قمة سوتشي وفوائدها المنتظرة

22-10-2019 | 12:54

 

فوائد كبيرة من المتوقع أن تسفر عنها القمة الروسية - الإفريقية الأولى في سوتشي غدًا وبعد غدٍ، وما يُعقد على هامشها من اجتماعات جانبية أبرزها لقاء الرئيس السيسي و رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد الذي من المرجح أ

ن يسفر عن اتفاق لاستئناف مفاوضات سد النهضة على أسس تفاوضية أكثر مرونة للخروج من الطريق المسدود الذي وصلت إليه مباحثات القاهرة والخرطوم.

فهذه القمة تنعقد تحت رئاسة السيسي الرئيس الحالي للاتحاد الإفريقي، والرئيس الروسي فيلاديمير بوتين بمشاركة نحو 47 زعيم دولة وأكثر من 300 رجل أعمال في المنتدى الاقتصادي، الذي من المتوقع أن يتم خلاله التوقيع على حزمة مهمة من الاتفاقيات في المجالات التجارية والاقتصادية والاستثمارية في قطاعات حيوية متنوعة من شأنها الإسهام في تحديث الاقتصادات الإفريقية وزيادة كفاءتها ورفع مستويات المعيشة ومساعدة الحكومات على توفير الأمن ومكافحة الإرهاب بفعالية أكبر.

الرئيس السيسي أكد أن أولويات مصر فيما يتعلق بإفريقيا ترتكز على أمور عدة منها التنمية، وتطوير البنية التحتية بالقارة، وتحقيق الاندماج الإقليمي والتكامل الاقتصادي بتنفيذ أهداف أجندتها التنموية 2063، كما أكد أمام مؤتمر التعاون الإفريقي-الياباني ضرورة نقل التكنولوجيا ودعم برامج وخطط تطوير قدرات إفريقيا وتنمية مواردها البشرية وتزويدها بأدوات العصر لتحقيق أهداف خطة التنمية المستدامة 2030، وطالب بتكثيف التعاون العلمي والتنموي للاستفادة من قدرات القارة الطبيعية في تنويع مصادر الطاقة بدعم مشروعات الطاقة المتجددة.

كما دعا للتركيز على ثلاثة محاور للإسراع بتحويل إفريقيا إلى الشريك الاقتصادي المنشود: أولها تطوير البنية التحتية الإفريقية بتنفيذ المشروعات العابرة للحدود، والثاني تفعيل جميع المراحل التنفيذية لمنطقة التجارة الحرة القارية بما يسهم في تنافسية القارة على المستوى العالمي، ويجذب الاستثمارات لتصنيع وتحديث اقتصادياتها، أما الثالث فهو منح الأولوية لتوفير المزيد من فرص العمل لاسيما للشباب، ودعا مؤسسات القطاع الخاص العالمية والشركات متعددة الجنسيات للاستثمار فى إفريقيا وتوفير الضمانات المالية لبناء قدراتها وتقديم أفضل الشروط لتمويل جهود التنمية مع مراعاة خصوصية دولها.

إفريقيا- وفقاً لتقارير منظمات متخصصة- تحتاج خطط التنمية المستدامة بدولها إلى 2,5 تريليون دولار منها 150 مليارا لتجهيز البنية الأساسية وحدها لا تَقدر حكوماتها على توفيرها دون مشاركة من القطاع الخاص ومؤسسات التمويل الدولية، فإنتاج الكهرباء اللازمة للتنمية مثلًا يحتاج لاستثمارات ضخمة؛ لأنه لا يمثل حاليًا سوى 7% من إمكاناتها المتاحة التي تكفى لإنتاج 300 ألف ميجاوات، ولا يستفيد بالكهرباء سوى 25% من سكان دول جنوب الصحراء(800 مليون).

وأعلنت وكالة التنمية الدولية الأمريكية أن 60% من أراضى العالم الصالحة للزراعة وغير المستغلة توجد في إفريقيا التي لا تستغل أيضاً سوى 1,6% من مواردها المائية، ووفقًا لأحدث تقرير نصف سنوي للبنك الدولي من المرجح أن يمثل عدد فقراء إفريقيا 90% من إجمالي فقراء العالم بحلول 2030، فيما لا تمتلك دولها القدرة المالية الكافية للاستثمار في برامج لخفض الفقر.

وذكرت تقارير متعددة أن 47% من سكان دول إفريقيا جنوب الصحراء يعانون الفقر، و30% يعانون الجوع وسوء التغذية و70% من القوة العاملة عاطلون، كما يعيش نحو 65% بلا مياه صالحة للشرب ويعانى 200 مليون نقص الغذاء ويهجر 56% من الكفاءات العلمية المطلوبة لمشروعات التنمية دولهم لعدم توافر الظروف المناسبة لعملهم.

40 % من موارد العالم الطبيعية توجد في إفريقيا وفقاً للمعهد الملكي للشئون الدولية في لندن إلاَّ أن ضَعف الاستثمارات المحلية التي لا تتجاوز 15% من إجمالي الناتج القومي لدولها لا يمكِّنها من استغلالها بالكيفية والسرعة اللازمتين لتحقيق التنمية الاقتصادية والبشرية المطلوبة، ولابد من استثمارات ومساعدات مالية وتكنولوجية خارجية؛ فإفريقيا ترقد على 124 مليار برميل بترول تمثل 12% من الاحتياطي العالمي، وعلى 500 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي تشكل 10% من احتياطي العالم، وتنتج 90% من البلاتين و50% من الذهب و40% من الماس، ومع ذلك لا تحصل سوى على 1,2% من الاستثمارات العالمية البالغة 650 مليار دولار، ولم تستطع استغلال سوى 1,6% من مواردها المائية المتاحة، برغم عجز إنتاجها الزراعي واحتياجها لاستيراد 83% من غذائها؛ بينما تفقد من محاصيلها ما يُقدَّر بنحو 48 مليار دولار بسبب سوء حالة الطرق والتخزين وضعف القدرة على الوصول إلى الأسواق.

أما روسيا الاتحادية فهي دولة متقدمة تكنولوجيًا وعادت لتعزيز نفوذها فى إفريقيا وفتح أسواق جديدة لمنتجاتها وهو ما يفتح الباب واسعًا أمام الحكومات الإفريقية لطلب المساعدات التي تحتاجها شعوبها، كما فعلت مع الصين واليابان وفرنسا والاتحاد الأوروبي والهند وإيران وتركيا والولايات المتحدة التي تتنافس جميعها على الأسواق الاستهلاكية الواسعة (1200 مليون مستهلك) والمواد الخام الإفريقية الوفيرة (40% من موارد العالم الطبيعية) وهو تنافس لو أحسن الأفارقة استغلاله لحصلوا على مكاسب كثيرة لشعوبهم.

وقال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إنه من الممكن أن تقدم موسكو المساعدة للدول الإفريقية دون شروط سياسية، بعكس ما وصفه بالغرب الاستغلالي متهمًا الدول الغربية بترهيب إفريقيا وابتزازها لاستغلال مواردها وللحصول على أقصى قدر من الأرباح، وأضاف أن روسيا - على النقيض - مستعدة لتقديم المساعدة دون شروط سياسية أو شروط أخرى، ولتبني مبدأ الحلول الإفريقية للمشكلات الإفريقية ، مشيرًا إلى اتفاقيات للتعاون الفني العسكري بين بلاده وأكثر من 30 دولة إفريقية.

كما طرحت موسكو مبادرات للتعاون مع دول القارة في مجالات عديدة توفر للجانبين منافع متبادلة خاصة فيما يتعلق بإدارة الموارد الطبيعية، وفتح أسواق للطاقة والاستثمار خاصةً في حقول البترول والغاز الإفريقية والترويج للصناعات النووية و الاستخدام السلمي للطاقة الذرية، والتعاون النووي مع نحو 20 دولة من بينها مصر؛ التي أبرمت معها عقدًا لبناء محطة طاقة نووية باستثمارات تُقدر بنحو 29 مليار دولار، فضلًا عن استكشاف المعادن وإنتاجها وتلبية الاحتياجات الروسية من السلع والمنتجات الإفريقية مثل المطاط والمنتجات البحرية والأسماك والكاكاو والقهوة والشاي، بالإضافة إلى التعاون الأمني والعسكري الذي يساعد الحكومات الإفريقية على تعزيز أمن شعوبها ويدعم في الوقت نفسه صناعة السلاح الروسية.

يبقى القول إن معوِّقات الاستثمار في الدول الإفريقية كثيرة تتقدمها البنية الأساسية المهلهلة من طرق وموانئ وجسور، والفساد المستشري والقوانين المتخلفة المعوقة للاستثمار والقيود المفروضة على تحويل عائد الاستثمارات الأجنبية إلى الخارج وتخلف النظم المصرفية الذي يعاني منه المستثمرون والجمارك الباهظة على مستلزمات المشاريع الاستثمارية الآتية من الخارج، وغياب الأمن والديمقراطية الحقيقية اللازمين لتحقيق الاستقرار فضلاً عن الصراعات العرقية والقبلية والدينية داخل الدولة الواحدة وأحياناً على الحدود مع الجيران؛ مما يجعل الاستثمار غير آمن.

ولكي تستفيد الشعوب الإفريقية من المؤتمرات التي تُعقد من وقت لآخر، على حكوماتها اتخاذ خطوات جادة وسريعة لتهيئة الأجواء لتنفيذ مقرراتها كما ينبغي، وإذا  لم تتحسن البيئة الطاردة للاستثمار في الغالبية العظمى من دول إفريقيا، فلن تُجدي المؤتمرات نفعاً لإنقاذ حياة الأبرياء، ولن تتحسن بيئة الاستثمار إلاَّ بعد أن تعمل الحكومات بجدية للحد من الفساد وتنفيذ مشروعات تنمية حقيقية ل إيجاد فرص عمل لملايين العاطلين، مع ضرورة احترام حقوق الإنسان، والتوقف عن اضطهاد المعارضين.

مقالات اخري للكاتب

للنهوض بشباب إفريقيا وفتياتها

تنبع أهمية المؤتمر الاقتصادي الإفريقي الذي يبدأ اليوم (الإثنين) بمدينة شرم الشيخ تحت رعاية الرئيس عبدالفتاح السيسي من تركيزه على قضية حيوية؛ وهي توفير

تحرك مصري جديد لدعم اقتصادات إفريقيا

في أحدث جهوده المتواصلة للحصول على أكبر قدر من مساعدات التنمية لدول إفريقيا ورفع مستويات معيشة شعوبها وتوفير فرص عمل لملايين العاطلين من شبابها خلال رئاسة

أفضل مما توقَّعنا في مفاوضات سد النهضة

أسفر اجتماع واشنطن - بين وزراء خارجية مصر والسودان وإثيوبيا - عن نتائج إيجابية فاقت ما توقعناه بخصوص مفاوضات سد النهضة، الأمر الذي عزَّز أكثر الآمال في

تطور مُبشِّر في مفاوضات سد النهضة

تأكيد الرئيس الأمريكي ترامب خلال اتصال هاتفي مع الرئيس السيسي اهتمامه شخصيًا بنجاح مفاوضات سد النهضة، وخروجها بنتائج إيجابية وعادلة تحفظ حقوق كل الأطراف،

فرصة ثمينة قد لا تتكرر

أتاح تغيير نظام الحكم في السودان فرصة ثمينة - وربما ذهبية - يجب أن تنتهزها الحركات المسلحة في دارفور، وجنوب كردفان، والنيل الأزرق والحكومة؛ لإحلال السلام