في شكل متطور مثل خرائط جوجل أو مايسمي بـ "جي بي أس"، ويحمل معه كذلك ميزان يقيس كمية الأمطار وسرعة الرياح.

والميزان هو مجموعة من ملايين القوانين، وتستخدم وسائل مختلفة، لتضبط عناصر الطبيعة، وتساعد كل عنصر منها في الحفاظ على بقائها، وتضمن سلامة دورة حياته، ومن بين تلك القوانين الحاكمة، يظهر قانون الجاذبية ومن خلاله تدور الأرض في فلكها حول نفسها وحول الشمس، وتسبب حركة دورانها في استمرار الحياة عليها وفي تعاقب النهار والليل، وهناك قوانين وميزان تسير حياة الإنسان، مثل حتمية توافر نسبة كبيرة من الماء في جسم الإنسان، قد تصل إلى 60% من وزنه، لتبقى على استمرار حياته، وتتوزع نسبة الماء بدرجات متفاوتة بين الدم والعظام والجلد وفي غيرها من باقي أعضاء الجسم.

وحتمية تنصيب الميزان أو استخدام وسيلة للقياس، يعد ضمانا لحقوق كل كائن في هذا الكون، فإنه لا يعقل مثلا ولا يقبل أن يدفع شخص ثمن 30 جرامًا لقطعة ذهبية، ويكون وزنها الحقيقي 20 جرامًا، ولا يحق أن يعيش مواطن في درجات كبيرة من الرفاهية، ويموت آخر من الجوع، وهنا لابد أن تتدخل القوانين لتقيم العدل بين أفراد المجتمع الواحد.

وتخطت الثورة الرقمية ما تعارف عليه الإنسان من الميزان التقليدي الذي يحدد وزن الكتلة لدى الباعة، وأتاحت هذه الثورة لإنسان العصر الحديث قياس كل ما يدور في فلكه، وما يحدث في داخله، ولم تترك الثورة الرقمية مجالا إلا ووضعت لها ميزانًا، فقد اخترع الإنسان ملابس ذكية لقياس درجة حرارته، وأخرى تبعث له درجات من البرودة في أوقات حر الصيف.

ولأهمية الدور الحيوي للميزان في كافة شئون الحياة، حددت هيئة الأمم المتحدة 20 مايو عام 1875 يومًا عالميًا للقياس، ووضعت له المواصفات والضوابط وشملت كل مناحي الحياة من نبات ومناخ، ولم تغفل حتى المؤشرات المعنوية من شفافية وكراهية، والدول تحسب نموها الاقتصادي بناء على هذه المؤشرات، ومنها الميزان التجاري، وعندما يشير إلى عجز في اقتصادها، يعني ضعفًا في إنتاج الدولة والعكس صحيح.

ومن ناحية أخرى لا يمكن اللاحق بالتقدم الصناعي دون الالتزام بمقاييس الجودة، ولذا أنشأت الدول هيئات للمواصفات والمقاييس تتبع وزارات الصناعة، أما اتجاهات المجتمعات وآرائهم وضعوا علماء الاجتماع والإعلام ضوابط وقوانين لقياسها، وأسست لها الحكومات كياناتلها تسمى بمراكز قياس الرأي العام والاستطلاع.

والهدف من ترسيخ مفاهيم القياس ومبادئ الميزان داخل المجتمعات هو إقامة العدل والحكم بالقسط، وحين يشعر الإنسان بوقوع خلل ما في نفسه أو فيما حوله، فعليه أن يبحث داخل محتويات كفتي الميزان.

Email: khuissen@yahoo.com

مقالات اخري للكاتب

النجاة في الصداقة

لا يمكنك الشعور بالأمان وأنت تعيش في عزلة، وبما أنك تؤمن أن "القرش الأبيض ينفع في اليوم الأسود"، فلابد من يقينك بمقولة "الصديق وقت الضيق"، ولذا كان حتما

الجمال وجهة نظر

للمطرب الجميل محرم فؤاد أغنية قديمة، تقول أول كلماتها: متلونيش خدودك ما تلبسيش حلق ـ. دا انتي بطبيعتك من أجمل ما خلق، وكلما سمعتها تصيبني حسرة، وأتمنى أمنية غالية، وهي عودة فتيات ونساء عصرنا إلى زمن جمال «محرم فؤاد».

وظائف توفر حلم الثراء للشباب

أظهر لنا البحث في هذا الملف عن وجود طريق وحيد ومختصر للحصول على وظيفة، وكذلك لتحقيق ثراء سريع، وهو يتيح أيضا لأي دولة امتلاك استثمارات ضخمة، وتكشف إحصائيات

فوائد الصيام عن السعادة

لا يوجد شخص عاقل في الدنيا يرغب في تجنب أسباب الشعور بالسعادة، غير أن الواقع يؤكد ظهور بدعة جديدة، أطلق عليها العلماء الصوم عن السعادة، ويسير على خطواتها

الرؤية .. الوسيط لإبراهيم

ما كانت رؤيا إبراهيم - عليه السلام - بذبح إسماعيل سوى امتداد لنهج الخليل خلال سيرته، وكانت الرؤيا بالعين نقطة الانطلاق في رحلته الإيمانية، كما جاء في قوله

نحو مستقبل أخضر

الإنسانية مهددة بالهلاك.. هكذا حذر "أنطونيو جوتيريش" الأمين العام للأمم المتحدة، ولا يقصد بتحذيره انتشار رائحة الموت والدمار في مناطق كثيرة في العالم، إنما كان يناشد القوى العالمية بتصحيح الكثير من مراحل إنتاجها من أجل مستقبل أخضر واستهلاك صحي للإنسانية.

بين متعة مشاهدة المومياوات ومقبرة الجماجم

بين متعة مشاهدة المومياوات ومقبرة الجماجم

%42 ينفقها البشر من دخلهم على الحيوانات

قرأت خبرين أحدهما يشعرك بالأسى، والثاني يثير الضحك وسخريتك، ويقول الخبر الأول أن عدد فقراء العالم ارتفع إلى ما يزيد على مليار نسمة نتيجة جائحة كورونا، والآخر يذكر إحصائية رصدها موقع "هوتيلز دوت كوم" أن الفنادق المسجلة لديه لإقامة الحيوانات الأليفة تبلغ نحو 325 ألف فندق حول العالم.

أطفال جواسيس برعاية دولية

واقع مرير يعيشه كثير من أطفال هذا العصر، والأشد مرارة استغلال أجهزة مخابرات دولية الأطفال في عمليات استخباراتية، وبداية الإحساس بوجع القلب على حياة هؤلاء الأطفال من وقت ما تخلت الآباء عن تربيتهم، وما ترتب عليه من ذوبان الأطفال في عالم الشقاء.

أنظمة دفاعية لحماية المرأة

"إللي يشوف بلوة غيره تهون عليه بلوته"، أي على الغاضبين من حوادث التحرش أن يهونوا على أنفسهم، لأن الذعر قد يصيبهم حينما يرون ما يفعله الرجل الفرنسي من مصائب في حق النساء.

السلام الداخلي طريق البقاء على القمة

انتشر الحديث عن الإحساس بالقلق والاكتئاب كانتشار النار في الهشيم، ولم تخل الأدعية المتداولة بيننا عن التوسل إلى الله لزوال الهم والغم، والكلام عن أسباب غزو الاكتئاب في النفوس يطول شرحه، والسبب الواضح هو تكرار الكوارث والحوادث القاتلة في كل منطقة عربية.

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]