سامي دياب.. ودروس في مهنة القلم

28-10-2019 | 19:42

 

في زمننا كان هناك أساتذة يحبون تلامذتهم، ويعاملونهم معاملة الأبناء، يتعهدونهم بالرعاية والتوجيه، ولا يبخلون عليهم أو يضنون بما تعلّـموه، لأنهم كانوا يرون أنفسهم في تلامذتهم، ويتمنون أن تتحقق أحلامهم من خلالهم، وفي مدرسة الأهرام العريقة، التي أتشرف بالانتماء إليها، تتلمذت على أيدي أساتذة أجلاء، كانت لهم بصمات واضحة ساهمت في رسم ملامح مشروعي الصحفي، وقادت خطواتي دائما إلى الأمام.

من الأساتذة الأجلاء الذين تعلمت علي أيديهم، منذ أن قادتني الصدفة البحتة إلى الأهرام، الأستاذ " سامي دياب " الكاتب الصحفي ونائب رئيس تحرير الأهرام (رحمه الله)، الذي جمع بين حرفية الكتابة، ومهنية سكرتير التحرير الفني، أي أنه تميز عن غيره بإجادة الكتابة والنواحي الفنية في مهنتنا، وهي كما يقولون الجانب الأصعب في الصحافة ، خاصة في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين؛ حيث العمل وسط الأحبار وأبخرة الرصاص، التي كانت تصيب الصدر والرئتين.
منذ أن عرفته، وجدته متأنقًا، ليس في الملبس فقط، ولكن في الخلق وأسلوب التعامل، فقد كان "ابن ناس وأصول" كما يقولون، برغم أنني كنت أصغره بما لا يقل عن 15 عامًا، فقد التحقت بالأهرام عام 1976، بعد تخرجي من قسم الصحافة بكلية الآداب جامعة القاهرة بعامين، وكان هو من خريجي عام 1963، إلا أنه لم يكن يخاطبني إلا بقوله "يا أستاذ إسماعيل"، وبالمقابل لمست فيه معاني الأبوة والأستاذية، فوجدتني أنجذب إليه، وبمعنى أصح أنبهر بشخصيته، فهو رجل شهم، وهو صحفي كما ينبغي أن يكون الصحفي الملتزم، منه تعلمت أول دروس مهنة الصحافة ، وهو الالتزام في المواعيد، فالصحفي كما عرفته من خلاله يُعرف من مواعيده.

كان " سامي دياب " يأتي كل يوم قبل موعد حضوره الرسمي، بما لا يقل عن نصف ساعة، ولا ينصرف إلا بعد أن ينهي كل ما يُكلف به من عمل، يحضر متأنقًا، وطوال سنوات عملي معه، التي قاربت علي الـ25 عامًا، لم تقل أناقته عما كانت، أبدًا، في الشتاء يرتدي البدلة بالكرافت، وفي الصيف أفخر أنواع القمصان، ولم ينس أبدًا "البرفانات"، ذات الرائحة المميزة، وهذا درس آخر من دروس المهنة، فالصحفي لابد أن يظهر بمظهر راقٍ، وهكذا كان معظم من عرفتهم من أساتذة الأهرام الكبار.
كنت أراه في صالة "التوضيب"، في الطابق الثالث بمبنى الأهرام يتابع تنفيذ الصفحات، كان يعامل الجميع بابتسامة، واحترام، الكبير والصغير، لم يكن يستنكف أن يساعدهم بالبحث عن المواد الناقصة، لم يكن يخش أن تتسخ حلته الأنيقة بالحبر، كان يقف أمام "عمي ربيع"، الذي كان مسئولًا عن تنفيذ الصفحة الأولى من الأهرام، وهو رجل كان ذو هيبة ومكانة، يتابع تنفيذ الصفحة الأولى، يقرأ ويختصر، ويوزع ويرتب الأخبار، ويكتب العناوين، وكلام الصور، تعلمت منه أن سكرتير التحرير الفني، ليس مجرد متابعٍ لتنفيذ الصفحات، التي رسم لها الماكيتات فقط، ولكنه مسئولٌ أيضًا عن الناحية التحريرية، فهو صحفي في المقام الأول، والفرق بينه وبين غيره من الصحفيين أنه يعرف أكثر منهم في النواحي التنفيذية، وهذه ميزة تحسب له، كان يرى أنه من العيب أن يبحث عن زميل آخر لكي يختصر، أو يكتب عنوانًا، أو تعليقًا علي الصور، وهو يفعل ذلك؛ لأنه تعلم على أيدي صحفيين كبار زرعوا الثقة في داخله؛ لأنهم يعرفون أن سكرتير التحرير الفني هو الأمين على الجريدة، وهو عين التحرير على النواحي الفنية، التي إن أدت وظيفتها على الوجه الأكمل خرجت الجريدة في أبهى وأجمل وأكمل صورة.

ودرس آخر تعلمته من الأستاذ " سامي دياب "، وهو ألا أكتفي في مهنتي - كسكرتير للتحرير - بأن أرسم الصفحات فقط وأتابع تنفيذها، ولكن يجب أن أقرأ كل سطر في الصفحة المكلف برسمها ومتابعتها، فالصحفي لا بد أن يكون قارئًا جيدًا، وأنه لكي تكتب لابد أن تقرأ، ففعل القراءة يأتي قبل فعل الكتابة، فمن عرف أن يقرأ، تعلم كيف يكتب.

استوعبت هذا الدرس منه جيدًا، خاصة وأنني كنت من المتيمين بالقراءة، وبيني وبين الكتاب غرام أبدي وعشق لا ينتهي، ولذلك كان " سامي دياب "، عندما يكتب يكتب بعمق، وتطل المعرفة والفهم من كتاباته، سواء كانت تحقيقاته المميزة التي كان يساهم بها في صفحات الفكر الديني، عندما كان يشرف عليها الكاتب الصحفي فهمي هويدي، وكانت تحقيقاته تحدث دويًا، وتثير جدلًا؛ لأنها لم تكن لمجرد نشر اسمه، ولكنها كانت تتناول قضايا مهـمة، عرف كيف يحققها بعمق وموضوعية، وكان هذا أيضًا أسلوبه، عندما كان يكتب وجهات نظره، التي كانت بمثابة نصوص أدبية راقية، مكتوبة ببساطة وسهولة، تصل إلي العقل، وتسكن القلب.

ومن دروس " سامي دياب " التي تعلمتها أيضًا أنه عندما أصبح رئيسًا لقسم سكرتارية التحرير الفنية في الأهرام، لم يتغير أداؤه، فلم تقل قدرته على العمل، ولم يتخفف من واجباته؛ بل ازداد التزامًا فوق التزامه، وكان قدوة لكل من يعمل معه، يحضر قبل الجميع، ويكون آخر المنصرفين، وظل علي أدبه الجم، وصوته الهادئ الوقور.

أذكر عندما أتيحت لي فرصة السفر، نصحني أن أسافر كمحرر، وليس كسكرتير للتحرير، خوفًا، من عدم تقدير مهنة سكرتير التحرير لدى البعض، الذين لا يقدرون دور سكرتير التحرير، ولا يعرفون أنه عصب العملية الصحفية، وسمعت كلامه، وكانت نقلة كبيرة في حياتي، فقد ذهبت إلى الخليج، وأنا أجمع بين موهبة الكتابة، وملكة الإخراج الصحفي، فكنت جديرًا بثقة المسئولين هناك، حتى أصبحت مديرًا لتحرير مجلة "زهرة الخليج"، بعد ثلاث سنوات فقط من عملي بها، وهذا بفضل توجيهات أستاذي " سامي دياب "، المحب والعاشق للأهرام، والصحفي من قمة رأسه إلى أخمص قدميه، فهو صحفي من أسرة قدمت لمصر باقة من أهم الصحفيين والوطنيين، وما زالت حتى الآن، رحم الله " سامي دياب " الرجل الذي لم يختلف معه أحد طوال رحلته الصحفية، ولم يبع قلمه يومًا، ولم يتاجر بصلاته القوية، ولم يتكسب من خلالها، برغم أنه كان شقيق زوجة وزير البترول الإماراتي " د.مانع سعيد العتيبة "، رفض كل عروض السفر المغرية ليعمل في الإمارات، وبعد أن ترك الأهرام لم يستغل قرابته بآل دياب، ولم يسع للعمل أو الكتابة في "المصري اليوم"، وعندما أصروا كان يكتب كل أسبوعين مرة، رحمه الله رحمة واسعة.

Dr.ismail52@gmail.com

مقالات اخري للكاتب

"صبري سويلم".. الصحفي والإنسان الطيب الخلوق

الطيبون يرحلون في صمت وبلا ضجيج، يأخذون قلوبنا معهم في رحلة أبدية، يتركون لنا الذكريات الحلوة الجميلة، التي تبقى أملاً في الحياة، ونورًا يضيء لنا الطريق، ومهما شغلتنا الدنيا بالسعي من أجل الرزق ومشاق الحياة، يبقى في الذاكرة رائحة هؤلاء الطيبين، الذين عطروا الأجواء برحيق أحاديثهم وأفعالهم الطيبة.

"حسين فتح الله".. الصحفي الكبير الذي لم يأخذ حقه

في زحمة الحياة، وفي مصر بالذات تذوب رفقة العمر، وتضيع معالم أيام الشباب، تغيب تلك الذكريات الجميلة خلف غيوم وضباب مشكلات المعيشة اليومية، التي لا تسمح باستعادة لحظات الصداقة البريئة، وشقاوة أيام الدراسة والزمالة، إلا كشريط سينمائي عابر، حتى بين الزملاء والأصدقاء الذين جمعهم مكان واحد،

سامي دياب.. ودروس في مهنة القلم

في زمننا كان هناك أساتذة يحبون تلامذتهم، ويعاملونهم معاملة الأبناء، يتعهدونهم بالرعاية والتوجيه، ولا يبخلون عليهم أو يضنون بما تعلّـموه، لأنهم كانوا يرون

"كمال الملاخ" .. فرعون الصحافة الأخير

من حُسن حظي أننى تعلمت وعملت مع اثنين من كبار الإعلاميين فى مصر والعالم العربي، ولا أكون مبالغاً إن قلت والعالم، ومن باب الصدفة أن كليهما يدعى "كمال"،

كمال نجيب .. عاشق "الأهرام" حتى آخر أيامه

كانت حياته كلها في الأهرام، يأتي إليها حوالي الثامنة صباحًا، ويظل يعمل بجد واجتهاد، حتى الثانية بعد الظهر؛ حيث يذهب إلى بيته في الزمالك، ليعود مرة أخرى

سامي فريد.. الصحفي "الفريد"

في حياة كل منا أشخاص لا يمكن أبدًا أن ننساهم؛ لأنهم شاركوا في مسيرة حياتنا، وساعدوا على تحقيق أحلامنا، ووسعوا من أفقنا، وصوبوا من الأخطاء، التي وقعنا فيها بحكم فتوتنا وشبابنا، ولولاهم، ما وصلنا إلى بر الأمان.