الفوضى الخلاقة ومصر (4)

2-11-2019 | 14:32

 

مصر تحديدًا هدف للفوضى الخلاقة عبر تاريخها إلى الآن، لعدة أسباب متكاملة، بداية نهضة مصر وتقدمها؛ يعني نهضة عربية وإسلامية كبرى تهدد مصالح القوى العظمى في أي عصر، ثم إن لمصر- تحديدًا - تاريخًا كبيرًا في الحضارة وموقعًا متميزًا، فهي حجر الزاوية في خريطة العالم.

ويعبر عن ذلك نابليون في قوله "قل لي من يسيطر على مصر أقل لك من يسيطر على العالم" وهذا يفسر صراع القوى العظمى للسيطرة على مصر عبر التاريخ، هذا بالإضافة إلى أن مصر- تحديدًا - تمثل الخطر الأكبر للعدو ومشروعه من النيل للفرات.

وإذا حاولنا سريعًا استعراض أهم مؤامرات الفوضى الخلاقة في العصر الحديث فسنجد هناك اتفاقًا على مؤامراتي 56 و67؛ حيث كان عدوان 1956 مؤامرة ثلاثية من فرنسا وإنجلترا وإسرائيل بهدفين محددين هما: "إسقاط نظام ناصر"، و"إعادة قناة السويس " لهم مرة أخرى، ولكن المؤامرة فشلت باعتراف أصحابها، ثم كان عدوان 1967 بهدف إسقاط نظام ناصر، وخلال ذلك كان هناك العديد من المؤامرات الفرعية؛ مثل محاولة عبدالكريم قاسم احتلال الكويت، وتهديدات تركية لسوريا، وأخرى من إيران للعراق، وغير ذلك.

كل هذه المؤامرات فشلت لحد كبير في تحقيق أهدافها الأساسية لسبب رئيسي؛ وهو قوة التلاحم بين الشعب والنظام، وهذا لا يعني عدم وجود أخطاء، لأن لكل نظام وكل إنسان مزاياه وأخطاءه، ولكن المهم الرصيد النهائي للنظام عند شعبة؛ هل رصيد النظام يسمح بالاستمرار أم الرصيد لا يسمح؟ ومما لاشك فيه أن رصيد النظام المصري في هذا الوقت كان كبيرًا عند شعبه؛ ومما يؤكد ذلك أنه في أثناء عدوان 56 قام النظام بتوزيع السلاح على شعبه في مدن القناة، وهذا دليل ثقة من النظام في جموع شعبه، وأن هذا السلاح لن يرتد إليه، ثم في 67 خرج الزعيم واعترف بمسئوليته عن الهزيمة وتنحى، وخرجت الملايين في مصر ومعظم أنحاء الوطن العربي متمسكة باستمراره؛ مما يؤكد أنه برغم الهزيمة الكبيرة ومسئولية النظام واعترافه، كان رصيد النظام أكبر للشعب الذي لم ينس وقوفه مع الفقراء والضعفاء لاسترداد حقوقهم، ولم ينس التعليم الجيد والعدالة الاجتماعية والمصانع والإصلاح الزراعي والسد العالي وغيره من إنجازات النظام.

فوقف الشعب مع النظام؛ لأنه برغم الهزيمة كان الرصيد كبيرًا للنظام لدى شعبه، مما أفشل كل هذه المؤامرات، برغم وجود أخطاء.

وتشير بعض التقارير المنشورة إلى أنه كانت هناك مرحلة أخيرة في مؤامرة 67 لم تستكمل؛ وهي الدخول للقاهرة لاعتقال ناصر ومحاكمته والتخلص منه، كما حدث مع صدام، ولكن موشى ديان وزير دفاع العدو رفض ذلك خوفًا من حرب شعبية لا يستطيع تحمل نتائجها، قائلاً: إن الشعب المصري سيقف مع زعيمه ونخسر الكثير ولا نضمن النتائج، وكانت جنازة الزعيم خير تأكيد لهذا الرصيد.

وهذا درس مهم، الرصيد الشعبي مفتاح نجاح أو فشل المؤامرات، وأن سقوط أي نظام يرجع لأسباب داخلية وعدم وجود رصيد شعبي، وحديثًا هناك اختلاف حول أحداث يناير 2011 وهل هي مؤامرة؟ والبعض يؤيد ويؤكد وجود المؤامرة؛ بل إن جماعات الإخوان تدعي أن خروج الملايين في 30 يونيو أيضًا مؤامرة، وأعتقد أن الاسترسال في هذا الحديث ليس مهمًا؛ لأنه حتى في حالة الموافقة على هذه الآراء، فمن المؤكد أن نظام مبارك سقط؛ لأنه ليس لديه رصيد شعبي، فالنظام يسقط لأسباب داخلية في المقام الأول، بمعنى ليس لديه رصيد شعبي، وأيضًا نظام مرسي سقط؛ لأنه ليس لديه رصيد شعبي؛ لأنه ليس هناك مؤامرة أكبر من العدوان الثلاثي عام 1956 من ثلاث قوى، ومع ذلك لم يسقط النظام؛ لأن لديه رصيدًا شعبيًا.

ومن هنا فالمؤامرات موجودة وستظل، وعلينا التركيز على الجبهة الداخلية، والتلاحم بين النظام والشعب، ودراسة الأخطاء والعيوب، والعمل على مواجهتها من خلال الحوار الشعبي والتلاحم مع الجماهير، والعمل على حل مشكلاتها، وتلبية احتياجاتها الأساسية، فهذا هو السبيل الوحيد لمواجهة مؤامرات الفوضى الخلاقة ، فمن يقف مع الشعب سيقف الشعب معه، ولن يخذله أبدًا حتى مع وجود بعض الأخطاء، فلا يوجد نظام يخلو من الأخطاء أو العيوب، ولكن يبقى الرصيد النهائي، وهو- ببساطة - حاصل طرح المزايا من العيوب (إيجابي أم سلبي).

وهذه هي عبرة التاريخ حتى على المستوى الشخصي، هل رصيدك من الحب والاحترام كافٍ لتقبل الآخرين عيوبك وأخطاءك؟

ومن هنا تأتي أهمية دراسة ومراجعة مشكلات واحتياجات الشعب.. وهذا هو مقالنا المقبل إن شاء الله.

مقالات اخري للكاتب

ما بعد الحداثة.. وتحديات الإعلام والشخصية القومية

انتهى المقال السابق إلى أن عصر ما بعد الحداثة أدى لتراجع الصحافة الورقية في كافة أنحاء العالم، وذلك يرجع لسرعة انتشار وسائل التواصل الاجتماعي ورخصها.

ما بعد الحداثة والصحافة الورقية (2)

تؤكد المؤشرات والإحصاءات - سواء على مستوى العالم بوجه عام أو على مستوى الوطن العربي أو داخليًا بمصر - أن هناك تراجعًا كبيرًا؛ سواء في أعداد توزيع الصحف

نظرية ما بعد الحداثة وتفسيراتها لمتغيرات العصر

نظرية ما بعد الحداثة هي تيار فكري جديد، ظهر كرد فعل لعصر الحداثة، وهو عصر الثورة الصناعية وما نتج عنه من مشكلات متعددة في كافة المجالات؛ بداية من تعاظم مشكلات التلوث، واستنزاف الموارد بمعدلات تفوق كل ما نتج من تلوث أو استنزاف منذ بدء الخليقة وحتى الثورة الصناعية؛

الفوضى الخلاقة في الشرق الأوسط (6)

​ما يحدث في الشرق الأوسط في العقود الأخيرة من مؤامرات الفوضى الخلاقة يجب أن يدرس بدقة لاستخلاص الدروس والاستفادة؛ لكيفية التعامل المستقبلي مع هذه الظاهرة

صحة المصريين في خطر

صحة الإنسان هي من أهم النعم التي وهبها الله سبحانه وتعالى للبشر، وليس هناك سعادة أو تنمية أو إنتاج بدون صحة جيدة للشعب، واليوم تتعرض قطاعات عديدة من الشعب المصري لإخطار صحية عديدة ومتنوعة؛ مما يستلزم سرعة البحث والدراسة والمواجهة.

الإصلاح الاجتماعي والبيئي الشامل لمواجهة الفوضى الخلاقة (5)

انتهت المقالات السابقة إلى أن الفوضى الخلاقة ظاهرة موجودة منذ خلق البشرية، وفي العصر الحديث تعود جذورها إلى الفكر الماسوني، وهى تعتمد في نجاحها على نقاط ضعف داخلية.