فقر التعلم

27-10-2019 | 18:16

 

ربما لم يلتفت كثيرون لما كتبته الخبيرة الدولية آنا بيردي قبل أيام، على صفحة البنك الدولي المتوافرة بلغات عدة منها العربية، عن "خطة جديدة لبناء رأس المال البشري ب

منطقة الشرق الأوسط و شمال إفريقيا "..

فقد ذكرت أن مصر دشنت بالفعل برنامجًا رئيسيًا لإصلاح التعليم للتركيز على "التعلم"، وليس فقط "التعليم"، وتعمل على تجديد تجربة الطلاب، وتحسين الاستعداد للمدرسة، وإعادة توجيه نظام التخرج الثانوي بمنهج جديد ونظام تقييم جديد.

وذهبت السيدة بيردي وهي مديرة شئـون الإستراتيجية والعمليات للشرق الأوسط و شمال إفريقيا في البنك الدولي ، منذ سنوات طويلة في نهاية مقالها إلى أن ما يحدث في مصر هو بمثابة "خبر سار"، وذلك بعد أن استعرضت ما تواجهه بلدان المنطقة من فجوة في رأس المال البشري، وأكدت أن أهم العوامل التي تحول دون تحقيق المنطقة نتائج جيدة وتهيئة فرص عمل و زيادة الإنتاجية ؛ هي ضعف نتائج التعلم.

لم تتحدث بيردي عن الإنفاق على التعليم في المنطقة، فهي تجد متوسط الإنفاق مناسبًا، لكنها تتحدث عن أساليب التعليم والمنتج النهائي..

وذكرت أن مؤشر رأس المال البشري للبنك الدولي يُظهر أن الأطفال بالمنطقة لا يتعلمون بمستويات تتناسب مع السنوات التي قضوها في الدراسة، واستنادًا إلى أحدث الحسابات، من المتوقع أن يتلقى أطفال المنطقة 11 عامًا وأربعة أشهر من التعليم ببلوغهم سن 18 عامًا، ومع ذلك فإنهم يحصلون على ستة أو سبعة أعوام فقط من التعلم الفعلي، ويمثل سد فجوة التعلم أولوية ملحة للمنطقة كما ذكرت.

هذه دائرة من الحسابات المرعبة، هل نحن في مصر - ونحن جزء من المنطقة - ننفق على التعليم ما قبل الجامعي، لمدة اثني عشر عامًا، لنحصل على عائد ست أو سبع سنوات فقط.. نعلّم ليضيع على الأقل، من المال والجهد نحو النصف هباءً، وبكل الحسابات فهي خمس أو ست سنوات ضائعة شديدة التكاليف.

ونتيجة الحصول على نصف المستحق من التعلم، فإن هذا الأمر يضعنا في دائرة تحقيق نصف أمنيات الأهل والخريجين والحكومة، ونصف إمكانات الجيل الحالي والقادم من العمالة والتوظيف، فقط مع هدر النصف الآخر.

لن ألخص ما كتبته الخبيرة الدولية بيردي؛ لأننا نعرف جميعًا في مصر أو نضع أهمية قصوى على التعليم، ورغبة حقيقية في رؤية نتائج للعملية التعليمية تساوي ما ننفقه وتضاهي أحلامنا لأولادنا ولوطننا، حتى نتمكن من الخروج من دائرة الفقر والديون وتراجع الأخلاق، ونكون دولة رائدة في المنطقة والعالم وليس شبه دولة.

وفي مصر وفي السنوات الـ12 التي أشارت إليهم بيردي، كتعليم قبل الجامعي، 22 مليون طالبًا وطالبة، وخطط التعليم الجديدة تستهدف هؤلاء.. لأن الذين لم يلتحقوا بالمدرسة أو تسربوا منها يبلغون عددًا مماثلًا.. وحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، في بيانه الأخير في سبتمبر الماضي فإن معدل الأمية في مصر للأفراد 10 سنوات فأكثر هي 25.8 في المائة.

ونعود إلي الضرورة الملحة لمواجهة هذا التحدي، أن نحصل على تعليم يساوي الـ12 عامًا، التي نتكلفها في الإنفاق، في التعليم العام والخاص، ونعرف أن من يضعون أبناءهم في المدارس الحكومية والخاصة ينفقون بسخاء، أو فلنقل كل ما نستطيعه، ونضع كشعب التعليم أولوية، لكي نحسّن أو نحصل على رأس المال البشري في مصر.

وكان البنك الدولي في اجتماعه السنوي الأخير في واشنطن قد وضع عنوان "خفض معدل فقر التعلم "، كهدف يمكن الوصول إليه في العام 2030، وبإشادة خبيرة البنك "بيردي"، بالخبر السار عن مصر وعن خططها لتحسين نتائج التعليم، فإننا لا سبيل أمامنا سوى تنفيذ هذه الخطط باهتمام وعناية، حتى نخرج من دائرة النصف هذه، نصف تعلم، نصف تحقق، ونصف توظيف.

وقرأت لمسئول أول في قطاع التعليم في البنك الدولي ، الدكتورة أميرة كاظم، وهي خبيرة مصرية، أن درجة مصر على مؤشر رأس المال البشري تبلغ حاليًا 0.49 ، وهو ما يعني أن إنتاجية الطفل المولود اليوم في مصر ستبلغ 49% عندما يكبر، مقارنة مع نسبة إنتاجية كاملة، إذا تمتع بقدر كامل من التعليم والصحة الجيدة.

ولذلك فإن الإجراءات الحكومية التي تتدخل لإصلاح التعليم والصحة، لنحصل من الطفل الذي سيولد اليوم على إنتاجية كاملة في التعلم والتوظيف وإدارة وكفاءة وجودة الحياة، لابد من البدء فيها فورًا، وهي تشمل مرحلة ما قبل الابتدائي، رياض الأطفال، الحضانة،الكتاتيب أو ما شابه، وزيادة الاستثمار الحكومي والأهلي والخاص، ليجد الطفل مكانًا.. ثم إنه سيكون من الصعب التسرب من التعليم لطفل أمضى ولو شهورًا معدودات في مثل هذه الفصول ما قبل التعليم.

والعمل على زيادة معدلات بناء المدارس الابتدائية، وتشجيع خطوات وزارة التربية والتعليم في التعاقد مع معلمين مؤهلين لهذه المراحل المبكرة وفي غيرها.

ويبقى أن تعلّم المدرسة أو تزرع هواية القراءة، وتنمي المهارات والأخلاقيات، وتزيد اهتمامها بعبء متابعة صحة التلاميذ، وتوعيتهم بالعوامل البيئية المحيطة، وتحسن لديهم القدرة على التعامل مع الآخر، من غير نفس الديانة، أو الجنسية.

مقالات اخري للكاتب

مسرح للإيجار

"أعطني مسرحًا أعطيك شعبًا عظيمًا".. قول مأثور نُسب إلى وليام شكسبير أو زكي طليمات، موليير أو أفلاطون، ليس هذا هو المهم الآن، إنما المهم هو صحة القول؛ لأنه

القوة الناعمة.. إعادة نظر

مصر لم تفتقد القوة الناعمة، ولكنها تحتاج إلى إنتاج المزيد منها وتسويقها واستغلالها..

السكك الحديدية في مصر.. ملاحظات على خطة التطوير

ويبدو أن المشروع الأبرز الذي تعمل عليه وزارة النقل حاليا هو مشروع محطة قطارات جديدة في بشتيل بالجيزة، وهي الحي المجاور لشارع السودان وأحمد عرابي، تقريبا

سد النهضة والدبلوماسية المصرية

أدارت الدبلوماسية المصرية ملف أزمة سد النهضة بأسلوب هادئ ومرن، ربما لم يعجب البعض من أنصار استخدام القوى الصلبة في التعاطي مع الأزمة، والكشف من دون إبطاء عن أنياب وأظافر.. ونجحت هذه الدبلوماسية أخيرًا في إدخال طرف دولي، للمساهمة في التوصل إلى حل عادل للخلافات بين أطرافها الثلاثة..

المعلمون أولا

بدأت وزارة التربية والتعليم في مصر في إجراءات لسد العجز في المعلمين؛ حيث احتفت الوزارة قبل شهر تقريبًا بإطلاق البوابة الإلكترونية للوظائف، للتعاقد مع 120

فقر التعلم

ربما لم يلتفت كثيرون لما كتبته الخبيرة الدولية آنا بيردي قبل أيام، على صفحة البنك الدولي المتوافرة بلغات عدة منها العربية، عن "خطة جديدة لبناء رأس المال البشري بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا"..

الأكثر قراءة